بات الحديث عن الأستاذ فتح الله كولن “هوجَه أفندي” أمرًا ضروريًّا، وتعريف الإنسانية بالنموذج الحضاري الذي يبشر به ويدعو إليه فعلاً لازمًا، في خضم ما تحاوله بعض الجهات الرسمية في الدولة التركية من شيطنة للأستاذ كولن، ووسم حركة الخدمة بالكفر والزندقة وإخراج المنتسبين إليها من الدين و الملة ، في أفق القضاء عليها، وأنَّى لهم ذلك؟؟؟، بكل بساطة لأن الخدمة فكرة، هذه الفكرة آمن بها الناس واقتنعوا بمعقوليتها ومصداقيتها، واكتشفوا أدوارها الطلائعية و مجالاتها الإبداعية في خدمة الإنسانية وتفعيل أحكام الدين الإسلامي وتحقيق مقاصده، بما هو محبة وعدل ورحمة وتعايش وسعادة .

كل من درس –بموضوعية-أفكار الأستاذ كولن، أو اطلع على مكتسبات حركة الخدمة وإنجازاتها، إلا و يخلص إلى نتيجة مفادها أن هذا الرجل مجدد و ملهم وملهَم وباعث، وأن هذه الحركة تقدم نموذجًا حضاريًّا يجيب على أسئلة الأزمات التي تتخبط فيها البشرية، وتضع بين يدي البشرية بديلاً شموليا، في ظل عجز النماذج القائمة عن الإجابة على المشكلات الإنسانية الحارقة.

ليس أمامنا اليوم إلا أحد خيارين: إما سعي مستميت فانبعاث… وإما خلود إلى الراحة فاستسلام للموت الأبدي

كولن وحركة الإصلاح والانبعاث

وانطلاقًا من الحديث النبوي الشريف الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها”، فإن الاستاذ كولن استطاع أن يكتشف موطن الخلل في حركة تجديد الدين، والتي جعلت الأمة الإسلامية خارج دائرة التأثير العالمي والريادة الحضارية ردحًا من الزمن، والخلل متمثّل أساسًا في القصور الذاتي، وفي عدم القدرة على الجمع الخلاق بين: الفهم والفعل/العلم والعمل/الفكر والسلوك/قيم الدين ومسالك التدين….واستطاع أن يحرر ذلك المخزون التراثي الهائل من الرؤى والأفكار والمناهج والقيم والاخلاق التي تزخر بها المرجعية العليا للأمة، في انسجام وتناغم تام مع متطلبات العصر ومستجداته.
بهذه الرؤية وبهذا الأفق استطاع فتح الله كولن “الارتحال من فقه النازلة إلى فقه النهضة”، فكولن يحتل اليوم مقدمة الصفوف بين صفوة العلماء والمفكرين الذين جعلوا من قضية الإصلاح والانبعاث همهم الأوكد، وشاغلهم الرئيس، يحدوهم إلى ذلك حس ديني يملأ الصدور، وإرث حضاري شواهده العينية الفخيمة لا تفتأ تستنهض الإرادات، وتذكر أهل النعرة بأمجاد الماضي، وتشرع في وجوههم آفاق مستقبل معالمه مرسومة، إذ هو طريق مهيأ لأن يمضي بلا انقطاع ولا انحراف، ويسترسل وفيًّا للروح التي كفلت للأمة العزة التاريخية والريادة الحضارية في العالم .
والاستاذ كولن يؤكد بأنه لا خيار للأمة إلا تجديد ذاتها فإما الانبعاث أو التقليد ومن ثمَّ الاندثار:”…والأمر الوحيد الذي يقع على عاتقنا اليوم، هو أن نُهرَع دون هدر للزمن إلى أخذ موقعنا في التوازن الدولي بشعور جاد بالمسؤولية وانطلاقًا من هويتنا الذاتية. في الحقيقة إننا قد نعجز بوضعنا الحالي عن بلوغ الغد، بَلْهَ التقدمَ والتطور إن لم يكن لنا هدف على هذا النحو. أجل، ليس أمامنا اليوم إلا أحد خيارين: إما سعي مستميت فانبعاث… وإما خلود إلى الراحة فاستسلام للموت الأبدي” .
ومن ملامح التميز في المنهجية التجديدية عند الاستاذ كولن، نذكر ما يلي:

