لقد نظر فتح الله كُولَنْ إلى الإسلام على أنه دِينٌ يُخاطب القلب والروح والذهن ويوجّه التصرّفات والسلوكيات بالدرجة الأولى، أساسه الإيمان والعبادة والأخلاق والمعاملة. فالإيمان يحتلّ دائمًا المكان الأوّل في رؤية فتح الله كُولَنْ الإسلاميّة.

في حين أن حركات الإسلام السياسي الأيديولوجية، مع اهتمامها بالإيمان والعبادة والأخلاق والسلوك إلا أنها نظرت إلى تراجع المسلمين في القرون الأخيرة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بشكلٍ عامّ، ثمّ بحثَتْ ودرسَتْ أسباب الانهيار في هذه المجالات وظنّت أن الانبعاث من جديدٍ سيكون في هذه المجالات أيضًا، وبالتالي فقد نَظَرَتْ إلى الإسلام على أنه أيديولوجيّةٌ ونظامٌ سياسيٌّ اقتصاديٌّ اجتماعيٌّ قبل أيّ شيء، مع قبولها أُسُسَه الأخرى دون أدنى شكّ.

إن مشكلتَنا الأساسية ليست هي انهيار الإمبراطورية، وإنما هي إفلاسنا روحيا، وكم هو مؤلم أن من يديرون الدولة لم ولا يستطيعون فهم هذا بأي شكل من الأشكال.

في حين أن تراجع المسلمين في القرون الثلاثة الأخيرة إنما ينبع في المرتبة الأولى -في رأي فتح الله كُولَنْ- من التدنّي الروحيّ والاختلال الخطير في الاعتقاد والعبادة والأخلاق، فيقول:

“إن مشكلتَنا الأساسيّة ليست هي انهيار الامبراطوريّة، وإنما هي إفلاسُنا روحيًّا، وكم هو مؤلمٌ أن من يُديرون الدولة لم ولا يستطيعون فهم هذا بأيِّ شكلٍ من الأشكال”.

نقطة الانطلاق

ولا يُركَّزُ طويلًا على طُرز المعيشة الإسلامية الشخصيّة للأفراد في الرؤى الأيديولوجية السياسية نظرًا لتباين نقطة الانطلاق الرئيسة هذه وتمايزها في كلِّ واحدة منها عن الأخرى؛ فعلى حين أن تحريك الناس وتنشيطهم يتصدّر الفهم الأيديولوجيّ فإن فتح الله كُولَنْ يتحرّك في اتّجاهٍ مختلفٍ، ومن ذلك مثلًا تلك العبارات الآتية التي تكفينا كي نفهم نقطة انطلاقه ورؤيته من زاويةٍ ما:

“ينبغي للذين يحاولون أن يُصلِحوا العالَم إصلاحُ أنفسهم أوّلًا. أجل، عليهم أن يُطهّروا قلوبهم أوّلًا من الغلّ والحقد والحسد إلى جانب استقامتهم في السلوك وفي التصرّف وبعدهم عمّا لا يليق بهم، أما من لم يسيطر بعد على عالم قلبه ولم يُعلن الحرب على نفسه الأمّارة، مثل هؤلاء وإن تكلّموا بمعسول الكلام، وإن كانوا في قمّة البلاغة فإنهم لن يستطيعوا إثارة القلوب والأرواح ولو استطاعوا ذلك فلن يستطيعوا هذا طويلًا”.

بُعدٌ مذهبيٌّ آخر مُهمّ

رسخ كُولَنْ رؤيتَه الإسلامية وفقًا لمنظور أن القاعدة الأساس في دين الله تعالى هي الرحمة والشفقة والعفو والصفح، وتوجّه إلى روح الدِّين ومعناه الأصلي وقيمه المعنويّة والأخلاقيّة، إنه يرى أنّ عصرَنَا الحاضرَ عصرٌ يستوجب إبراز البُعد الإبراهيمي والعيسويّ من الإسلام والروحِ المحمّديّة فيه ومن ثمّ. فإن فتح الله كُولَنْ يتبنّى الرأي المدافع عن ضرورة قيام العلاقة مع البشر في إطار الإقناع، أي في إطار الحوار والعلاقة الطيّبة المتبادلة.

