يرى كولن أن حياة البشر وتأمين سعادتهم وثيق الصلة بالإيمان بالبعث والنشور، فلن تستقيم حياة الإنسان ما لم يؤمن أنه محاسب على كل فعل من أفعاله، فلك أن تتصور حياة إنسان مؤمن بأنه سيحاسب كيف ستكون ثمرة محاسبته لنفسه ومراقبة كل كلمة تخرج من فيه، وترصد كل رغبة تختلج صدره، وبالتالي ستستقيم حياته بميزان دقيق يقول تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(يونس:61).

وقد عدد (كولن) هذه الفاعلية والثمار تفصيلا في حياة الإنسان، وهي:

1- بلسم الأطفال:

فيرى كولن أنه لا سبيل لمواساة قلب الطفل الرقيق إذا مات أحد أبويه أو أحبته  وإخراجه من مصابه إلا إذا آمن أنهم ذهبوا إلى الجنة، وأنه سيرافقهم هناك، وإذا كان هذا الفقيد كبيرا، فإنه سيضمه إلى صدره في الجنة، ويجلسه على حجره ويمنحه حبه وحنانه، وبذلك تخفت حرقة الفراق، وتندمل الجراح([1]) .

فالإيمان بالبعث فقط يمكن أن يسري عن هذا الطفل، فهو المرهم الوحيد الذي يهدئ من روعه([2])

فيخاطب هذا الصغير نفسه بالقول: “لقد رحل من هنا، لكن الله فتح له أبواب الجنة على مصاريعها، فهو الآن يرفرف طائرا في رياض الجنة وإن أمتْ أرفرف مثله أيضا”([3])

2- أنيس الشيوخ:

فيتساءل كولن: هل من سلوان لهؤلاء الشيوخ الذين يدنون من الموت خطوة خطوة وقد غادرهم الشباب والجمال والمنصب والجاه، وفارقوا أحبة، وعانوا آثارا رهيبة إلا الإيمان بأن القبر ليس غولا مروعا يترقب لحظة ابتلاعه وما هو إلا باب ينفتح إلى ممر يبلغ بصاحبه إلى رياض الجنة، ومنزلا تتعاقب فيه أمواج الرحمة والمغفرة([4]).

فالإيمان بالبعث يهمس في نفس هؤلاء الشيوخ: ” لقد أتممت حياتك، وأديت مهمتك، ومن ثم فإن صاحب الرحمة الواسعة الذي أرسلك إلى هذه الدنيا، لن يتركك تشقى في هذه الصحاري بعد اليوم، لذا سيقربك إليه، ويفيض عليك من نعمه التي أعدها لك خصيصا”([5]).

3- حِمى الشباب

ويرى كولن أن الشباب يعني كل شيء كما قال عمر رضي الله عنه: “إن القوم إذا ضاع فتيانهم فقد هلكوا”([6]).

ويرى كولن أن سبب شقاء البشرية اليوم هو فساد شبابها وتصرفاتهم الطائشة، والعلاج يكمن في عقيدة البعث، فعندما يثبت الإيمان بالبعث في قلوب الشباب يكتشفون أسرار نفوسهم، وحقيقة ذواتهم فتستقيم حياتهم، يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾(النازعات:40- 41)

يقول كولن: “فمن خاف هنا، أمن هناك، أي دستور غير هذا يكبح جماح الشباب؟، وأي حمى غير هذا الحمى يقي الإنسان من التشرد والعصيان؟”([7]).

4- رفيق المرضى والمظلومين والمنكوبين:

يرى كولن أن المريض الذي يقترب من الموت والقبر ليس له من أمل أو سلوى عن آلام المرض إلا إذا تيقن أن القبر ردهة تنفتح إلى عالم آخر من البهجة والسرور؛ ولذا نجد على شفاه أولياء الله عند موتهم بسمة ورضا، فعندما خير النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الدنيا والآخرة قال: “اللهم الرفيق الأعلى”([8])، وكذا أبو بكر وعمر – رضى الله عنهما-.

ولا تخمد ثورة المظلوم الذي يتحرق شوقا للثأر من الظالم إلا إذا تصور ذلك اليوم الذي يؤخذ فيه بتلابيب هذا الظالم أخذ عزيز مقتدر.

