لقد بلغ من حب الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوفهم من أن يفارقوه، وجدير بمن خالط الحبيب المصطفى أن يأسى لفراقه، فقد كان لأصحابه النور الهادي، والأب الحنون، والأخ المعين، وسند الأيتام وذخر المحتاجين، ومصدر الأنس والأمان لهم أجمعين، يحدثنا الأستاذ كولن عن النموذج الثالث من مواقف الصحابة الدالة على صدق هذه المحبة قائلاً: “كان رسول الله ﷺ وفخر العالمين قد أبلغ بقرب رحيله إلى الرفيق الأعلى، فكأنه استلم دعوة من وراء السماوات بذلك.. لقد حان وقت فراق الأحبة والأصحاب الذين رافقوه رحلة دعوته وجاهدوا معه طوال ثلاث وعشرين سنة، فكان يخرج للقائهم في أيامه الأخيرة حزينًا. وكان الصحابة يتأثرون من حاله هذه ويحزنون، وكانت صدورهم تمور بالحزن والأسى كلما رأوا رسول الله ﷺ يدخل بيته. وكان رسول الله ﷺ قد أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن ليبلّغ رسائل النبي ﷺ وأوامره وتعليماته، وكان كلما رجع من اليمن أتى رسول الله ﷺ ليعرض عليه ما رآه من أمور وأحداث وما واجهه من مشاكل. وقبل سفره الأخير ذهب إلى رسول الله ﷺ طالبًا منه الدعاء قبل عودته، فخَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِه، فَلَمَّا فَرَغَ، قال: “يا معاذ! إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري” فكأن صاعقة نـزلت على رأس معاذ.. شعر كأنه طير قد قُصّ جناحاه.. وانهمرت الدموع من عينيه.

 

هكذا كانت محبتهم له ﷺ، ولم يكن خوف مفارقتهم للحبيب المصطفى ﷺ مقصورًا على الحياة الدنيا بل كانوا يعربون عن خشيتهم من مفارقتهم له حتى في الآخرة، فعن عَائِشَةَ ، قَالَتْ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، وَإِنَّكَ لأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ وَلَدِي، وَإِنِّي لأَكُونُ فِي الْبَيْتِ، فَأَذْكُرُكَ فَمَا أَصْبِرُ حَتَّى آتِيَكَ، فَأَنْظُرَ إِلَيْكَ، وَإِذَا ذَكَرْتُ مَوْتِي وَمَوْتَكَ عَرَفْتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ الْجَنَّةَ رُفِعَتْ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ خَشِيتُ أَنْ لا أَرَاكَ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا حَتَّى نزل جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ (النساء :69)

ليَبْكِ رَسولَ اللَهِ مَن كانَ باكِيا*** وَلا تَنسَ قَبرًا بِالمَدينَةِ ثاوِيا

جَزى اللَهُ عَنّا كُلَّ خَيرٍ مُحَمَّدا *** فَقَد كانَ مَهديًّا دَليلاً وَهادِيا