من لم يسيطر على عالم قلبه ولم يُعلن الحرب على نفسه الأمّارة، هؤلاء وإن تكلّموا بمعسول الكلام، فلن يستطيعوا إثارة القلوب والأرواح ولو استطاعوا ذلك فلن يستطيعوا هذا طويلًا.

ومع أن المتمسّكين بالفهم السياسيّ والأيديولوجيّ للإسلام يتّهمون فتح الله كُولَنْ بالتنازل عن بعض القيم الإسلامية بسبب رؤيته هذه، فإن بعض الأوساط التي تظهر نوعًا من الحساسيّة بشأن النظام في تركيا، وكذلك الذين يُقيّمُون العلمانيةَ على أساس الفهم الدينيّ يزعمون أنه -أي الأستاذ فتح الله- يُخْفِي مقصده الأصليّ، ويسعى لإقامة دولةٍ ثيوقراطيّةٍ، بيد أن الحقيقة تكشف خطأ كِلا الطرفين فهمًا وتقييمًا، وهذا الخطأ ليس وضعيًّا مؤقّتًا فحسب، بل خطأٌ فكريٌّ أيديولوجيٌّ في الوقت نفسه.

الإسلام والتنظيمات أو الأيديولوجيّات الحزبيّة

لقد اختزلت النظرةُ السياسية الأيديولوجية إلى الإسلام الخدماتِ الإسلاميةَ في كثير من الأماكن في صورة حزبٍ أو منظّمةٍ أو فعاليّات نخبةٍ معيّنة دون غيرها، في حين أن الإسلام لا يمكن أن يمثله حزبٌ أو منظّمةٌ أو مجموعةٌ أبدًا، ولا يمكن على الإطلاق تصويب ادّعاء أيّة مؤسّسةٍ بأنها تمثل الإسلام، علاوةً على ذلك فمن الواضح تمامًا أن مثل هذا النوع من السلوكيّات والرؤى يؤدّي إلى فهم الإسلام على أنه مجرّد أيديولوجيّة خاصّة بمنظّمة أو مجموعةٍ أو حزبٍ ما، ناهيك عن أنه يتسبّب في حدوث انقساماتٍ بين المسلمين تخالف الإسلام وتعارض روحه، وكما يتسبّبُ الدخول تحت لواء التكتّلات أو الأحزاب أو التشكيلات باسم الإسلام في انقسام المسلمين وتشرذمِهم في صورة أحزابٍ ومنظّماتٍ؛ فإنه يدفع الكثيرين منهم إلى فكرة استغلال الإسلام في سبيل مقاصده وأهدافه الدنيويّة السياسيّة، والأكثر من ذلك أن مفاهيمَ الإسلام ومثُلَهُ الجوهريةَ تُقدَمُ بطرقٍ مختلفةٍ متباينةٍ، وهو ما سينتج عنه في النهاية أن يُدمج الإسلامُ مع أشكال وأنماط الأنظمة والأفكار والمعتقدات الأخرى المتباينة المختلفة أو يُعتبَرَ قريبًا منها، والحقُّ أن المؤمن مطالَبٌ بأن ينأى تمامًا عن كلّ ما يُعكّرُ صورة الإسلام ويسيء إليه مهما بَدَرَ وصَدَرَ من جانب الأوساط المعادية للإسلام.

