هناك رأي قائل إن مواكبة العصر هي الطريق الأوحد للتقدم، والعلمنة هي السبيل الوحيد إليها، وإن الإسلام يدعو إلى الجمود والجهل والاستبداد، كغيره من الأديان. انتشر هذا الرأي بين مؤيدي الكمالية -أفكار مصطفى كمال أتاتورك في تركيا- وغيرهم من «العلمانيين الأحرار» المنتشرين في العالم الإسلامي. بدأت مجموعة متزايدة من الرجال والنساء المسلمين تشكك في هذا الفصل منذ ثمانينيات القرن العشرين. فهم يرون أن الإيمان والتقوى مصدرا الهداية والقوة، لهذا بدأوا في إعادة إحياء قيم إسلامية مثل المساواة والعدالة الاجتماعية والتعليم والتقدم بوصفها وسائل للإصلاح المجتمعي. يحاول مؤيدو حركة الخدمة، كغيرهم من ا لإسلاميين والصوفيين المعاصرين، استكشاف وسائل نشر السلام والتفاهم عبر التثقيف والحوار مع المسلمين وغير المسلمين. في حين يواصل «العلمانيون الأحرار» في تركيا جهود معارضة إستراتيجيات كولن، زاعمين أنها غطاء لخطة سرية تسعى لبناء دولة إسلامية تشيع الاضطهاد، ولا سيما تجاه النساء. وفي المقابل، نجد أعدادًا متزايدة من الدراسات حول أثر تعاليم كولن على مؤيدي الخدمة من النساء، والتي تكشف أن بعضهن عثرن على هدف حياتهن، وصنعن مسيرتهن في مدارس كولن (أوزدالجا، 2000)، كما بادرت بعضهن بالتحاور مع شركاء حياتهن والتفاوض معهم لإدخال تغييرات على حياتهن الشخصية وعلاقاتهن (ستيفنسون، 2005). يشارك هذا البحث في تلك الدراسة من خلال التحقق من أهمية مجالس الدروس (sohbetler) التي تُعقد أسبوعيًّا في مدينة كانساس لمؤيدي الخدمة من النساء. تتقصى الدراسة آراء النساء حول دور الإيمان والتقوى في حياتهن، وتأثير تعاليم كولن في رسم معالم هذا الدور، وأثر مشاركتهن في مجالس الصحبة على نموهن الشخصي. علاوة على ذلك، تتقصى الدراسة رؤية النساء للجدل الدائر حول دور الإيمان والتقوى في المجتمع اليوم.
كثيرًا ما يفترض العلماء المسلمون وغير المسلمين المتأثرون بالاتجاهات الشائعة في الفكر الغربي أن العلمنة شرط أساسي لتحقيق التقدم والتطور في جميع جوانب المجتمع اليوم. ويُنظر إلى الدين باعتباره منبع الاضطهاد وعدم المساواة والتمييز والعداء، وبالتالي فإنه عائق في وجه التقدم والتطور في أعين أغلب العلمانيين الأحرار. وقد حاول العلمانيون الأحرار ودعاة المساواة بين الجنسين توثيق الطرق التي تلجأ إليها النساء والمجموعات المضطهدة الأخرى -بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء عن قصد أو دون قصد- للتأقلم مع الكيانات والأشخاص والممارسات والهيئات المناصِرة لما يرونه أيديولوجيات استبدادية، بما فيها الإسلام، والتحايل عليها، وتحديها، ومقاومتها، بل وحتى النضال لإسقاطها. نلاحظ أن كتابات العلمانيين الأحرار ودعاة المساواة بين الجنسين التي تدور حول النساء بوجه عام، والمسلمات منهن بوجه خاص، تركز منذ وقت طويل على تقديم أدلة تؤكد مقاومتهن للكيانات والأشخاص والممارسات والهيئات القائمة على الإسلام. تُفهم كلمة الحجاب على أنها ارتداء المرأة المسلمة غطاء رأس، تختلف وتتنوع أشكاله من منطقة إلى أخرى. وكثيرًا ما ينظر العلمانيون الأحرار في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في تركيا، إلى غطاء رأس المرأة كمظهر من مظاهر الاستبداد، ويعتبرون اتخاذ المرأة المتعلمة المتحضرة قرارًا واعيًا بارتداء الحجاب، تأييدًا فعليًّا لأيديولوجية ظالمة. في حين يُنظر إلى قرار المرأة الواعي بخلع الحجاب، باعتباره دليل انتصار في الصراع ضد الاستبداد.
أدرك العلماء في الآونة الأخيرة أن التدين والتقوى وممارسة الشعائر، ليست مجرد محاولات فردية ليس لها أثر على حياة ممارسها أو أثرها بسيط، فيما عدا تحديد توجهاته السياسية في عالم اليوم الذي شهد مبالغة في تسييس الدين والانتماءات الدينية. بل بدأ الوعي يزداد بأهمية هذه الممارسات ودورها المحوري في تشكيل هوية ممارسها وطباعه وآرائه في جوانب أخرى عديدة من حياته اليومية في المنزل والمدرسة والعمل. والأهم من ذلك كله، أن هذه الممارسات لها انعكاسات وتداعيات على جوانب أخرى من حياة مجموعته ومجتمعه خارج الحدود التي تُمارس فيها. كشفت عدة دراسات حديثة بعض هذه التداعيات في حالة النساء المسلمات. توضح هذه الدراسات كيف تؤدي جهود النساء اللاتي يمارسن الدين إلى تغيير الصورة القديمة حول ممارسة النساء للشعائر الدينية، أو ابتكار صورة جديدة بغرض المشاركة في الجهود المستمرة لإعادة تقييم ومراجعة الأيديولوجيات والترتيبات الخاصة بحالة النوع الاجتماعي والأدوار والعلاقات في سياقاتها المحلية (رودفير، 2003؛ وتراب، 2007). هذا وتكشف دراسات أخرى كيف ابتكرت مجموعات مختلفة من النساء مجالات خاصة بهن، من خلال تقديم معانٍ جديدة للممارسات الحالية وإعادة المغزى إليها وتقديم ممارسات جديدة، بغرض تجديد وتعزيز شعورهن بالالتزام تجاه الإسلام، وتشجيع نساء أخريات في مجتمعاتهن على الاقتداء بهن واتباع نصائحهن وتوجيهاتهن. تؤكد هذه الدراسات على التزام تلك النساء المتزايد نحو الإسلام، وقدرتهن على إيجاد فرص وتقديم وسائل من شأنها تحسين ظروف الحياة اليومية للنساء، وتمكينهن في بعض الحالات من تعويض الأوضاع الاستبدادية بقنوات للتمثيل والتمكين (ديب، 2006؛ ومحمود 2004). تبين مثل هذه الدراسات الحديثة وغيرها أن الكيانات والأشخاص والممارسات والهيئات التي تؤيد الاستبداد تستمد قوتها من جوانب أخرى في الثقافة المحلية، وتعتمد على تأويلات متطرفة للنصوص الشرعية في الإسلام.

تطبيق نســاء الخدمة لتعاليم الحركة ومشــاركتهن في أنشــطة ومؤسســات أسســها أتباع آخرون للحركة أدى إلى تحســن حياتهــن الشــخصية، وانخراطهــن في الحيــاة العامة، ورغبتهن في تــرك بصمة أو أثر في المجتمع الذي يعشن ويعملن فيه.

