إن الأنشطة التربوية والتعليمية هي أبرز مظاهر حركة الخدمة بلا شك. وقد أضاف بعض الباحثين الحوار إلى جانب الأنشطة التعليمية واصفين ذلك بأنهما أبرز مظاهر حركة كولن. وعلى الرغم من أن المدارس التركية الموجودة بداية في تركيا ثم في مختلف دول العالم، هي أول ما يخطر بالبال إذا ما ذُكر التعليم، إلا أن الأنشطة التعليمية ليست مقصورة على المدارس فحسب. فهناك قاعدة عريضة جدًّا على مستويات مختلفة تهتم بالتعليم ومناهضة الجهل وتنشئة الإنسان؛ بداية من البيوت التي فتحها متطوعو الخدمة إلى الجلسات الأسبوعية، ومن السكن الطلابي حتى الدورات التأهيلية للجامعة، ومن رواق القراءة حتى أنشطة النشر، ومن الأجهزة الإعلامية من الصحافة والتلفزيون إلى المؤتمرات والندوات.
فمن الأهمية بمكان الاطلاع على رؤية الأستاذ فتح الله كولن في هذا الصدد، من أجل إدراك الفكرة الرئيسية والفلسفة القابعة وراء الخدمات التعليمية المقدمة بهذا القدر الهائل. لذلك سيعرض المقال بداية بعض تعليقات الأستاذ كولن حول أهمية التعليم، ثم سيتناول بعض الملاحظات التي وجهها للنظام التعليمي الحالي، وبعدها سيعرج المقال على الخطوط العريضة لآراء الأستاذ كولن وتوصياته حول التعليم.

إن لم يأخــذ العلــم َ الوحــي بعين الاعتبــار إلى جانب النتائج التي يتوصــل إليها بالوســائل العقلية وبالأعضاء الحسية، فإن المؤسسات التعليمية ستنحدر إلى مجريات مختلفة، ولن تستطيع تأدية الوظيفة المرجوة.

يرى الأستاذ فتح الله كولن أن التعليم -بوجه عام- هو تطوير الخصائص الفطرية الكامنة في الإنسان منذ نعومة أظافره. فهو يرى المخلوقات الأخرى غير الإنسان على دراية جيدة بقوانين الحياة، وتطأ الأرض بغريزة فطرية غاية في الكمال وكأنها تربَّت في عالم آخر. لكن الإنسان ليس كذلك. فعلى الرغم من أنه مخلوق مكرَّم ومثالي للغاية، إلا أنه وُلد محرومًا من كل هذه الغرائز الفطرية الموجودة في الحيوان ومن المعلومات الضرورية للحياة، وعاجزًا للغاية، فهو غير مدرك لقوانين الطبيعة، ويحتاج إلى تعلم كل شيء، ولن يتأتى له معرفة كل هذا ووصوله إلى الكمال إلا بالتعليم.
وبتعبير آخر، خلق الله تعالى الإنسان مهيّأً لبلوغ أعلى المراتب، وقد زوده بمجموعة من المواهب والاستعدادات لتحقيق هذا، بيد أن انكشاف هذه المواهب وتطورها مرهون بالتربية والتعليم.
من جانب آخر يولد الإنسان ببعض الميول الحيوانية إلى جانب المشاعر الإيجابية المنفتحة على الخير والفضيلة. أي إن لديه «آلية النفس» إلى جانب «آلية الوجدان». فإن لم يهذب الإنسان هذه المشاعر المنفتحة على الشر والسوء، فإنه يبتعد عن غاية خلقه وعن إنسانيته. ومن ثم فإن التربية تقوم برسم حدود حركات الإنسان ونشاطاته، وتمنعه من التيه والانحلال والانحطاط. فكما سيطور المهارات التي أتى مزودًا بها إلى الدنيا، ويعلن عن الطاقة الكامنة بداخله بالتعليم، فإن تحكمه في مشاعره السلبية، واتقاءه المساوئ سيكون مرهونًا بالتعليم أيضًا.(2)
يذكر كولن أن التربية والتعليم شقان مهمان بالنسبة للفرد، كما أنهما مهمان لدرجة أكبر بالنسبة للمجتمع؛ حيث يرتبطان بشكل مباشر بحيوية المجتمع وبقائه. وبهذا المنطلق أصبح التعليم من أهم القضايا الأساسية التي تهم كل الدول تقريبًا حتى اليوم، وفي ظل الفترات الانتقالية التي تُعتبر أوقاتًا مستعصية على الشعوب، تكتسب قضية التعليم أهمية أكبر.(3)
وتكشف العبارات الآتية عن قناعة الأستاذ فتح الله كولن بأن التربية والتعلم هي غاية وجود الإنسان وبقائه:
«لا تظهر إنسانية الإنسان واضحةً إلا عند محاولته التعلم ثم تعليم غيره وتنويره. والذي لا يحاول التعلم -مع كل جهله- ولا يفكر بذلك ولا يجدد نفسه بما تعلمه ولا يكون قدوة لغيره، فهو إنسان بالصورة فقط وليس بالسريرة»(4).
ومن المعلوم أن الأستاذ بديع الزمان، يرى أن الجهل والفقر والفُرقة هي مصدر كل شر والسبب الأساس لما تتعرض له الأمة. ويمكن القول إن جميع المشاريع والأنشطة التي تضطلع بها حركة الخدمة تقوم على أساس مكافحة هؤلاء الأعداء الثلاثة. ويلفت الأستاذ فتح الله كولن من خلال مقولته «الجهل هو أول الأسباب لمآسينا الاجتماعية ومقدمة الدواعي إلى بؤسنا السائد»(5) إلى حقيقة أن الجهل هو أعظم خطر من كلا الأمرين الآخرين، لأن الجهل هو المصدر الرئيسي للفقر والفرقة، أما السبيل إلى التغلب على الجهل فيكمن في التعليم. فبما أن الجهل هو العدو الأكبر، فيجب بذل الاهتمام الأكبر للتعليم الذي سيتغلب عليه. ومن ثم ركز الأستاذ فتح الله على التعليم بشكل مباشر وغير مباشر في أغلب مقالاته وحواراته.