ملامح التميز في منهجية كولن التجديدية

1-الانتقال من التجديد القاصر الجزئي الذي ربطه الفقهاء بالفقه والفتوى والأصول، إلى التجديد الشمولي الذي يشمل الدين فهمًا وتنزيلاً، بالتركيز أولاً على تجديد الإيمان في النفوس، فالإيمان عند كولن هو تلك الطاقة التي تحرك ورثة الأرض، وتساعدهم على تسخير كل الإمكانيات إعمارًا للأرض ورحمة بالخلق:” ولا شك أنه لا يوجد نظام ولا فكرة أو فلسفة استطاعت أن تُحدث أثرًا إيجابيًّا في عمق الإنسان كالذي يحدثه الإيمان مهما تفاوتت نسبته في ذات المؤمن. ففور دخول الإيمان -بمعناه الحقيقي- في قلب إنسان، تتغير رؤيته فجأة عن الكون والأشياء والخالق، وتزداد تلك الرؤية عمقًا واتساعًا حتى يتمكن من تقليب صفحات الوجود وتقييمها وكأنها صفحات كتاب. ليس هذا فحسب، بل وتنبض الكائنات من حوله بالحياة فجأة -تلك التي لم يكن يعيرها التفاتًا في السابق أو كان يعتبرها بلا روح أو معنى- وتبتسم إليه ابتسامة الصديق الحميم، وتحتضنه بدفء ورفق وحنان.

الإيمان عند كولن هو تلك الطاقة التي تحرك ورثة الأرض، وتساعدهم على تسخير كل الإمكانيات إعمارًا للأرض ورحمة بالخلق.

2- الانتقال من المجدد الفرد إلى المجدد المؤسسة: أو بناء ما سماه الأستاذ كولن ب”الوعي الجمعي” وذلك من خلال انخراط كل النخبة في مشروع النهضة والانبعاث، وقد حدد له جملة من الشروط أهمها:
 ينبغي على الأمة جميعا وبالأخص على النخب والمثقفين منها، أن يؤسسوا “سلامًا” بينهم وبين تاريخهم.
 إن كل حركة تجديدية وعملية تغييرية تم وضعها من أجل إنشاء المستقبل، ينبغي أن يتم التخطيط لها بناءً على مقوماتنا التاريخية وجذورنا الروحية.
 يجب أن يوضع في الحسبان أن المساعي والجهود التي تصب في هذا الاتجاه قد تعترضها بعض المضاعفات الجانبية المفاجئة حتى وإن تم اتخاذ التدابير اللازمة. ومن ثم ينبغي السير بحكمة وبصيرة….
 إن جميع القرارات وكافة الأفعال المتعلقة بأي مشروع في هذا الإطار، ينبغي أن تزود بالعلم والخبرة والمعرفة والتخطيط، وكل مبادرة ينبغي أن تزود بالدراسات العميقة والبحوث الدقيقة والاستيعاب الشامل حتى لا نقع في دائرة مفرغة من الهدم والبناء.
3- الانتقال من إحياء علوم الدين إلى إحياء علوم الدنيا والدين: إذا كان الإمام الغزالي حجة الإسلام(م505ه) مجدد القرن الخامس قد انبرى لتجديد الدين من خلال مؤلفاته وخاصة “إحياء علوم الدين “الذي يقول في مقدمته:” فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه وتعالى في كتابه: فقهًا وحكمة وعلمًا وضياءً ونورًا وهداية ورشدًا، فقد أصبح من بين الخلق مطويًّا وصار نسيًا منسيًّا” ،فإن الأستاذ فتح الله كولن قد تنبه إلى أن مفهوم التجديد الكامل والإحياء الشامل الذي يستوعب الدين والدينا، الروح والجسد، الفكر والسلوك، العلم والعمل، العقل والقلب، الفرد والمجتمع، هو القادر على تحرير الطاقات واستثمار كل الإمكانات، واستئناف دورة حضارية جديدة تكون لقيمنا الذاتية فيها المرجع والموجه، يقول فتح الله كولن: “إن تجديدًا كاملاً غير ناقص، لا يتم إلا عبر جهود متضافرة بين الروح والذكاء والحس والإرادة، فتفعيل طاقة الروح وقدراتها إلى حدها الأقصى، واستثمار المعارف المتراكمة عبر الماضي دون هدر لأصغر جزئية منها، والانفتاح الدائم على نسمات الإلهام ونفحات المعنى والوجدان، وعدم الانحباس في ممارسات التقليد الأعمى”.

