استخدم القرآن مصطلح الجهاد في القرآن المكي، مثل قوله تعالى عن القرآن: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾(الفرقان:52)، أما القتال فلم يُشرع إلا في المدينة المنوّرة عندما قامت دولة المسلمين، وحاولت الحراب أن تتناوشهم من هنا وهناك، عندها نزلت آية الإذن بالقتال في السنة الثانية للهجرة، وهذا يعني أن دائرة الجهاد واسعة جدًّا، وهذا ما أبرزه فتح الله كولن في كتابه “روح الجهاد وحقيقته في الإسلام”.

الجهاد الأصغر عند فتح الله كولن  تنفيذ أوامر الدين عمليًّا وأداء ما كلف به الإنسان.

في بداية هذا الكتاب ناقش كولن مفهوم الجهاد، وبعد أن عرَّفه من الناحية اللغوية رأى أنه -أي الجهاد- يجري في جهتين اثنتين: الأولى موجهة إلى الداخل، والأخرى موجهة إلى الخارج، ثم قال: “إن بذل الجهد إلى الداخل عبارة عن عملية إيصال الإنسان إلى ذاته وإلى ربّه. أما الجهاد الآخر المُوَجَّه إلى الخارج فهو عملية إيصال الآخرين إلى ذواتهم وإلى ربّهم. ويطلق على الأول “الجهاد الأكبر” وعلى الثاني “الجهاد الأصغر”.

حركة الخدمة والجهاد الأبيض

ومن خلال قراءة حركة الخدمة فكرًا وممارسة، يجد المرء أنها حركة جهادية من طراز رفيع رغم أنها لم تطلق طلقة واحدة، ولم تُرِقْ قطرة دم واحدة؛ إذ أنها تتحرك في إطار الجهاد الأبيض الواسع وتستهلك كل طاقتها هناك، وتنجز كل عام عددًا من الفتوحات المدنية الناعمة في جبهات التربية والتعليم، عبر بناء ما يزيد عن ألفي مدرسة نموذجية في تركيا وفي مائة وستين دولة في العالم؛ وبناء أكثر من خمس عشرة جامعة ضخمة، أهمّها “جامعة الفاتح” في إسطنبول؛ وإيجاد المئات من المدن والمباني السكنية الجامعية([1])، بحيث يمكن القول أن هناك مليونين من الطلاّب الذين يستفيدون من خدمات هذا التيار أو من جهاده الأبيض الذي يدرأ به فتنة الجهل والفقر والفرقة عن أعداد كبيرة من المسلمين كل عام.

الجهاد الأصغر والأكبر

فالجهاد الأصغر إذًا هو تنفيذ أوامر الدين عمليًّا وأداء ما كلف به الإنسان؛ أما الجهاد الأكبر فهو إعلان الحرب على جميع العقبات والعوائق الكامنة في النفس الإنسانية التي تعيقه عن الكماليات من حقد وحسد وأنانية وغرور وكبْر وفخر وأمثالها من الأمور التي جُبلت عليها النفس الأمّارة بالسوء. فهذا الجهاد عسير وشاق، ولهذا سمي بالجهاد الأكبر”.

الجهاد الأكبر عند فتح الله كولن إعلان الحرب على جميع العقبات الكامنة في النفس الإنسانية التي تعيقه عن الكماليات

الفتوحات الناعمة

ويركّز فتح الله -في مخاطبته للمسلمين عمومًا وأتباعه خصوصًا- على توجيههم إلى الفتوحات الناعمة والجهاد الأبيض، حيث يقول على سبيل المثال: “فمَن كان يريد إحراز لقب الفاتح فليفتح قلعة النفس أوّلاً، ومن استعصى عليه فتح الداخل لا يمكن أن يفتح شيئًا من الخارج”. وبهذا يصرف طاقات الشباب نحو بناء الذات وإعمار الحياة، ويَحول بهذا بينهم وبين الانجراف نحو الإرهاب المتدثر بدثار “الجهاد”. فالإرهابي عند كولن ليس مسلمًا، والمسلم لا يمكن أن يكون إرهابيًّا. وهذا الاستخلاص جاء نتيجة قراءة دقيقة لمقاصد الإسلام ولحقائق الواقع.

وهكذا، فإن لبّ هذا التيار هو الجهاد المدَني الأبيض الذي يقدم الخدمات التربوية الاجتماعية والإعلامية والاقتصادية لكل أبناء المجتمع وفْق المستطاع، ومن هنا جاءت تسمية هذه الحركة بحركة -أو تيار- “الخدمة”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كان هذا قبل قيام أردوغان بمصادرة جميع المؤسسات التعليمية والصحية والإعلامية التابعة لحركة الخدمة.

المصدر: فؤاد البنا /من كتاب “عبقرية فتح الله كولن”