ملاحظات الأستاذ كولن على نظام التعليم الحالي

على الرغم من أن التعليم هو قضية حيوية للغاية من حيث حياة الفرد والمجتمع، إلا أن قدرته على تحقيق النتيجة والثمرة المرجوة منه مرهونة بالتنفيذ السليم وفق أصوله. وقد وجه كولن بعض الملاحظات على مفهوم التعليم الحالي في هذا الصدد. لأنه يرى أن «المدارس النظامية» التي أسسها الوزير السلجوقي «نظام المُلك» قد خدمت الأمة مدة سبعة قرون، إلا أن المدارس المفتوحة اليوم قد انتكست قبل أن تستوفي عامها الخمسين. ويثبت صحة هذا الرأي عدم تنشئة الكليات لطلبة علم على المستوى المرجو منذ سنوات، وعجز النظام الحالي للتعليم عن تنشئة رجال علم جادين(6)

لا بــد مــن إعلان التعبئــة في كل مناحــي الحياة بدءا مــن الروضة حتــى التعليم الجامعــي. لأنه في عالم سريع العولمة، ســيحتل العلــم مكانة مهمــة للغاية، وسيســتمد كل شيء قوته أيضا منــه. فلن يتأتى تشكيل مستقبل وبناؤه على العلم إلا بإصلاح المؤسسات التعليمية.