وبالمثل فإن كتابات الباحثين الحالية التي تركز على نساء الخدمة، تسعى لاكتشاف أثر ممارستهن لتعاليم فتح الله كولن وسعيد النورسي على حياتهن. وتبين هذه الكتابات كيف كان لانخراطهن في الخدمة أثر في نموهن الشخصي، الأمر الذي أتاح لهن فرصًا تعليمية ومهنية كثيرة، وعمل على تحسين ظروف حياتهن اليومية من خلال صقل مهاراتهن في التواصل مع أزواجهن وأفراد أسرهن، وزاد من ثقتهن وتقديرهن لأنفسهن. أظهرت الدراسات أن التزامهن الشامل بتعاليم الإسلام قد زاد من وعيهن -دون أن ينتقص منه- بالخيارات المتاحة أمامهن في حياتهن الشخصية ومساعيهن المستقبلية، وذلك خلافًا لآراء «العلمانيين الأحرار» في تركيا.
كتبت برناديت أندريا (عام 2007) مقالاً حول رؤية فتح الله كولن وحقائق حول حقوق النساء في بلاط الإمبراطورية العثمانية وصفوة المجتمع. تؤكد في المقال التناقض الواضح بين القيود السابقة المفروضة على حقوق النساء، وتطوراتها اللاحقة في المناطق التي حكمتها التقاليد المسيحية اليهودية، وحقوق المرأة الأكثر تقدمًا في الإسلام، وخاصة في عصر السيدة مونتاجيو «سفيرة» إنجلترا في الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن الثامن عشر. علاوة على ذلك، تكرر برناديت ما توصّل إليه باحثون عديدون حول سوء الفهم المنتشر حاليًّا بين الأوروبيين حول ظروف الحياة اليومية للنساء المسلمات خلال الفترة الاستعمارية وما قبلها. تصف برناديت أندريا دهشة السيدة مونتاجيو لدى رؤيتها الاختلاف الشديد بين أوضاع السيدات التركيات اللاتي قابلتهن وتعرفت بهن وما تسجله قصص السفر التي قرأتها. لم تتمتع المسلمات بالحق في امتلاك الممتلكات وغيرها من الحقوق التي لم تكن النساء الأوربيات المعاصرات تتمتعن بها فحسب، بل كرسن حياتهن للأعمال الخيرية والعبادة وليس للخلاعة والمجون، كما زعم مؤلفو قصص الرحلات. يشير المقال، دون أن يصرّح بوضوح، إلى إمكانية كامنة في القرآن -أدركها فتح الله كولن وبدأ تطبيقها في الماضي وحتى وقتنا الحاضر- لغرس السلوكيات الأخلاقية والتصرفات الصالحة وإرساء المساواة بين الجنسين، وهي إمكانية مفقودة في «القانون الكنسي المتفق عليه»، أو تم إغفالها وأُسيء فهمها ولم يطبقها القانون والممارسة اليومية في أوروبا خلال القرن السابع عشر.
وبالمثل فإن الباحثين في شؤون النساء المعاصرات من مؤيدي الخدمة في تركيا والولايات المتحدة، وخاصة مدينتي أوستن وهيوستن بولاية تكساس، أشاروا إلى أن التزام هؤلاء النساء الشديد بتعاليم الدين والتقوى لم يمنعهن من مواصلة تعليمهن العالي ومسيرتهن المهنية، أو من مطالبة أزواجهن بالتعاون معهن في أعمال المنزل وأهمها الاهتمام بالأطفال وتربيتهم. درست إليزابيث أوزدالجا (عام 2003) حياة ثلاث نساء يافعات تعملن في ثلاث مدارس مختلفة أسسها مؤيدو الخدمة في تركيا. بعد إجراء مقابلات معهن، أوضحت كيف أن اكتشافهن لتعاليم فتح الله كولن وسعيد النورسي وممارستهن الشخصية لها قد ساعدهن على تشكيل وتنظيم علاقاتهن بأزواجهن، وحياة عائلاتهن، ومسيرتهن المهنية كمدرسات بأساليب دعمت نموهن الشخصي وأهدافهن في الحياة. كذلك اعتمدت آنا جيه ستيفنسون (عام 2007) على المكتشفات التي خلصت إليها في دراسة الماجستير حول النساء من مؤيدي الخدمة لتقديم دراسات حالة لنساء يُقِمن في مدينة هيوستن بتكساس. تؤكد آنا أن اتباع هؤلاء النساء لتعاليم كولن والنورسي وانخراطهن في أنشطة الخدمة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول قبل وصولهن قد عزّز قدرتهن على تحديد مختلف جوانب أهدافهن التعليمية والمهنية والزوجية. كما أجرت ماريا إف كورتس (عام 2005) بحثًا ميدانيًّا شمل بعض النساء نساء الخدمة المقيمات في مدينة أوستن بتكساس. تابعت فيه النمو الشخصي الذي حققته هؤلاء النساء، بدءًا من تجاربهن الغامرة أثناء الإقامة مع نساء أخريات في المهاجع التي أسسها ويديرها مؤيدون للخدمة قريبًا من الجامعات التركية، وصولاً إلى مشاركتهن في مختلف جلسات الدروس النسائية التي تشبه الاجتماعات الروحانية في أوستن. تؤكد ماريا على التحوّل الذي شهدته هؤلاء النساء، خاصة تغير رؤيتهن لهويتهن الإسلامية، ولأنفسهن كأعضاء في المجتمع الصغير والكبير الذي يضم مؤيدي الحركة، وكنساء تركيات، وبالتالي علاقتهن بالدولة التركية بناء على ذلك. يوضح كل هؤلاء الباحثين أن تطبيق نساء الخدمة لتعاليم الحركة ومشاركتهن في أنشطة ومؤسسات أسسها مؤيدون آخرون للحركة أدى إلى تحسّن حياتهن الشخصية، وانخراطهن في الحياة العامة، ورغبتهن في ترك بصمة أو أثر في المجتمع الذي يعشن ويعملن فيه.

المنهجية

تقوم هذه الدراسة على بحث ميداني يتم إجراؤه أثناء عقد جلسات الدروس النسائية أسبوعيًّا في منازل مؤيدي الخدمة المقيمين في مدينة كانساس. تُعقد الجلسات في مدينة كانساس والمدن القريبة منها. وتضم مجموعة من مؤيدات الخدمة اللاتي يحضرن الجلسات حاليًّا خمس عشرة امرأة من تركيا وتركمانستان وأذربيجان من المقيمات في الولايات المتحدة منذ نحو عام واحد إلى خمسة أعوام، وتتراوح أعمارهن بين عشرين وخمسة وعشرين عامًا. إحدى المشاركات امرأة أمريكية متزوجة من رجل تركي وأم لثلاثة أطفال، عملت في السابق مُعلمة في مدرسة، لكنها تعمل حاليًّا أمًّا بدوامٍ كاملٍ حتى يصل طفلها الصغير إلى سن المدرسة. جميع النساء المشاركات في الدراسة متزوجات ما عدا اثنتين. ثمانية من النساء لديهن طفل أو طفلان. خمسة من النساء مسجّلات في برامج للدراسة الجامعية أو الدراسات العليا في الجامعات المحلية، وتعمل خمسة منهن مُعلمات أو باحثات في مجتمعاتهن، وخمسة منهن زوجات وأمهات بدوام كامل.

عندما قرأت تعاليم كولن حول التعليم، تأثرت بها لإيماني الشديد بأن المعرفة قوة. إن تأويل كولن لأول آية نزلت على النبي محمد  ﷺ مختلف وفريد تمامًا، وقدم لي رؤية جديدة.