الإنسان الجديد يملك طاقة بنّاءة وروحًا مؤسِّسًا، يبتعد عن النمطية بشدة، يعرف كيف يجدد نفسه مع الحفاظ على جوهره، ويعرف كيف يروّض الأحداث فتأتي لأمره طائعة خاضعة.

4-توريث المنهج التجديدي الإحيائي: إن أهم ما يميز الرؤية التجديدية للأستاذ كولن هو ذلك الأفق الواسع الذي مكنه من فقه النص وفقه الواقع في توليفة بيداغوجية تنزل احكام النص على الواقع تغييرا وإصلاحا، الأمر الذي ضمن استمرارية هذه المنهجية الخلاقة في توليد نماذجها من ذاتها، وذلك لا يتأتى إلا من خلال توريث هذا المنهج للأجيال المستقبلية، يقول “خوجه أفندي” في مقال نفيس وعميق:” إن المبادرات والمشاريع التي تستهدف مقاصد سامية وغايات عالية تسمو بأبنائها من حال إلى حال، وترقى بهم من درجة إلى أخرى، وتظل تشحذهم وتصقلهم حتى تنضجهم وتجعل منهم كيانات متوحدة في مجموعة واحدة، وتُخرج منهم أممًا في أفراد. ولا شك أن أصحاب المشاريع الكبرى إذا نجحوا -أثناء إنجاز مشاريعهم- في أن يقدّموا العقل على العاطفة، والتجربة والملاحظة على السلوك الحماسي، وأن يحيطوا مشاريعهم بأنوار الرسالة الربانية.. إذا نجحوا في ذلك فسوف تدخل الحشود المندفعة بالعاطفة تحت تأثير تلك الحركة الحكيمة المتثبتة المتوازنة، وتنخرط في سلكها، وترقى في تحركها إلى موقع التعقّل والاتزان والانضباط، فتلتقي مع أرباب الاستقامة وأهل الاعتدال على خط واحد.. وهنا بالتحديد سوف يَبرُز “أربابُ المستوى” ممن تفوّقوا على الجماهير تبصّرًا وحكمة وفكرًا ليتفاعلوا معهم ويقاسموهم عواطفهم الجياشة وحماسهم المتدفق، وبالتالي سوف يظهر فضاء مركّب عجيب من حركة العقل والعاطفة .
5- إعادة صياغة الإنسانية من جديد، وذلك ببناء الانسان الجديد:” الإنسان الجديد يملك طاقة بنّاءة وروحًا مؤسِّسًا، يبتعد عن النمطية بشدة، يعرف كيف يجدد نفسه مع الحفاظ على جوهره، ويعرف كيف يروّض الأحداث فتأتي لأمره طائعة خاضعة. يسبق عصره فيسير أمام التاريخ قدُمًا على الدوام بهمّة تتجاوز حدود إرادته، وشوق عارم وحب عميق واعتماد بالله عظيم. إنه مثال للتوازن التام بين الأخذ بالأسباب والاستسلام لرب الأسباب.. مَن رآه دون معرفة به، ظنه عابدًا للأسباب أو معطّلاً لها؛ بينما الحقيقة ليست هذه ولا تلك.. لأن الإنسان الجديد، بطل التوازن بكل ما تعنيه كلمة التوازن؛ فهو يرى أن الأخذ بالأسباب من واجبه، والتسليم للحق تعالى من صميم إيمانه .

وختاما، أرجو أن أكون قد وفقت في تقريب بعض ملامح التميز المنهجي في الرؤية التجديدية والأفق الإحيائي عند الاستاذ فتح الله كولن، من خلال ما عرضته، دون أن ننسى بأن التقرير الذي أعدته رئاسة الشؤون الدينية بالجمهورية التركية إنما هو شهادة لكولن وليست شهادة عليه، وللحديث بقية…..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

About The Author

من مواليد مكناس بالمغرب أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي تخصص التربية الإسلامية. وعضو المكتب الوطني للجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية سابقا. حاصل على الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة الجديدة في موضوع "المنظور السنني في مشاريع الإصلاح المعاصرة". وفي رسالته فصل عن الأستاذ فتح الله كولن باعتباره أحد رواد هذا العصر في الإصلاح والتجديد شارك في العديد من ندوات محلية ووطنية ودولية، وله مؤلفات ومقالات متنوعة في الفكر الإصلاحي والتربوي.

Related Posts