هناك أسباب تمنع -للأسف-رقي الدولة ونهضتها مثل عدم تحرر السياسيين من الاعتبارات السياسية وتركيزهم على فكرة الارتقاء ببلدهم، وتعرض نظام التعليم من الماضي إلى الحاضر إلى ضغوط العقليات القمعية والاستبدادية، وعدم قدرة الشعب على التحرر من قيود المعتقدات المختلفة، وعدم تمكُّن المسؤولين من إيجاد الوقت لتطوير هذه الأمور بسبب الانشغال بالسعي وراء المال والمجد والشهرة.(7)
إن أحد أهم الملاحظات التي وجهها كولن لنظام التعليم هو سيادة «النمطية والحفظ» في المدارس. فالحفظ يقطع السبيل أمام المحاكمة العقلية، وينشئ الطلاب محرومين من التحليل والتركيب. فإذا تقيد الذكاء بالمعتقدات تعرَّض للضمور والاضمحلال. فإن لم يتم التحرر من النمطية، فلن يكون هناك عباقرة. ونظرًا لأن القوالب والأنماط التعليمية تُوضع مسبقًا، فإنه يتم تربية الناس وتنشئتهم وفقًا لها. وأولئك الذين يتجاوزون هذا النمط يعتبرون متمردين. كل هذا يوضح كيف تحولت المدرسة إلى معقل للعقائد السوداء، والقوالب المتعفنة إلى وكر استقر في الأذهان. وما لم يتم تصحيح هذه الأخطاء، فسوف يتخرج الطلاب بقدرات ضعيفة حتى ولو أتوا بأمثال “أينشتاين” في المدارس.(8)
ومن ضمن الجوانب التي لاحظها كولن أيضًا، عدم احترام الفكر الحر، وعدم إيقاظ حب البحث والحقيقة في الطالب، والتعامل مع المسائل ببعض السطحية. يقول مثلاً في أحد المواضع:
«إنني أرى أن مؤسسات التربية والتعليم التي تهتم دائمًا بظاهر الأمور، ستستمر في تهميش الأجيال، وتهميش حياتنا الفكرية مادامت بمنأى عن روح الحكمة، ومادامت الأذهان التي تُدرِّسُ فيها ضيقة. بل حتى الاكتشافات الحديثة والوصفات الناجعة السحرية التي تقدَّم من أجل إنقاذ الإنسانية، لن تستطيع أن توقف هذا الانحطاط العام على مستوى العالم.»(9)
ويذكر أيضًا أنه من الضروري دراسة كيف أن بعض الأشخاص الذين نشأوا في نظامنا التعليمي كانوا أداة للقوة الغاشمة، وكيف تمردوا على القيم الإنسانية، وكيف أساؤوا عمدًا إلى أمتهم؟! فهو يرى أن انغماس الأجيال الشابة في العادات الضارة مثل المخدرات والقمار والسُّكْر، وانتشار السرقة والاستيلاء على الممتلكات العامة بالنهب والاختلاس وغيرها من المشكلات، تثبت أن هناك قصورًا وجوانب يمكن التساؤل عنها في نظامنا التعليمي الذي لا يضع تنشئة الإنسان في المقام الأول. فإن لم توضع تنشئة الإنسان في المقام الأول ستظل الأجيال تضيع سدى، وسيظل البعض يستغلونهم من أجل مصالحهم ما داموا قد نشأوا محرومين من الجوانب المعنوية ولم يتلقوا التربية الكافية(10).
ومن النقاط التي ينتقدها الأستاذ فتح الله كولن أيضًا هي هيمنة المنهج الوضعي في نظام التعليم. وعلى الرغم من أن المنهج الوضعي له مكانة لا مراء فيها في العلم، إلا أنه ليس من الصواب أن يقوم نظام التعليم برمته عليه، فما هو إلا منهج من المناهج العلمية. إلا أننا قد أصبحنا أكثر وضعية من الغرب منذ فترة التنظيمات؛ لقد أفرط مثقفونا في هذا الأمر، وخطوا خطوات خاطئة في هذا الصدد. فإن لم يأخذ العلمُ الوحيَ بعين الاعتبار إلى جانب النتائج التي يتوصل إليها بالوسائل العقلية وبالأعضاء الحسية، فإن المؤسسات التعليمية -كما هو الحال اليوم- ستنحدر إلى مجريات مختلفة، ولن تستطيع تأدية الوظيفة المرجوة منها. حتى إن هذه المؤسسات قد تضر باستقرار الدولة، وتقضي على أمل الأمة.(11)

إعادة بعث التعليم وإصلاحه

يقول كولن: «نحن ملزمون بالبحث عن حل لمشكلاتنا التربوية، والإسهام في الحياة الثقافية للإنسانية بتراثنا الثقافي ومفهومنا الحضاري الأصيل». معبرًا عن ضرورة قيام طاقم التعليم ورجال العلم بإعادة النظر في كل ما قيل إلى يومنا هذا، وإعادة فحصه بطريقة علمية مرة أخرى(12). إذ يُشعر بحاجة ماسة اليوم إلى مؤسسات تعليمية جديدة تقوم على فكر وفهم وفلسفة حديثة.
ولتحقيق ذلك لا بد من إعلان التعبئة في كل مناحي الحياة، بدءًا من الروضة والتعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي حتى التعليم الجامعي. لأنه في عالم سريع العولمة، حيث تبدأ المسافات في الزمان والمكان في التقلص سيحتل العلم مكانة مهمة للغاية بالعلم، وسيستمد كل شيء قوته أيضًا منه. فلن يتأتى تشكيل وبناء مستقبل كهذا على العلم إلا بإصلاح المؤسسات التعليمية.(13)

يجــب أثنــاء التخطيــط لقضايا تربيــة وتعليم النشء، تضمـيـن الأخلاق والقيم الإسلامية على الأقل بقدر علــوم ومعــارف وتكنولوجيــا العــصر؛ حتــى لا يقــع الشــباب في مشــاكل معنويــة وروحيــة، ومــن ثــم لا يضطرون إلى البحث عما يرضي أهواءهم ويُشبع احتياجاتهم.

