إن رجال النور يحيكون التاريخ برِقّة ولطافة، لا يتعجلون النتائج، ولا يتركون الفرص تضيع، يسددون ولا يخطئون الرمية، وكل ذلك نهوضًا بالأمة. وليس تحقيق رهان النهضة بالأمل العزيز إذا توسلنا إليها بوسائلها و”إذا قيّمنا الدنيا التي نعيش فيها تقييمًا صحيحًا من وجهة أفق الحكمة الذاتية، ففسَّرنا الأشياء والحوادث تفسيرًا صحيحًا، وشخَّصنا المتطلبات الأساسية لبناء إنساننا الداخلي.. وانشددنا بفكرة التواجد والحضور إلى الأبد، وما الذي يعيق الأجيال البصيرة عن تقدم الصفوف، ما دامت قادرة على تقييم الماضي والحاضر والمستقبل على صعيد واحد، وحامية لأعراف المجتمع وتقاليده وحركيات تاريخه، وماهرة في تفسير تكرر التاريخ باتجاه تجديد الذات؟”.

قد بات كولن يعمل ويدعو العاملين المصلحين إلى وجوب مراعاة السنن الحضاري والمحركات التاريخية، والأخذ بها في عملية الإحياء ورسم خطط الإنهاض.

من أجل تفعيل المشروع الانبعاثي الحضاري

وإذا أردنا استخلاص بعض ما قرأ به الأستاذ كولن فقه التاريخ وقوانين الانبعاث، قلنا: إنه من تجربته الميدانية، ومن خِضَم انغماره في العراك الدعوي، ترصد طبيعة الحراك والقواعد والعوامل والمفعِّلات المترابطة والصانعة للمدنيات أو المهدمة لها، وتبين الحقائق التي لا بد من الأخذ بها في تفعيل المشروع الانبعاثي والحضاري الذي ينشّطه، ولقد بات يعمل ويدعو العاملين المصلحين إلى وجوب مراعاة السنن الحضاري والمحركات التاريخية كما يسميها، والأخذ بها في عملية الإحياء ورسم خطط الإنهاض.

ليس تحقيق رهان النهضة بالأمل العزيز إذا توسلنا إليها بوسائلها وإذا قيّمنا الدنيا التي نعيش فيها تقييمًا صحيحًا.

ومثلما تعلّم من علم التاريخ الكيفية التي لبثت المحركات الاجتماعية تعمل بها في بناء المدنية، أدرك أيضًا أن من نجاعة عمل الدعاة والعاملين أن يكونوا على معرفة بالتاريخ ونواميسه؛ إذ لا بد أن يعرفوا كيف يفسّرون قِيَمه كي يتسنى لهم إدماج تلك القيم في برامجهم النهضوية.

إن رجال النور يحيكون التاريخ برِقّة ولطافة، لا يتعجلون النتائج، ولا يتركون الفرص تضيع، يسددون ولا يخطئون الرمية، من أجل نهضة الأمة.

“فيلزم لوراثة الأرض السعيُ الجاد في الصالحات ابتداءً، بمعنى معايشة الدين كما هو في القرآن والسنة، وجعل الإسلام إحياءً للحياة، ثم احتواء علوم العصر وفنونه، ولنتذكر دائمًا أن المجتمعات التي لا تلتفت إلى الشريعة الفطرية المتجلية من القدرة والإرادة، وإلى مجموعة القوانين الإلهية الظاهرة من الكلام في الكائنات، وأن الأمم والشعوب التي تتعرض إلى التبدل داخليًّا في حياتها المعنوية، مصيرها إلى الخذلان غدًا، مهما كانت ظاهرة اليوم. هو ذا التاريخ وما أشبهه بمقبرة للأمم المنقرضة، يصرخ عاليًا بصوت الحقيقة: إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ(الرَّعْد:11).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: سليمان عشراتي، هندسة الحضارة تجليات العمران في فكر فتح الله كولن ، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ، طـ1، ٢٠١2، صـ55.

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.