وكما تختلف أصولهن وجوانب حياتهن الحالية الأخرى، تتفاوت معرفتهن المسبقة بأفكار وتعاليم وأعمال سعيد النورسي وفتح الله كولن، وعلاقاتهن بالمجتمعات المحلية والمجتمع الكبير لمؤيدي هذين العالِمين قبل حضورهن إلى الولايات المتحدة. لم تكن السيدات الخمس اللاتي يكرسن حياتهن حاليا لأطفالهن وأزواجهن على دراية بهذه المدرسة الفكرية، ولم يكن لهن احتكاك مباشر بمؤيديها قبل زواجهن أو كان الاحتكاك بسيطًا.
قام الأزواج في حالة أربعة منهن بتعريفهن بتعاليم الخدمة وأنشطتها ومؤسساتها بعد مجيئهن إلى الولايات المتحدة. أما المرأة الأمريكية الخامسة التي اعتنقت الإسلام، فقد بدأت علاقتها بالحركة فور تعرفها على أحد أفراد الخدمة الأتراك، وزواجها منه آخر الأمر. في حين قرأت النساء العشر الباقيات بعض الأعمال، وواظبن على حضور جلسات الدروس النسائية بكثرة أو غيرها من لقاءات الحركة في بلادهن. كان والدا اثنتين من النساء على اتصال مباشر أو غير مباشر بشبكات المجتمع المحلي وأنشطتها. كل هؤلاء النساء ملتزمات حاليًّا بتطبيق التعاليم في حياتهن اليومية، ويشاركن مشاركة فعالة في الأنشطة والمؤسسات بالقدر الذي تسمح به ظروف حياتهن اليومية.
يتضمن البحث الميداني حضور مناقشات غير رسمية مع النساء المشاركات ومراقبتها وإجراءها، سواء بصورة فردية أو جماعية. تقدم الدراسة تطور وجهات نظر النساء الخاضعات للدراسة، من الإجابات المبدئية إلى النتائج النهائية التي توصلت إليها المجموعة كلها أو بعض أفرادها. إجابات النساء رد على أسئلة مفتوحة حول تجاربهن طوال فترة انتمائهن لحركة كولن، منذ لحظة احتكاكهن الأولى بمؤيدي الحركة، وصولاً إلى مشاركتهن في عدة أنشطة ومؤسسات في النهاية. وتشمل الإجابات وجهات نظرهن التي تكوّنت خلال مشاوراتهن حول دور الإيمان والتقوى في مجتمع اليوم، والجدل الدائر حول وضع المسلمين الملتزمين في تركيا وغيرها من الدول، وإمكانية تحقيق التعاون والتفاهم المشترك بين المسلمين وغير المسلمين، والمسلمين الملتزمين وغير الملتزمين، وأبناء الخدمة والعلمانيين الأحرار، في سعيهم المشترك لتحقيق التقدم والتطور في المجتمع بوجه عام، وتحسين أوضاع النساء في حياتهن اليومية بوجه خاص.
ركزت المناقشات الفردية والجماعية الأولى حول أهمية الخدمة بالنسبة للنساء على ثلاث موضوعات رئيسية؛ هي «إرساء معايير عالية» و«الدلو المثقوب» أو «التقدم بالتقوى» و«الأخت الكبرى نموذج يُحتذى به». وتشكّل هذه الموضوعات الجزء الرئيسي من الدراسة. ويختتم الجزء الرئيسي بمناقشة أهم سمة تميز نساء الخدمة عن العلمانيات الأحرار. تلخص نتائج الدراسة منظور نساء الخدمة بشأن إعادة تقييم الجدل الدائر حول دور الإيمان والتقوى في مجتمع اليوم، وحل الصراع بين المجموعات ذات الآراء والاتجاهات المختلفة، وقد تكوّنت وجهات نظرهن هذه خلال مشاوراتهن في إطار البحث.

لم تكــن الســيدات الخمس اللاتي يكرســن حياتهــن حاليا لأطفالهن وأزواجهن على دراية بهذه المدرســة الفكرية، ولم يكن لهن احتكاك مباشر بمؤيديها قبل زواجهن أو كان الاحتكاك بسيطًا.

إرساء معايير عالية بالتعليم والحوار والخدمة

عندما سُئلت نساء الخدمة في مدينة كانساس حول أهم جوانب مشاركتهن في الخدمة، كان أول موضوع تحدثن عنه هو «إرساء معايير عالية». رأت النساء أن إرساء معايير عالية والسعي إليها والنجاح في ذلك، يمكن أن يتحقق عبر التعليم والخدمة والحوار. وأن هذه المجالات الثلاثة متداخلة ومتشابكة، وتلعب دورًا مهمًّا في السعي نحو إرساء «المعايير العالية» على عدة أصعدة.
يشمل التعليم -من جانب- برنامج تعلم العلم الدنيوي الذي تقدمه مدارس الخدمة المنتشرة في جميع أنحاء العالم. تطلب نساء الخدمة هذا العلم، وتقدمه النساء العاملات في المدارس لباقي أعضاء المجتمع. يسهم هذا التعليم في رفع مستوى المعرفة العامة لدى الدارسات، -ومن جانب آخر- تسعى هذه المدارس إلى نشر المعايير العالية المتجسدة في صورة القيم والمبادئ الأخلاقية عبر تقديم أمثلة يُحتذى بها تنعكس في سلوك المعلمات العاملات في المدرسة. نلاحظ أن كل جوانب التعلم المشار إليها هنا تطابق التوقعات التعليمية التي تستهدفها المؤسسات التعليمية بوجه عام.
يكمن الفرق في طريقة فهم نساء الخدمة لدوافع طلب العلم، وخاصة الدراسات العليا، ويرجع ذلك إلى التزامهن بتعاليم الإسلام وإيمانهن وتقواهن. بالإضافة إلى ذلك، فهن يعتبرنها فرصة لتطبيق تعاليم كولن في حياتهن، كما تقول إحدى النساء:
«عندما قرأتُ تعاليم كولن حول التعليم، تأثرت بها لإيماني الشديد بأن المعرفة قوة. إن تفسير كولن لأول آية نزلت على النبي محمد  مختلف وفريد تمامًا، وقد قدم لي رؤية جديدة. تقول أول آية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1). يؤكد كولن أن هذا الأمر الإلهي بالغ الأهمية اليوم، وأنه يشدد على أهمية التعليم. لقد بدأتُ تطبيق هذه الفكرة في حياتي وعكفتُ على قراءة الكتب أكثر مما سبق، ووضعت نصب عيني أن ألتحق بكلية الطب.»(1)
نرى هنا أن اختيار مواصلة التعليم العالي مرتبط بتأويل كولن لسورة من سور القرآن. علاوة على ذلك، فإن النساء يعتبرن مواصلة التعليم العالي وسيلة لنيل مرضاة الله، واتباعًا لأوامره، واقتداء بالرسول  في حياتهن اليومية، تمامًا كما ينظرن إلى كل محاولة إيجابية أخرى في حياتهن اليومية. أوضحت هذه المرأة، كغيرها من النساء، أن قرار مواصلة تعليمها العالي واختيار طريقها المهني يرتبط ارتباطًا مباشرًا برغبتها في خدمة المجتمع بعد توظيفها، الأمر الذي سيزيد فرصها في نيل مرضاة الله. رأت نساء الخدمة أن التعليم ساعدهن في رفع «المعايير» في حياتهن على الصعيدين الفكري والروحاني.

الخدمــة تعــزز التفاعل والحوار والتعلم، ليس فقط لدى أولئك المنخرطين في أدائها والمســتقبلين لها، بل أيضا لدى أولئك الذين يتشاركون العمل في أنشطة خدمية كبرى.