ويقول كولن: “أما المنكوب الذي دهته مصائب سماوية وأرضية… هذا الرجل لا يسليه عما ألم به من المصائب إلا تصور البعث بعد الموت، فهذا التصور يخبره بأن المال الذي ضاع في الكارثة صدقة، والنفوس التي زهقت شهيدة، وهكذا يتنسم قلبه برد السكينة والاطمئنان”([9]).

5- أحلام المدينة الفاضلة:

يرى كولن أننا لن نستطيع تحقيق المدينة المثالية التي نادى بها أفلاطون في جمهوريته ولا المدينة الفاضلة التي رسمها الفارابي في الواقع؛ لأنها محرومة من الأركان التي تقوم عليها، وأعظم ركن ينشر السلام في الحياة هو الشعور بصغار الدنيا والزهد فيها، ثم الإيمان بالآخرة، والتطلع الدائم إليها، وهذا أعظم انجازات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام نظام العالم على فكرة الحساب على الأعمال، فما هذه الحياة إلا مزرعة للآخرة، وقد بث النبي هذا الدرس في قلوب الصحابة، فأثمرت هذا الجيل الذهبي الفريد([10]).

وذكر كولن عدة مواقف من حياة الصحابة رضوان الله عليهم منها:

ما روي عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: أتى رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلا دعواهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا فإنما أقطع له قطعة من النار فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لك، فقال لهما النبي – صلى الله عليه وسلم-: أما إذ فعلتما ما فعلتم فاقتسما وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحالا”([11]).

وفي مشهد من مشاهد أحد المؤثرة يستعرض كولن مشهد احتضار سعد بن الربيع رضي الله عنه فيقول: “نجد سعد بن الربيع رضي الله عنه مسجى على الأرض، وقد سالت منه الدماء، وكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، يقول لأبي بن كعب: ” أقرئ رسول الله مني السلام.. واها لريح الجنة إني أجده دون أحد”. أي شيء يستطيع أن يغمر قلب الإنسان بالسعادة حتة في لحظات الاحتضار؟ وأي تقدم بشري يستطيع أن يمنح الفرد والعائلة والمجتمع هذ السعادة سوى الإيمان بالآخرة؟”([12]).

وغيرها الكثير من الصور التي ضربها كولن من حياة الصحابة رضوان الله عليهم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– ينظر: نفخة البعث شواهد الحياة بعد الموت ص 13.

[2]– ينظر: نفخة البعث شواهد الحياة بعد الموت ص 14.

[3]– نفخة البعث شواهد الحياة بعد الموت ص 14.

[4]– ينظر: نفخة البعث ص 15.

[5]– فتح الله كولن: نفخة البعث ص 16.

[6]– ينظر: كولن: نفخة البعث ص 19.

[7]– كولن: نفخة البعث ص 19.

[8]– أخرجه البخاري في صحيحه، باب آخر ما تكلم به النبي – صلى الله عليه وسلم- كتاب المغازي ،ج 6 ص 15 رقم 4463  وأخرجه مسلم في صحيحه، باب في فضل عائشة- رضي الله عنها-، ج 4 ص 1894 رقم 2444 .

[9]– كولن: نفخة البعث وشواهد الحياة بعد الموت ص 21، 22.

[10]– ينظر: نفخة البعث ص 23،24.

[11]– أخرجه الإمام ابن الجارود: المنتقى من السنن المسندة، باب ما جاء في الأحكام ج 1 ص 250 رقم الحديث 1000 ، تحقيق الشيخ/ عبد الله عمر البارودي، الناشر: مؤسسة الكتاب الثقافية- بيروت- ط الأولى 1408هـ- 1988م.وقال الألباني: حديث حسن، ينظر: ناصر الدين الألباني المتوفى(1420هـ): إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل ج 5 ص 251 .

[12]– نفخة البعث ص 25.

About The Author

د. نوسة السيد محمود السعيد، مواليد المنصورة- مصر 1979، مدرس بجامعة الأزهر، ليسانس دراسات اسلامية وعربية، شعبة أصول الدين، قسم العقيدة والفلسفة جامعة الأزهر فرع المنصورة 2002، بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف. ماجستير عام 2012، بتقدير ممتاز بعنوان: "التصوف في القرن الثاني الهجري مدارسه ورجاله". دكتوراه 2018 بتقدير رتبة الشرف الأولى، بعنوان: "فتح الله كولن وآراؤه الكلامية والفلسفية".

Related Posts