وعبر كولن عن أنه إذا كانت هناك رغبة في تنشئة طبقة مثقفة أو الكشف عن قادة بارزين في مجالات متنوعة، فيجب إعادة النظر في المناهج الدراسية بدءًا من التعليم الابتدائي والثانوي إلى برامج التعليم العالي. لأن المدارس الثانوية والجامعات ليست مناسبة لتأهيل إنسان ناجح وذي جودة عالية بالمناهج الدراسية التي تقررها. ومن هذا المنطلق تكون جميع المؤسسات التعليمية هذه بحاجة إلى عملية إصلاح حقيقية(14). فهو يرى أننا بحاجة اليوم إلى أرواح ثورية من أجل تحقيق إصلاح كهذا؛ أي إضافة الروح والمعنى إلى هذا النظام التعليمي المفروض على الجميع بضغط الأذهان والعقول القمعية والاستبدادية.(15)

مزاوجة القلب والعقل

إن الهدف الأساس من المؤسسات التعليمية في وقتنا الحاضر هو تزويد الطالب بالمعلومات المادية المطلوبة لمهنهم المستقبلية؛ فهو يؤهل الطالب للحصول على فرص عمل جيدة والوصول إلى وظائف مرموقة. وبالتالي، سوف يسهمون في تقدم الدولة ونهضتها وإنعاشها اقتصاديًّا. ونظرًا لأن التطور التقني والتكنولوجي، والتعزيز الاقتصادي وزيادة الرفاهية هي الأهداف الأساسية لسياسيي اليوم، فإن المناهج الدراسية للمؤسسات التعليمية تتشكل أيضًا وفقًا لذلك. والواقع أنه لا يمكن إنكار أهمية هذه الأهداف، إلا أن هذا النهج في الواقع قد جعل التربية والتعليم تقوم على المادية بقدر كبير، لدرجة أنه تم تجاهل التربية تمامًا والاهتمام بالتعليم فحسب. فمن المسلَّم به أن مثل هذا النظام التعليمي لا يمكن أن يلبي الاحتياجات الروحية والمعنوية للفرد، ولن يمنحه القيم الأخلاقية العالمية، ولن يقدم أي توصيات لحل النزاعات والمشكلات التي تنخر في عضد المجتمع.
فمفهوم التعليم عند فتح الله كولن يتمثل في: «الإنسان ليس مجرد جسد، ولا مجرد عقل ومنطق، ولا مجرد مشاعر، ولا مجرد روح.. إنه كائن يتشكل من جسدٍ يتحرق شوقًا لكثير من الرغبات، ومن عقلٍ له احتياجات أعمق من الجسد، وينشغل بآلام الماضي ومخاوف المستقبل، فضلاً عن أنه يبحث في الكون كله عن جواب على سؤال «من أكون؟ ما هذا العالم؟ ماذا تريد مني الحياة والموت؟ من أرسلني إلى الدنيا ولأي غرض؟ أين أذهب؟ وما الهدف من هذه الحياة؟ من هو دليلي في هذه الرحلة الدنيوية؟»، ومن مشاعر تتطلب إشباعًا أكثر من العقل، ومن روحٍ تمنحه هويته الإنسانية، إنه عبارة عن مزيج من هذا كله، أي إنه كائن متكامل. فإن الإنسان الذين تدور حوله جميع الأنظمة والجهود، قد يصل إلى السعادة الحقيقية عندما يُنظر إليه ككل من جميع جوانبه هذه ويُعاد تقييمها ككيان واحد، وتُشبع جميع احتياجاته».(16)

لا يتأتى تنشــئة العظماء إلا من خلال تهيئة مناخ حر يمكن للجميع التعبير فيه عن أنفســهم بحرية تامة. ومــن متطلبــات ذلك احترام ميــول الطلاب بدءا من مرحلــة الثانوية بناء على اســتعدادهم ومواهبهم، ومنحهم الحق في الاختيار في هذا الصدد.