تُعرف “الخدمة” (Hizmet) بمفهومها الواسع بأنها: أي عمل هدفه مساعدة الآخرين، وتُطلق على أصغر الأعمال التي تلبي حاجة أي شخص نقابله في حياتنا اليومية. وتشمل الخدمة أداء أي عمل يفيد الآخرين، سواء عبر تلبية طلباتهم اليومية، أو تقديم يد المساعدة في المؤسسات المجتمعية، كالمشاركة في الأنشطة التي ينظمها أبناء الخدمة على اختلافها، كما توضح إحدى نساء الخدمة في الفقرة التالية.
«شاركتُ في عدد من الفعاليات التي نظمها أفراد يشتركون في نفس الرؤية العامة، من بينها أنشطة التواصل المجتمعي، وتعليم الطلاب الصغار الأعمال التطوعية، وقيادة أنشطة مجموعات الشباب والمشاركة فيها، والمشاركة في أنشطة الأخت الكبرى، والمشاركة في إفطار رمضان مع عدة أعضاء من المجتمع، وأنشطة جمع التبرعات للأيتام، وما شابه. وقد اختلفت مشاركتي في هذه الأنشطة. فكنت مسؤولة في بعضها عن تنظيم النشاط وتجهيزه وإدارته، وكنت مجرد مشارِكة تحضر النشاط في البعض الآخر، وخاصة في إفطار رمضان. في حين تقاسمت المسؤولية مع آخرين في أنشطة أخرى، فكان علينا وضع خطة وتنفيذ ما يجب عمله. تعتبر المشاركة في هذه الأنشطة أمرًا مهمًا للغاية بالنسبة لي، لأنه شيء أؤمن به. فأنا أؤمن بضرورة مساعدة الآخرين بأي طريقة ممكنة، وبترك أثر إيجابي في العالم وفي مجتمعي. وأؤمن بأهمية الحوار بين الأديان وبين الثقافات.»
يعزز أداء الخدمة فرص التفاعل والحوار، ويوفر خبرات في عدة مجالات، كما يؤكد الاقتباس التالي:.
«تغيرت حياتي للأفضل بعد المشاركة في هذه الأنشطة مع أشخاص يشاركونني القيم ذاتها. فأنا أشعر بالانتماء إلى كيان كبير ومهم عوضًا عن شعوري بالوحدة والعزلة. قد يشعر الإنسان بطبيعة الحال بالوحدة والعزلة في بعض الأحيان وكأن أحدًا لا يشعر به، لكن انتمائي الحقيقي لهذا المجتمع جعلني ألاحظ أوجه الشبه الكثيرة التي تجمع بيننا، وأدرك أن الآخرين قد ينتفعون من تجاربي وطريقة تغلبي على بعض المشكلات أو التعامل معها، بنفس قدر انتفاعي من تجاربهم. ومن المزايا الأخرى للمشاركة في هذه الأنشطة أننا نشجع بعضنا بعضًا ويساعد أحدنا الآخر في التمسك بمعتقداتنا وآليات عملنا. والميزة الأخيرة التي أود الإشارة إليها أنه بالرغم من رغبتنا القوية في فعل الخير وأداء مهام معينة، هناك أوقات نحتاج فيها دائمًا إلى المساعدة لتحقيق أهدافنا لأنها ليست أعمالاً فردية. لهذا يكون من المفيد الاستعانة بأكثر من شخص.»
تشير هذه المرأة إلى أن الخدمة تعزز التفاعل والحوار والتعلم، ليس فقط لدى أولئك المنخرطين في أدائها والمستقبلين لها، بل أيضًا لدى أولئك الذين يتشاركون العمل في أنشطة خدمية كبرى. والأهم من ذلك -في رأي هذه المرأة- أن الخدمة عمل تطوعي بصرف النظر عن وقت أدائه والجهد المبذول فيه، يؤديه الشخص دون انتظار أي مقابل أو تعويض مادي أو غيره، ويمنحه الفرصة لإرضاء الله.

انتمائي الحقيقي لهذا المجتمع جعلني ألاحظ أوجه الشبه التي تجمع بيننا، وأدرك أن الآخرين قد ينتفعون من تجاربي وطريقة تغلبي على بعض المشكلات أو التعامل معها، بنفس قدر انتفاعي من تجاربهم.

الحوار هو الوسيلة الثالثة لنشر «المعايير العالية» في حياة الشخص والمجتمع كما ترى نساء الخدمة. والحوار جزء لا يتجزأ من التعليم أو أي عملية تعلم لأنه يسهّل تبادل الأفكار. ويشمل الحوار كل مستويات التواصل، سواء أثناء أداء أحد أنشطة الحركة، أو ببساطة أثناء التواصل بين فردين، في محاولة واعية لفهم أفكار الآخر ورأيه واتجاهاته ووجهات نظره. قد يؤدي الحوار إلى التقريب بين الأفراد والجماعات التي ينتمون إليها، ويزيل سوء الفهم ويقلل التوتر الذي يولّد الصراع، ويفتح المجال للتفاعل الهادف البنّاء ويوجهه. أكدت نساء الحركة على أهمية الحوار بين الثقافات والأديان، لكنهن أشرن أيضًا إلى أهمية الحوار بين أعضاء جماعات مختلفة يقيمون في نفس البلد، ويتمتعون بنفس الخلفية الثقافية، ويعتنقون نفس الدين. يندرج الحوار تحت عنوان الخدمة العريض، لأنه يهدف إلى تحسين حياة الآخرين والمجتمع ككل. كما أن المشاركة في حوار واعٍ مدروس يستتبع تقديم مثال يُحتذى به، ويمثل وسيلة أخرى من وسائل نيل مرضاة الله.
في نهاية النقاش مع نساء الخدمة حول «إرساء معايير عالية» لأنفسهن ونشرها في المجتمع بمساعدة التعليم والخدمة والحوار، بدأن في إعادة تقييم مصطلحاتهن. أقرت النساء بعدم وجود مجموعة معايير رسمية محددة، وأوضحن أن هدفهن هو العمل على نشر القيم والمبادئ الأخلاقية في المجتمع. وتضمنت هذه الجهود في حياتهن الشخصية الالتزام بالإيمان والتقوى، كما يظهر في الاقتباس التالي:
«لا يوجد تعريف محدد لفكرة اتباع معايير عالية. نحن نؤمن أننا نعيش في صراع في هذه الحياة، ويجب أن نسعى دائمًا لنكون أفضل. على سبيل المثال، إذا كنت تتصدق، فحاول أن تتصدق بمبلغ أكبر، وأن تصلي أكثر، وأن تكون أكثر إيثارًا وتعاونًا، إلى غير ذلك. نحن لا نكتفي بعدد ركعات معين، بل يجب أن نظل نتقرب إلى الله دائمًا بزيادة الأعمال الصالحة وتجنب ارتكاب الآثام حتى ننجح في تجنبها تمامًا، وأن نسعى لإرضاء الله في كل جانب من جوانب حياتنا.»

الخدمـــة عمـــل تطوعي بصرف النظر عـــن وقت أدائه والجهد المبـــذول فيه، يؤديه الشـــخص دون انتظار أي مقابـــل أو تعويـــض مادي أو غيره، ويمنحه الفرصـــة لإرضاء الله.

