أجمعت الأمم على أنَّ من عَدِمَ المال والمتاع والنقود أو امتلك ما لا يكفي منها عُدَّ فقيرًا بلا أدنى شك، وهذا ليس معيبًا في حدِّ ذاته؛ لأن الفقر لا يعيب الشرف أبدًا، ذلك أن العفَّة والنبل شيئان مختلفان، فقد تكون الثروة أساسًا للنبل وليس الشرف كذلك، فالفقر لا يعيب الشرف أبدًا[1]

ولم يشذ عن هذا الرأي الأستاذ فتح الله كولن، ورغم موافقته الرأي المشار إليه، إلا أنه يرى أن الفقر الأخطر يكمن في عدم امتلاك العلم والفكر أو المهارة؛ لذا فالأغنياء الذين لا يملكون علمًا ولا فكرًا ولا مهارة هم فقراء في الحقيقة[2]، وبيّن في هذا السياق أنه يعرض نمطين من الفقر، أولهما معنوي والآخر مادي، من هنا اتخذت محاربة الفقر عند الأستاذ كولن مسلكين أساسيين:

يرى كولن أن الفقر الأخطر يكمن في عدم امتلاك العلم والفكر أو المهارة؛ لذا فالأغنياء الذين لا يملكون علمًا ولا فكرًا ولا مهارة هم فقراء في الحقيقة.

المسلك الأول: محاربة الفقر المعنوي

المسلك الثاني: محاربة الفقر المادي، ويشتركان في اعتمادهما الكلي على أساس واحد، فلا يشيعان (الفقر المعنوي والفقر المادي) أو يعيشان إلا حيث يستقر الجهل وتغيب الخدمة الإيمانية، لهذا كان من أولويات الخدمة الإيمانية محاربة الفقر الأول الذي يعد أساس محاربة الفقر الثاني.

ويؤكد الأستاذ كولن في هذا المعنى قوله إنه: “لو جرت مسابقات في الفقر مثلما تجري المسابقات الأخرى، لأصبح الجهل هو الفائز الأول فيها”[3]، ويقصد بهذا الصدد الفقر بنوعية، ذلك أن الجهل أساس كل فقر، ولهذا فالجهل جو مثالي لتكاثر نمطي الفقر، كما أن الفقر نفسه(بمعنييه) من الروافد الأساسية للجهل، لهذا، عندما يهيمن الجهل يولد الفقر، ألا ترى أن الجهل يحول السهول الخضراء والبساتين اليانعة إلى سهول وأراض جرداء وإلى مزابل، وهذا يعد تدنيا وتراجعا للوراء وإفقارًا حقيقيًّا للمجتمعات، بخلاف تحويل الأراضي الجرداء والمزابل إلى سهول خضراء وإلى بساتين غناء فهو تقدم ورقي.. ممالك الأمم المتقدمة جنات، وجبالها غابات خضراء، ومعابدها كالقصور، بينما مدن الأمم المتأخرة خرائب وشوارعها مزابل ونفايات، ومعابدها تفوح منها روائح العفونة[4].

حيث وُجِدَ الجهل وُجِدَ رفيقه الفقر وسادت الحيلة في العلاقات وطُبعت الحياة العامة بالسرقة والكذب والافتراء، وهو وسط أمثل لانتشار الخراب.

وحيث وُجِدَ الجهل وُجِدَ رفيقه الفقر وسادت الحيلة في العلاقات وطُبعت الحياة العامة بالسرقة والكذب والافتراء، وهو وسط أمثل لانتشار الخراب، وأهالي هذه البلدان فقراء وجنودها ميّالون للانقلابات العسكرية، والتفلُّت من الانضباط الحقيقي الذي هو أساس الحياة في انتظامها واستمرارها، كما أن الدول والمجتمعات التي تفتقد للمشورة دول ومجتمعات فقيرة، يقول الأستاذ كولن: “ليست هناك دولة غنية كالمشورة ولا جيش قوي مثلها”[5].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])انظر: الموازين أو أضواء على الطريق، صـ143.

([2])انظر: المرجع نفسه، صـ229.

[3]  انظر: المرجع نفسه، صـ255.

[4]  انظر: المرجع نفسه، صـ217.

[5]  انظر: المرجع نفسه، صـ243.

المصدر: مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي، خبرات مقارنة مع حركة فتح الله كولن التركية، مؤتمر دولي، جامعة الدول العربية، القاهرة، 19-21 أكتوبر 2009، صـ453/ 454.