لهذا السبب «يجب أثناء التخطيط لقضايا تربية وتعليم النشء، تضمين الأخلاق والقيم الإسلامية على الأقل بقدر علوم ومعارف وتكنولوجيا العصر؛ حتى لا يقع الشباب في مشاكل معنوية وروحية، ومن ثم لا يضطرون إلى البحث عما يرضي أهواءهم ويُشبع احتياجاتهم».(17)
يوضح كولن ثمرات المنهج التعليمي الذي يأخذ في الاعتبار القلب إلى جانب العقل، وكذلك الاحتياجات الروحية إلى جانب الاحتياجات المادية بالكلمات التالية:
«إن مفهوم التعليم -كما صاغه مفكرنا الجليل والقدير-(18) الذي يرى استنارة العقل في العلوم الحديثة، وضياء القلب في الإيمان والأخلاق، والذي يجعل الطالب يطير في سماء الإنسانية بهذين الجناحين، ويسعى إلى رضا الله بخدمة الناس، لديه الكثير ليقدمه للإنسانية. مثل هذا المفهوم سوف ينقذ العلم من براثن المادية، وينقذه من أن يستحيل عنصرًا ضارًّا وسلاحًا فتاكًا؛ فلن يدع الدين مجهولاً بحسب تشبيه “أينشتاين”، ولن يكون بمنأى عن العقل والحياة والحقائق العلمية، ولن يسمح بأن يُنظر إليه على أنه مؤسسة للتعصب الأعمى التي تبني الجدران العازلة بين الأفراد والأمم»(19).

بعض التوصيات الخاصة بنظام التعليم

وقد عبر كولن -الذي يتحدث كلما سنحت له الفرصة تقريبًا عن أهمية الحرية، والحاجة إلى تحقيق حرية الفكر- عن ضرورة أن يكون نظام التعليم أيضًا بمنأى عن أي ضغوط وقمع، وأن يتبنى احترام الفكر الحر. فهو يرى أنه لا يتأتى تنشئة العظماء إلا من خلال تهيئة مناخ حر يمكن للجميع التعبير فيه عن أنفسهم بحرية تامة. ومن متطلبات ذلك احترام ميول الطلاب بدءًا من مرحلة الثانوية بناء على استعداداتهم ومواهبهم، ومنحهم الحق في الاختيار في هذا الصدد. لذلك يجب أن توضع المناهج الدراسية في الثانوية والجامعات بمرونة تسمح بتحقيق ذلك. فإذا لم تُوفر لهم الفرصة، ولم يتم إرشادهم من سن مبكرة حسب قدراتهم وذكائهم، فلن تظهر العقول الفذة ولن يمكن تنشئة عباقرة المستقبل.(20)
يرى كولن، أن نظام التعليم الحالي يضيع قدرًا كبيرًا من وقت الطالب، فيذكر أنه حتى الطفل الذي يتمتع بمستوى متوسط من الذكاء يمكنه اختزال 12 عامًا من التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي الحالي في 4-5 سنوات فقط بتخطيط جيد.(21)
هناك مسألة أخرى أكد عليها حول مسألة التعليم وهي إمكانية تقديم المعلومات الضرورية للحياة في المدارس. على سبيل المثال، يتعلم الطلاب المعارف الأساسية بالصحة من خلال الدروس التي يقدمها الأطباء، وبالمثل، يمكن للطلاب أن يتعلموا في سن معينة بعض القضايا المتعلقة بالزواج والعلاقات بين الزوجين وتربية الأبناء من خلال المختصين بهذا المجال(22).
يرى كولن، أن التربية والتعليم يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب في نظام التعليم. فمهما كان المستوى الذي ارتقى إليه الطالب في التعليم، فلن يكون هذا كافيًا لسد الفجوة في التربية. فالتربية باختصار تعني ترقية الإنسان العادي إلى مستوى الإنسانية الحقة. لذلك يجب أن يكون المعلمون المنشغلون بالتعليم قادرين على الكشف عن أثر وهيكل الإنسان مثل النحَّات الماهر تمامًا. يجب أن يكونوا قدوة للطلاب في أفعالهم وتصرفاتهم ومعتقداتهم وأفكارهم ونظراتهم للعالم، فيكونوا مربين لهم بلسان حالهم. فإن لم تمر هذه العقول الفذة من تحت أيادي معلمين ماهرين، ولم يتم تنشئتهم في كنف مربين حاذقين، فلن تتطور أخلاقهم وشخصياتهم(23).