أجمعت النساء على استخدام كلمة «عالية»، لأنها تجسد هدف سعي الشخص من أجل تحسين آرائه وتوقعاته ومستوى معرفته ووعيه وتصرفاته وتشجيع الآخرين على ذلك أيضًا. في النهاية عقب مناقشة عبارة «إرساء معايير عالية» والمجالات الثلاثة المذكورة أعلاه لدعم السعي إليها والنجاح في ذلك، ظهرت فكرة أن الشخص يستطيع، بل ينبغي عليه أن يقيّم معاييره باستمرار، من خلال أخذ خطوة إلى الوراء والتدقيق في آرائه وتوقعاته ومستوى معرفته ووعيه وتصرفاته في كل جانب من جوانب حياته اليومية. وهذا أحد المقوّمات المهمة في منهج الخدمة، كما ترى هؤلاء النساء. فهذا المقوّم يستلزم التركيز على التقدم باستمرار، وتطور المعرفة، وتحسن السلوك والنمو الشخصي؛ وكلها علامات ودلائل على تحقيق التقدم.
الدلو المثقوب: التقدم بالتقوى
إحراز التقدم هو الهدف الثاني المهم بالنسبة لهؤلاء النساء. والتقدم ببساطة هو جعل كل يوم أفضل من سابقه، وتعلم شيء جديد كل يوم، وتحسين سلوكياتهن وتصرفاتهن يومًا بعد يوم. شرحت إحدى النساء الفكرة قائلة” “إن الهدف يمكن فهمه إذا تخيل الشخص نفسه مثل «الدلو المثقوب» الذي لا يمكنه الاحتفاظ بالماء لفترة طويلة”، ثم أوضحت أن المياه الراكدة تصبح ملوثة ومليئة بالقاذورات، أما المياه المتجددة أو الجارية باستمرار كمياه النهر، فإنها في تجدد دائم.
أوضحت النساء أن هذا التشبيه مأخوذ من سيدنا عليّ ابن عم النبي وصهره. فكما أشارت إحداهن «كان سيدنا عليّ يطبق معايير عالية جدًّا ويتمتع بعلم غزير. ومع ذلك قال إن علمه مثل قطرة في محيط. كيف ندّعي أننا متعلمون؟ سيظل هناك ما يمكننا تعلمه. لهذا فإن هدفنا أن نتعلم شيئًا واحدًا جديدًا على الأقل كل يوم».
تؤكد هذه الفكرة على أهمية التعلم، الذي يشمل كلاًّ من المعرفة التي يكتسبها الشخص من القراءة أو الالتحاق بمؤسسة تعليمية، والمعرفة المكتسبة من خبرات الحياة اليومية.
لا يقتصر تحقيق التقدم على اكتساب المعارف والخبرات فحسب، بل يجب أن يصاحبهما ويوجههما نمو روحاني. ولتحقيق النمو الروحاني يجب على الإنسان زيادة عدد الركعات التي يصليها أو ورد القرآن الذي يقرؤه. أضف إلى ذلك التأكيد على زيادة قدرة الشخص على التصرف وفقًا للقيم والمبادئ الأخلاقية وأداء العبادات أكثر من التركيز على محتوى المعارف والخبرات المكتسبة. وقد تحدثت إحدى نساء الحركة باستفاضة عن رأيها في هذا الأمر قائلة:
«الحياة اليومية كفاح مستمر. يستطيع الإنسان أن يرتقي إلى مستوى أعلى من الملائكة وفي الوقت ذاته أن ينحدر إلى مستوى أسوأ من الشياطين. منحنا الله القدرة على التمييز بين الخير والشر، وترك لنا حرية الاختيار. وهذه الحياة ما هي إلا اختبار نحاول أن نحرز فيه درجة عالية. لا توجد درجة محددة للنجاح، بل يجب علينا محاولة الإجابة عن كل الأسئلة. بعبارة أخرى، لن نستطيع مطلقًا معرفة النتيجة، ولا يوجد ضمان أننا سندخل الجنة حتى إذا كنا مسلمين ملتزمين. لهذا نبذل دائماً أقصى طاقتنا حتى لا نكتفي بممارسة مجموعة ثابتة من العبادات ونظل في نفس مستوى التدين، لكن لا أحد يستطيع الوصول إلى الكمال. الإيمان مزيج من الخوف والرجاء، ونحن نرجو دائمًا عفو الله ومغفرته.

لا يقتصر تحقيق التقدم على اكتســـاب المعارف والخبرات فحســـب، بل يجـــب أن يصاحبهما ويوجههما نمو روحاني.

كما أننا لا نعرف السؤال الذي سيمنحنا أعلى درجة. أي أن الله قد يغفر لنا بسبب عمل صالح صغير جدًا. لا يخضع الأمر لحسابات رياضية محددة. قد تصلي كثيرًا لكنك تكسر قلب شخص، حينها ستكون في مشكلة. لكي يكون كل يوم مختلف، حاول أن تنمو روحانيًّا من خلال المواظبة على الصلاة، وأداء الأعمال الصالحة وتنمية شخصيتك وتهذيب أخلاقك».
نلاحظ أن التركيز هنا على تجديد المعايير الأخلاقية والروحانية ورفع مستواها، مصحوبًا بأداء الأعمال الصالحة سواء العبادات الروحانية الخاصة أو العامة أو اليومية، مع التأكيد على فكرة أن التقدم عملية فردية. يمكن قياس التقدم على مستوى الفرد، لكن تجديد الفرد لمعاييره وتحسينها يؤتي ثماره على الفرد والمجتمع. ينطوي التقدم الفردي على زيادة قدرة الشخص على تقديم المزيد من الخدمات إلى المجتمع والتصرف بطريقة أكثر فعالية تجعله مثالاً يحتذي به الآخرون.
غير أن النساء كلهن أجمعن أنه لا توجد مجموعة معايير محددة، أو وسيلة لقياس الأداء أو مستوى تقدم الشخص، بل تعتمد عملية مراقبة التقدم على محاسبة النفس، إلى جانب وجود شبكة دعم وتقييم لتوجيه التقدم وتيسيره، كما يتضح من الاقتباس التالي:
«أعلى معيار هو إرضاء الله، لكن لا أحد يعلم إن كان سينال هذا الرضا أم لا. وأي شخص يظن أنه شخص جيد، وأنه أفضل من الآخرين، وأنه قد نال رضا الله وضمن دخول الجنة، فقد بدأ رحلة السقوط الفورية. ليست هذه المعايير من وضعنا. بل إن هدفنا هو اتباع سنة نبينا محمد  وصحابته الكرام. كما أن التشاور مع الأشخاص الذين حققوا تقدمًا روحانيًّا أكبر قد يساعدنا في تطبيق معايير أعلى وتطوير أنفسنا باستمرار. إنهم يرشدوننا إلى طرق أفضل ومستويات أعلى فيما يتعلق بكل أفكارنا وأفعالنا».
تكشف هذه الإجابة أن التواضع عامل أساسي في عملية التقييم، ورغم أن طريق التقدم فردي، يمكن طلب المساعدة من الأشخاص الأكثر تقدمًا من الناحية الروحانية. ترى نساء الخدمة أن طلب المساعدة -خاصة في المراحل المبكرة من رحلة الشخص الروحانية- أمر مستحسن ومفيد جدًا. تستطيع الأخت الكبرى تقديم المساعدة في أغلب الحالات، خاصة في سياق مجالس الدروس النسائية التي يشرفن عليها.

أعلى معيار هو إرضاء الله، لكن لا أحد يعلم إن كان ســينال هذا الرضا أم لا. وأي شــخص يظن أنه شــخص جيد، وأنه أفضل من الآخرين، وأنه قد نال رضا الله وضمن دخول الجنة، فقد بدأ رحلة السقوط الفورية.