رؤية فتح الله كُولَنْ

 إن أساس رؤية كولن هي البعد التامّ عن السياسة وإثارةِ الانطباع بأن الخدمات المَسْعِيَّ إلى تنفيذها وتحقيقها على الساحة تُستخدم كآلةٍ وأداةٍ لأهدافٍ سياسيّةٍ أو غيرها من الأهداف الدنيويّة الأخرى، وقد عبّر بنفسه عن هذا في كثيرٍ من كتاباته وأحاديثه، ومن ذلك على سبيل المثال:

” إن تسييسَ الدين، وجعْلَ الإيمانِ أساسًا لمجموعة من الآراء السياسية لكونه مصدرًا مقدّسًا، ، وإضفاءَ القدسيّة على تحليلاتنا وتفسيراتنا ومفاهيمنا المتعلّقة بالإدارة، قد يكون تصرُّفًا وسلوكًا يزدرئُ الدِّين ويستهين به، ثانيًا: حينما يؤسّس بعضُ المسلمين أفكارهم وآراءهم السياسيّة ورؤيتهم الحزبيّة؛ على الدِّين فإن عيوبهم وعاهاتهم ونقائصهم تنعكس على الدِّين إلى حدٍّ ما، وبالتالي فإن ردّة الفعل عليهم تكون ردّة فعلٍ على الدِّين أيضًا، لا بدّ من تمثيل حقيقة الدِّين بحيث تكون أسمى من كلّ الآراء السياسيّة جميعها؛ ذلك أننا حين نُسيّسُ الدين، ونقول إننا نمثّلُه نكون وكأننا قد أقصينا غيرنا منه”.

لا بدّ من تمثيل حقيقة الدِّين بحيث تكون أسمى من كلّ الآراء السياسيّة؛ ذلك أننا حين نُسيّسُ الدين، ونقول إننا نمثّلُه نكون وكأننا قد أقصينا غيرنا منه

الايجابية في مواجهة ردّة الفعل

إن الناظرين إلى الإسلام من زاوية الأيديولوجيّة السياسية سعوا إلى التوفيق بين الإسلام وبين الأنظمة الفكريّة والأيديولوجيّات الموجودة متّبعين في ذلك أسلوبًا يغلب عليه الاعتذار، وبهذه الطريقة لم يقدّموا الإسلام بطبيعته الخاصّة به؛ بل قدموا له صورةً تختلف عن غيرها في كلّ فترةٍ، وعلى سبيل المثال: إنه سُوّيَ بين الإسلام وبين الليبرالية والرأسماليّة وما تقومان عليه من القيم في أواخر القرن التاسع عشر والربع الأوّل من القرن العشرين، وصار الإسلام عقب الحرب العالميّة الثانية وكأنّه مقرون بالاشتراكيّة تزامنًا مع رواج التيارَين الاشتراكي والشيوعي في البلاد المعروفة باسم العالم الثالث خاصّةً، والعالم الإسلاميّ خلال الفترة نفسها.

أما في عصرنا فإن الإسلام يُدرسُ وقد سُوّيَ بينه -بعض الشيء- وبين المفاهيم التي يشكل كلٌّ منها قيمةً مختلفةً كالعولمة والتغيير المترتّب معها، والليبرالية والتعدّديّة الثقافية، وبهذا الشكل فإن الإسلام سيظهر أمام المخاطبين على أنه يختلف من مرحلةٍ إلى أخرى، ويقدمُ الإطارُ الذي شكله الآخرون والتحليلاتُ والتفسيراتُ المطروحةُ بشأنِ الإسلام على المدار الذي رسموه هم أيضًا على أنه نمطٌ وطورٌ إسلامي، فيختزلُ الإسلام -نتيجة لذلك التقديم- في أنه نوع من الفلسفة أو الأيديولوجيّة التي تنتجها ردود الأفعال.

لكن فتح الله كُولَنْ يتناول الإسلام كدِينٍ ويتناول مبادئَهُ الثابتة في هذا الإطار، ولذا فهو لا يعاني أيَّ نوعٍ من التناقض والتضارب في نظرته إلى الإسلام وتقديمه إيّاه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: من كتاب “فتح الله كُولَن ومقومات مشروعه الحضاري”