وظيفة المدرسة والهدف الأساس منها

عبّر كولن عن أن نظام التربية والتعليم الذي لم يُوضع له هدف معين، سوف يربك ويشوش الأجيال(24)، فيذكر أن المهمة الأولى للمدرسة هي رعاية وتنمية البذور الجيدة التي تلقى على عالم مشاعر وأفكار الطفل في عشه وإزالة البذور السيئة. بمعنى آخر، يجب أن تساهم المدرسة في تنمية الشخصية والأخلاق التي بدأت أولاً في الأسرة وأن تؤهل الطفل ليكون فردًا جيدًا يحترم قيمه الثقافية ويتمتع بالمثل العليا.
والمفهوم من تصريحات فتح الله كولن حول هذا الموضوع، أن الهدف الوحيد للمدرسة ليس تعليم الأطفال علومًا مختلفة وملء عقولهم بالمعلومات المفيدة. بل يجب على المؤسسات التعليمية إلى جانب هذا أن تنشئ الطفل على علم ووعي بالقضايا الدينية وشؤون الدولة والأحداث العالمية. فإن تعويد الطلاب على التفكير بشكل منهجي والعمل بانضباط، هو من بين الواجبات الأساسية للمدرسة.
لخص كولن بإيجاز الغرض الأساسي من المدرسة وواجبها في الجمل التالية:
«تهدف المدرسة إلى إيصال طلابها إلى أسمى السمات وأرقاها، والارتقاء بهم فوق كل الأمم على المستوى المادي والمعنوي، وإرشادهم إلى طرق بناء حضارات تفوق الحضارات الموجودة كما كان في السابق… ومن أجل تحقيق هذه الغاية لا بد من الاهتمام بكل طالب على حدة، والتعريف بقيم الأمة ومقدساتها وغرسها فيهم من خلال تمثيلها شخصيًّا؛ يجب تهيئة المناخ لولادة وتنشئة الشخصية الإنسانية الفاضلة التي تحمل فعلاً القيم القومية لوطننا الذي أصبح مشوشًا وغير واضح المعالم بالأفكار والانصهار الأجنبي الذي غلب عليه».(25)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1)  Anwar Alam, For The Sake of Allah, s. 194.
(2)  Fethullah Gülen, Çağ ve Nesil, s. 47-38.
(3)  Fethullah Gülen, Buhranlar Anaforunda İnsan, s. 114.
(4)  فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطريق، ص 10.
(5)  فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، ص 73.
(6)  Fethullah Gülen, Fasıldan Fasıla, 1/11.
(7)  Fethullah Gülen, Fasıldan Fasıla, 3/197.
(8)  Fethullah Gülen, Fasıldan Fasıla, 5/114; Işığın Göründüğü Ufuk, s. 96.
(9)  Fethullah Gülen, Yitirilmiş Cennete Doğru, s. 114.
(10)  Nuriye Akman, Gurbette Fethullah Gülen, s. 26-27.
(11)  Fethullah Gülen, Fikir Atlası, s. 115-116.
(12)  فتح الله كولن، الموشور 1، ص72.
(13)  فتح الله كولن، الموشور 3، ص 230.
(14)  Fethullah Gülen, Yenilenme Cehdi, s. 153.
(15)  Fethullah Gülen, Fasıldan Fasıla, 3/197.
(16)  Fethullah Gülen, İnsanın Özündeki Sevgi, s. 234-235.
(17)  Fethullah Gülen, Zamanın Altın Dilimi, s. 164.
(18)  يوجد هنا إسقاط على كلمات الأستاذ بديع الزمان، التي يقول فيها: «إن ضياء القلب هو العلوم الدينية ونور العقل هو العلوم الحديثة فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة، فتتربى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين. وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية.» (سعيد النورسي، المناظرات، ص 125)
(19)  Fethullah Gülen, İnsanın Özündeki Sevgi, s. 237.
(20)  Nevval Sevindi, «Röportaj», Yeni Yüzyıl Gazetesi, 20-29 Temmuz 1997.
(21)  Fethullah Gülen, Fasıldan Fasıla, 3/197.
(22)  Nuriye Akman, Gurbette Fethullah Gülen, s. 26-27.
(23)  Fethullah Gülen, Buhranlı Günler ve Ümit Atlasımız, s. 235-236.
(24)  Fethullah Gülen, Fasıldan Fasıla, 2/268.
(25)  Fethullah Gülen, Zamanın Altın Dilimi, s. 114-115.