الأخت الكبرى نموذج يُحتذى به

شاركت عشرة من نساء الخدمة في مجالس الدروس النسائية بانتظام، وأحرزن التقدم على مدار عامين أو أكثر بفضل توجيه وإرشاد الأخت الكبرى. وقد رأين أنها تجربة ثرية ومحورية في نموهن الروحاني. كانت هذه التجربة بمثابة الأساس القوي الذي يمكنهن البناء عليه الآن. تعلمت النساء كيف يراقبن تقدمهن الشخصي، ويحافظن على التوازن بين نموهن الروحاني وقدرتهن على تطبيق القيم والمبادئ الأخلاقية التي تعلمنها في المرحلة الأولى من التدريب تحت إشراف الأخت الكبرى.
تحدثت جميع النساء عن دور الأخت الكبرى المزدوج؛ باعتبارها مُعلمة ومثالاً يُحتذى به. في إطار عملها كمُعلمة، تقوم بقراءة نصوص الدراسة في المجالس، وإدارة النقاشات حول النصوص، كما تراقب تقدم المشاركات من خلال إعداد قوائم بالأنشطة الأسبوعية. وتشمل هذه القوائم النوافل والأوراد الإضافية وأعمال الخدمة التي قدمتها كل مشاركة. يشجع ذلك المشارِكات على زيادة أنشطتهن أسبوعًا تلو الآخر، ويساعدهن على تعلم طريقة مراقبة تقدمهن الشخصي بأنفسهن آخر الأمر.
أكدت أغلب النساء على أهمية دور الأخت الكبرى كمثال يُحتذى به، كما يتضح من التالي:
«تساعد الأخت الكبرى طالباتها على التحسن. فهي تشجعهن وتعينهن على أداء واجبات المدرسة. كما تحاول تعليمهن بعض أمور الدين قدر استطاعتها. لكن أهم وأنفع طريقة للتعلم من الأخت الكبرى تكون من خلال الاقتداء بسلوكها، فسلوكها وتصرفاتها أهم بكثير مما تقول».
تحدثت بعض النساء عن إعجابهن الشديد بالأخت الكبرى، ورغبتهن في الاقتداء بها في كل تصرفاتهن. وما زال البعض منهن على صلة بأختها الكبرى. أتاحت مجالس الدروس النسائية فرصة التعلم من الأخت الكبرى عبر مراقبتها والاقتداء بها، كما غرست فيهن الإحساس بالانتماء إلى المجموعة، والحصول على دعم المجموعة في بيئة آمنة راعية. وقد ساعد كل ذلك على تعزيز قدرة النساء على النمو الشخصي والروحاني، كما يتضح من الاقتباس التالي:
«مجالس الدروس النسائية في الولايات المتحدة وتركيا متشابهة إلى حد كبير. فنحن نلتقي وتقرأ إحدى الأخوات كتابًا، قد يكون من تأليف كولن، أو أحد تفاسير القرآن، أو رسائل النور. ونتناقش فيما نقرؤه في محاولة للخروج بنتائج وآليات لتطبيق ما قرأناه في حياتنا اليومية. تتميز هذه المجالس بأنها تفاعلية، وليست مثل المحاضرات. فكل امرأة تشارك بما تعلمته، ويشيع جو من التناغم والراحة. نخرج أحيانًا للجري وتناول وجبة لذيذة بعد المجلس وقضاء وقت ممتع معًا. عندما كنت في الجامعة، كنت مشغولة دائمًا في الصباح بالمحاضرات وشؤون الحياة. لكن عندما عدت إلى الوطن وبدأت أحضر مجالس الدروس النسائية، ساعدتني الأخت الكبرى في التركيز على عالم آخر؛ على مسؤولياتي والسعي لأصبح شخصًا أفضل. وكأن غذاء روحيًّا كان في هذه المجالس».

أكدت غالبية النساء على أهمية المجموعة الراعية الداعمة، فضلاً عن الصداقات والأنشطة الاجتماعية التي قدمتها مجالس الصحبة في المرحلة الأولى من انضمامهن إلى الحركة.

شــاركت عشــرة من نســاء الخدمــة في مجالــس الــدروس النســائية بانتظام، وأحــرزن التقدم عــى مدار عامين أو أكرث بفضل توجيه وإرشاد الأخت الكبرى.

تختلف مجالس الدروس النسائية اختلافًا كبيرًا بحسب احتياجات وتوقعات أعضاء المجموعة والمجتمع الكبير الذي يعيشون فيه، كما جاء في الاقتباس التالي:
«تختلف أشكال المجموعات وتتفاوت المستويات بناء على الوضع. تكون هذه المجموعات في تركيا أكثر تمايزًا، دون أن تكون متماثلة بالضرورة. ويكون الفرق في مستوى العلم الديني والمعرفة بتاريخ الحركة. في المستوى الأول، تكون مجالس الصحبة أشبه باجتماعات لأداء بعض الأنشطة الاجتماعية الإضافية، ويتمثل الهدف من ورائها في تعلم الأساسيات. ثم ترتفع التوقعات من مجالس الصحبة في المستوى المتوسط. وتبدأ المجموعة في المشاركة أحيانًا في الأنشطة التي تنظمها الخدمة. أما في المستوى المتقدم، فتصبح المجموعة أكثر وعيًا والتزامًا بأهداف الخدمة. ويكون متوقعًا من أعضاء المجموعة البدء في تقديم المساعدة للآخرين، ولعب دور الأخت الكبرى في نهاية المطاف. هناك مستويات أخرى للمشاركة أيضًا، على سبيل المثال لم يعد والدي معلمًا في مدرسة كولن. بل أصبح رجل أعمال لكنه ما زال منتميًا للخدمة، يحضر مجالس الصحبة وينقب عن مصادر الدعم المادي للحركة. ووالدتي ربة منزل لكنها منخرطة جدًا في الأنشطة الاجتماعية للحركة؛ فتواظب على حضور مجالس الصحبة والرحلات والمؤتمرات، وتنسيق أنشطة جميع التبرعات لتمويل دراسة الطلبة الفقراء».
يكشف هذا الاقتباس مدى التفاوت الكبير في شكل مجالس الصحبة ومحتواها والغرض منها وشكل أعضائها. وبهذه الطريقة يمكنها تلبية احتياجات وتوقعات المشاركين على تنوعها واختلاف مستوياتها. وبالمثل فإن مجالس الصحبة الحالية توفر للنساء فرصة التواصل بانتظام ودعم جهود مراقبة تقدمهن ونموهن الروحاني.

القرب من الله بوصفه مبدأ توجيهيًّا

تناولتْ آخر نقطة في الدراسة الجدل الدائر حول دور الإيمان والتقوى في مجتمع اليوم، والصراع بين المسلمين الملتزمين والعلمانيين الأحرار في تركيا. تقصيت هذا الموضوع في حواراتي مع النساء المشاركات في مجالس الدروس النسائية من خلال تقصي الفرق في مستوى الفعالية بين النساء المنتميات إلى الخدمة والنساء المنتميات إلى منظمات نسائية غير حكومية في تركيا، ومدى إمكانية التعاون بين كليهما. بناء على نتائج بحثي في هذه النقطة الأخيرة، أوضحتُ أن العديد من هذه المنظمات، مثلها مثل نساء الخدمة، تحاول تحسين الظروف المعيشية للنساء في مجتمعهن. وقد ظلت هذه المنظمات تقدم المساعدة الفعلية للنساء الريفيات والنساء من أصول ريفية اللاتي يعشن في المدينة لتحسين ظروف حياتهن اليومية. وقد نجحت ناشطات كثيرات من أعضاء هذه المنظمات في إطلاق حملات ناجحة لتغيير قانون العقوبات التركي لمنع الزواج المبكر والسلوكيات الظالمة وجرائم الشرف، وكل ما يصاحب ذلك من حالات انتحار المراهقات. كما بذلت هؤلاء الناشطات جهدًا كبيرًا في تعليم الفتيات مهارات التواصل لتحسين علاقتهن بآبائهن وأزواجهن وأبنائهن، ومعرفة حقوقهن والمطالبة بها، وحقوق بناتهن في الالتحاق بالتعليم الثانوي والجامعي والبحث عن وظيفة. بالرغم من دفاعهن الجاد عن حق الفتيات في التعليم، جاءت إجابات هؤلاء الناشطات متشابهة عندما سألتهن حول موقفهن من قضية خلع الحجاب. صحيح أن قرار حظر ارتداء الحجاب كان يمنع بعض النساء التركيات من مواصلة تعليمهن العالي أو العمل في مجالات تتوافق مع شهادتهن أو يدفعهن إلى الدراسة في دول أخرى، ولم تقم أي منظمة نسائية من المنظمات التي تنتمي إليها هؤلاء الناشطات بدعم الجهود الرامية إلى إلغاء هذا القرار. وقد تعللت بعض الناشطات بأسلوب دبلوماسي بأن مواردهن محدودة، وأن الاشتراك في محاولات رفع الحظر لم تكن ضمن أولوياتهن في ذلك الوقت، وأوضحت الكثيرات أن الحظر كان يؤثر فقط على النساء اللاتي يرتدين غطاء الرأس لأسباب سياسية تسعى في النهاية إلى تأسيس دولة إسلامية وفرض الحجاب على كل النساء، كما يحدث في إيران.
عندما قدمتُ هذه النتائج وتساءلت عن السمات المميزة للنساء المشاركات في حركة كولن مقارنة بهؤلاء الناشطات اللاتي يسعين أيضًا لتحسين ظروف معيشة النساء في المجتمع التركي، وطرحتُ فكرة التعاون بين المجموعتين، كانت إجابة نساء الخدمة المقيمات في مدينة كانساس كالتالي. قالت إحداهن:
«إنه سؤال صعب. تسعى كلٌ من النساء الملتزمات وغير الملتزمات إلى تحقيق التقدم. ويمكن أن يصبحن عضوات ناجحات جدًا ومؤثرات في المجتمع ما دام لديهن الحافز. يكمن الفرق في أن المسلمات الملتزمات يواصلن التعليم العالي ويسعين ليكن عضوات فاعلات في المجتمع ليس فقط من أجل الدنيا. فمثلاً أنا أريد أن أصبح أستاذة، ليس لأثبت للآخرين مدى ذكائي وأكتسب الشهرة، بل أرغب في خدمة الله من خلال عملي بتقديم مثال يُحتذى به أمام تلاميذي، ومخاطبة العقول في مطبوعاتي. إذا أصبحت أستاذة يومًا ما أتمنى أن يظل هدفي الحقيقي الآخرة وليس الدنيا. ينبغي علينا استغلال الظروف والفرص المتاحة في الدنيا كأداة لإرساء ونشر المعايير الروحانية العالية والقرب من الله. الفكرة ببساطة هي خدمة الله من خلال خدمة المجتمع، وأداء أي عمل لوجه الله ورغبة في التقرب إليه.»

أنا أريد أن أصبح أستاذة، ليس لأثبت للآخرين مدى ذكائي وأكتسب الشهرة. بل أرغب في خدمة الله من خلال عملي بتقديم مثال يُحتذى به أمام تلاميذي، ومخاطبة العقول في مطبوعاتي.

كانت إجابة امرأة أخرى كالتالي:
«أعتقد أن المجموعتين يمكنهما العمل معًا وقد تكون فكرة جيدة. المشكلة أن بعض هذه المنظمات علمانية، وترى الدين عقبة في وجه الحداثة وتقدم النساء. في حين تستمد نساء الخدمة قوتهن من الدين. ترى بعض النساء العلمانيات أن معيار الحداثة والعصرية، هو خلع غطاء الرأس وارتداء ملابس أقل سترًا، لهذا يعارضن حصول النساء المحجبات على التعليم والمكانة العالية في المجتمع. يتوقف الأمر على توجهات كل منظمة، فليست كل المنظمات متحيزات. ولا ننس أن التحيز قد يكون من الجهتين أحيانًا. فمثلاً تظن بعض النساء المتدينات أن العلمانيات يدمرن هيكل الأسرة. وأنا أرى أن الوضع بدأ يتحسن، مع انخفاض حدة التوتر وزيادة الاحترام المتبادل بين النساء العلمانيات والملتزمات. فبمجرد تعاملهن معًا يدركن النقاط المشتركة الكثيرة بينهن، ويكتشفن أنه لا طائل من معاداة بعضهن بعضًا».

تســاعد الأخت الكبرى طالباتها على التحســن. فهي تشجعهن وتعينهن على أداء واجبات المدرسة. كما تحــاول تعليمهــن بعــض أمــور الدين قدر اســتطاعتها. لكن أهم وأنفــع طريقة للتعلم مــن الأخت الكبرى
تكون من خلال الاقتداء بسلوكها، فسلوكها وتصرفاتها أهم بكثير مام تقول.

وقالت امرأة أخرى في إجابتها:
«أعتقد أن الأمانة تحتم علينا النظر إلى المسألة بمنظور الفرق الذي يحدثه التمسك بالإسلام. يحاول بعض الباحثين الإشارة إلى أن المسلمين الملتزمين يواجهون التحديات ذاتها التي يواجهها غير الملتزمين، فهم أيضًا مضطرون للتعامل مع نوبات الغضب أو مشكلات المراهقة. وهم أيضًا لديهم مشكلات في حياتهم المادية والعائلية والعملية، إلى غير ذلك. لكن النقطة التي تغيب عن الأذهان هي اختلاف رد الفعل تجاه كل هذه المشكلات. صحيح أننا جميعًا بشر، ولدينا نزعات إيجابية وسلبية متشابهة. لكن رد فعل المسلم الملتزم تجاه هذه التحديات أو حتى تجاه نِعم الحياة الدنيا مختلف تمامًا، على سبيل المثال، عندما يحقق شخص غير مسلم نجاحًا كبيرًا أو يُرزق بطفل، من السهل أن يصيبه الغرور والتكبر، في حين أن المسلم في نفس الموقف يسارع بحمد الله على نعمته. وينطبق الشيء نفسه على المحن. قد يجد الشخص غير الملتزم صعوبة في مواجهة المشكلات لأنه سيبحث عن السبب وراء حدوثها ويغضب من الوقائع، لكن المسلم يجد الكثير من العزاء في أبسط المشكلات، ويمكنني كتابة عدة صفحات حول هذا الموضوع. ومن بين وسائل العزاء العديدة معرفته أن هناك مشكلات أسوأ بكثير مما يمر به، وأن لديه من النِعم ما يفوق غيره بكثير، وأن هناك عدة أسباب في عالم الغيب والقدر تبرر حدوث مشكلة معينة؛ وأنها قد تكون تذكرة له أنه قد ضل الطريق، وأن الله يحذره وهو في الدنيا ليعود إلى الطريق المستقيم ويتوب قبل فوات الأوان؛ وإن لم يكن شيئًا من ذلك، فقد تكون المحنة وسيلة لمحو بعض ذنوبه».
توضح هذه الإجابات الدور المركزي الذي يلعبه الإيمان والتقوى في تحديد مختلف جوانب نظرة النساء إلى الحياة بوجه عام، وفي حل المشكلات الكبرى في مجتمع اليوم. أدركت النساء الفرق وأقررن بوجود صعوبات لكنهن يرحبن بالفكرة، ويدركن فائدة التعاون بين الناشطات في الخدمة والناشطات العلمانيات الأحرار.

بذلــت هــؤلاء الناشــطات جهــدا كبــيرا في تعليــم الفتيــات مهــارات التواصل لتحســن علاقتهــن بآبائهن وأزواجهــن وأبنائهــن، ومعرفــة حقوقهــن والمطالبة بها، وحقــوق بناتهــن في الالتحاق بالتعليــم الثانوي والجامعي والبحث عن وظيفة.

النتيجة

في سياق النقاشات التي أجريتها خلال بحثي، تفكرت نساء الخدمة في مدينة كانساس حول أهداف حركة كولن، ودورهن في تحقيق هذه الأهداف. وشملت هذه الأفكار تأمل حال العالم اليوم بوجه عام، ومكانة الحركة في هذا الإطار الواسع. وقد أدى هذا التفكر والحوار إلى توصلهن إلى استنتاجيْن مهميْن.
أولاً، خلصت النساء إلى أن عالم اليوم يفيض بمشكلات كثيرة، نتج أغلبها عن ضعف انتقال القيم والمبادئ الأخلاقية التي نحتاجها في حياتنا اليومية من جيل إلى آخر. وتقع مسؤولية انتقال هذه القيم والمبادئ على عاتق الآباء بشكل رئيسي. في حين يساعد المعلمون في المدارس وغيرهم من الشخصيات المجتمعية التي يُحتذى بها في تحسين أو تصحيح هذه المبادئ. كان الدين في الماضي مصدر كل القيم والمبادئ الأخلاقية وأساسها في المجتمع، غير أن التراجع المستمر في الانخراط الديني والإيمان والممارسة، أدى إلى تقويض الأسس القيمية والأخلاقية للمجتمع. يستطيع الآباء أصحاب التوجهات الدنيوية، مثلهم مثل الملتزمين دينيًّا، غرس القيم والمبادئ الأخلاقية في أطفالهم أثناء تنشئتهم، غير أن محاولات غرس القيم والمبادئ الأخلاقية اليوم، يجب أن تكون أقوى من أي وقت مضى، نظرًا لأن العالم اليوم مليء بأشخاص من مختلف المستويات لا يحترمون القيم والمبادئ الأخلاقية في أغلب شؤون حياتهم، وإغراءات الاقتداء بهم كبيرة. يشعر الكثيرون اليوم أنهم مجبرون على المشاركة في ممارسات غير أخلاقية وفاسدة لتكون لديهم فرصة التنافس على أصعدة مختلفة، أو سيظلون في وضعهم الحالي دون تقدم.
ثانيًا، تدرك نساء الخدمة الحاجة العاجلة إلى تعاون المنظمات والجماعات وعملها معًا لمواجهة هذا الوضع. ويدركن أن التزامهن بالإسلام قد يكون عائقًا في بعض الحالات. ونظرًا لأن أغلب نساء الخدمة، وليس كلهن، يغطين رؤوسهن، تزيد احتمالات مواجهتهن للتحديات أثناء محاولاتهن التعامل والتفاعل مع الآخرين.

بذلــت هــؤلاء الناشــطات جهــدا كبــيرا في تعليــم الفتيــات مهــارات التواصل لتحســن علاقتهــن بآبائهن وأزواجهــن وأبنائهــن، ومعرفــة حقوقهــن والمطالبة بها، وحقــوق بناتهــن في اللتحاق بالتعليــم الثانوي
والجامعي والبحث عن وظيفة.

وهن يعرفن أن بعض الجماعات في تركيا والولايات المتحدة تعتبر تغطية رؤوسهن والتزامهن الشامل بالإيمان والتقوى مشكلة. ويدركن الرأي الشائع بين العلمانيين الأحرار في تركيا القائل إن المرأة التي تختار الحجاب بوعيها عقلها محجوب، هي وزوجها، كما قالت إحدى الناشطات العلمانيات الأحرار في تركيا لتبرير رفضها للنساء المرتديات غطاء الرأس في تركيا.(2) ومع ذلك تشعر نساء الخدمة أن التزامهن الديني لا يؤثر سلبًا على جوانب حياتهن الأخرى، وأن الحجاب لا يمنع النساء بالضرورة من عيش حياة مُرضية وسعيدة ومليئة بالإنجازات المهنية. إنهن ملتزمات بالسعي لتغيير آراء وسلوكيات الأشخاص الذين يقابلونهن في حياتهن اليومية، وبتقديم إسهاماتهن لتحقيق أهداف الخدمة من خلال العمل على نشر التفاهم والسلام بمساعدة مبادرات الخدمة المستمرة، وتشجيع الحوار بين الأديان وبين الثقافات.
حاولتُ في هذه الدراسة بيان إلى أي درجة يكون التزام نساء الخدمة بالعقيدة الإسلامية وممارستها متأصلاً في كل جوانب حياتهن وهوياتهن. إن التزامهن بالإيمان والتقوى عنصر أصيل وجزء لا يتجزأ من أنشطة حياتهن اليومية، ونموهن الشخصي المستمر، وأهدافهن التعليمية والمهنية، وتعاملاتهن وعلاقاتهن الشخصية. وهن يؤمن أن الإيمان والتقوى، ومحاولاتهن الدائمة لنيل مرضاة الله، وسعيهن المستمر لتجديد وتطوير أنفسهن تمثل كلها وسائل دعم ومصدرًا للثراء. إن تمسكهن بالإيمان والتقوى هو الأساس الراسخ لبناء علاقات شخصية صحية ومنصفة، تثري حياة الطرفين على جميع الأصعدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
– برناديت أندريا، 2007، «النساء وحقوقهن: تعليق فتح الله كولن على تعيين السيدة مونتاجيو «سفيرة» في الإمبراطورية العثمانية». في آر إيه هانت وواي إيه أصلان دوجان (محرران) Muslim Citizens of the Globalized World. Contributions of the Gülen Movement. سومرست: مؤسسة The Light Inc.، الصفحات 161-182.
– ماريا إف كورتس، 2005، حركة كولن في أمريكا: من منظور النساء، مجتمع تركي أمريكي جديد يمد جذوره.
– لارا ديب، 2006، An Enchanted Modern. Gender and Public Piety in Shi’i Lebanon. برينستون: دار نشر جامعة برينستون.
– صبا محمود، 2005، Politics of Piety. The Islamic Revival and the Feminist Subject. برينستون: دار نشر جامعة برينستون.
– إليزابيث أوزدالجا، 2003، اتباع خطوات فتح الله كولن. ثلاث معلمات تسردن قصصهن. في إم إتش يافوز وجيه إل إسبوزيتو (محرران) Turkish Islam and the Secular State. نيويورك: دار نشر جامعة سيراكيوز، الصفحات 85-114.
– كاثرين رودفير، 2003، The Book and the Roses. Sufi Women, Visibility and Zikr in Contemporary Istanbul. إسطنبول: مؤسسة البحث السويدية.
– آنا جيه ستيفنسون، 2007، ترك أثر في هيوستن: إجابات أسئلة حول النساء وحركة كولن. في آر إيه هانت وواي إيه أصلان دوجان (محرران) Muslim Citizens of the Globalized World. Contributions of the Gülen Movement. سومرست: مؤسسة The Light Inc.، الصفحات 145-160.
– عزام تراب، 2006، Performing Islam: Gender and Ritual in Iran. لايدن: دار نشر إيه جيه بريل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) هذه السيدة المنتمية لحركة كولن مسجلة حاليًّا في برنامج لدراسة الطب في إحدى الجامعات المحلية.
(2) كانت هذه الناشطة تشير إلى زوجة رئيس الوزراء التركي (آنذاك “أردوغان”). وقد أوضحت أن حجاب زوجته يعني احتجاب عقله هو أيضًا، بعبارة أخرى أن عقله موصد أمام أي احتمال للتغير والتقدم، ولا سيما فيما يتعلق بالنساء. اللافت للنظر أن هذا الربط الشديد بين النساء اللاتي يغطين رؤوسهن وأزواجهن كانت له تبعات أخرى على المجتمع التركي. عندما تعرض رجال كثيرون في مناصب مهمة لخطر فقد وظائفهم، اضطروا لإخفاء حقيقة حجاب زوجاتهن عبر عزلهن في المنازل أو نقلهن بعيدًا إلى مساكن خارج المراكز الحضرية التي يعملون بها.