إن الحزن والبكاء حال الأصفياء دائما، وإن أنين الليل والنهار أقصر طريق إلى الله سبحانه. ومن عاب العاشق في بكائه فقد فضح نفسه وأبان عن رعونته. ومن لم يفهم حقيقة النفوس التي احترقت وجدا وتأججت شوقا، فسوف يصبح متقلبا بالحسرات ويمسي مكتويا بآلام البعد والهجران يوم يقوم الناس أمام رب العباد.

وإن القرآن الحكيم لَيلفت الأنظار باستمرار إلى أصحاب القلوب المضطرمة والعيون الملتهبة مُشِيدا بذكرهم نماذجَ مثالية يجدر التأسي بها وتمثّل سلوكها. فهو ينوه بهؤلاء الربانيين أنقياء الروح أصفياء القلب يقِظي الفؤاد، ويثني على الدموع التي انحدرت من أعينهم، خوفا من جلال الله، وهيبة من جبروته، أو شعورا بثقل الذنوب وتعاظمها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾(الإسراء:107-109)، فيعد الدموع التي تقاطرت حبا لله هدية صدقٍ قدّمت بين يدي نجواه سبحانه.

وكذلك حينما يثني على الأنبياء واحدا تلو الآخر بميزاتهم التي تميزوا بها، ومحامدهم التي تفردوا بها، ينبه إلى الجامع المشترك بينهم، أي البكاء والأنين، إذ يقول: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾(مريم:58). وتأكيدا لمكانة الدموع لدى الباري عز وجل نقرأ في الكتاب المبين آية ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾(المائدة:83)، وذلك في معرض تبجيل المؤمنين قديما والموقنين حديثا ممن استيقظوا على النور من خلال الكتب المنـزلة والرسالات السابقة، ثم التقوا بالرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام، فسمعوا منه رسالة السماء غضة طرية، فتقلبوا في أحضان الإيمان من حال إلى حال.

وها هو القرآن مرة أخرى يشيد بأبطال الدموع، يهدّئ من روعهم، ويعزّي قلوبهم المنكسرة، ويخفف من وطأة أحزانهم بثناء سماوي، إذ لم يجدوا العدّة المطلوبة التي تساعدهم على الجهاد في سبيل الله بسبب ضيق ذات اليد فيقول: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾(التوبة:92). وبينما يذكّر القرآن بأن البكاء من سمات الربانيين التي لا تفارقهم، يحذر هؤلاء الطائشين الذين يعدّون الحياة لعبا ولهوا فيقضون أعمارهم ضاحكين عابثين قائلا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(التوبة:82)، وبالتالي فإنه ينوه بمكانة الدموع من باب آخر. أجل، إن القرآن يستميل أنظارنا إلى الحقيقة نفسها بأساليب شتى وبعشرات من الآيات، ويرشدنا إلى أن نقف موقفا يليق بمكانتنا الكونية.

هذه تنبيهات القرآن الملحة في هذا الشأن، وإليك نفحات من الحياة السنيّة للنفس الزكية والروح الطاهرة مبلّغ وحي السماء عليه الصلاة والسلام الذي سارت حياته مستقيمة على هذا النهج القويم؛

فقد كان يقول لأصحابه الأوفياء من حين إلى آخر “طوبى لمن مَلَكَ نفسَه، ووسِعه بيتُه، وبكى على خطيئته” (الطبراني)، فيدلهّم على معراج ذي ثلاثة مدارج يستدرجهم من خلالها إلى الآفاق السامية التي يعيش فيها، ثم يلفت أنظارهم إلى ما يقع في عوالم الغيب من شؤون جسيمة تهز القلب هزا فيقول: “واللهِ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا” (البخاري).

كما كان يوقظهم دوما إلى أهمية البكاء والأنين، وينبههم -وينبهنا معهم- إلى أن قطرات الدمع النقية التي فاضت خشية من الله تشكل حجابا إزاء عذاب النار ما لم تتلوث بزيف الرياء وكذبه، “عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله” (الترمذي). وتأكيدا للمعنى نفسه وتنويها بقيمة الدمع لدى الحق تعالى كان يستخدم أساليب مختلفة في حديثه إذ يقول: “لا يَلِجُ النارَ رجلٌ بكى من خشية الله حتى يعود اللّبنُ في الضَّرْع” (الترمذي).

فما بالك إذا انسكبت هذه الدموع، وتعالت تلك الآهات في خلوات محجوبة عن العباد مكشوفة على رب العباد.. الحقيقة أنني لا أعرف ميزانا يستطيع أن يزن قدرها. أجل، كان نبيّ الحزن صلى الله عليه وسلم يصدح بهذه المعاني وينبه إليها حيثما نزل وأينما حلّ، مع العلم بأنه لم يتخلف عما أشاد به من مُثل عليا قطّ، ولم يبطئ السير نحو الآفاق البعيدة التي أشار إليها أبدا، بل كان متجاوزا لها بمسافات شاسعة، فعندما كان يقوم أمام الباري عز وجل للصلاة يُسمَع في صدره أزيز كأزيز المِرْجَل من البكاء (أبو داود). وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم “اِقرأ عليَّ”، قلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أُنزِل؟ قال “نعم”. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً﴾، قال “حسبُكَ الآن”، فالتفتُّ إليه فإذا عيناه تذرِفان (البخاري).

أجل، كانت الدموع تسيل من عينيه سيلا، فهل كان أصحابه الأنقياء الأطهار يشهدون دموعه وهم واجمون؟ كلا، بل كانوا يجهشون معه بالبكاء، فيتحول المشهد إلى بكّائين يتغنون بأناشيد البكاء ويترنمون بأنات الدموع. وذات مرة ما إن تلا عليهم قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ﴾(النجم:60-61) حتى علت أصواتهم بالبكاء وارتجّت السماء بالأنين، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهم طفق يبكي معهم بدموع حرّى، فما كان ذلك إلا أن أثار شجونهم ولمس شغاف قلوبهم فطفقوا يذرفون دموعا أكثر من ذي قبل (البيهقي). فقد كان بكاء الليل وأنين النهار دأبهم؛ إذ كانوا يشعرون بحلاوة الإيمان ولذة العرفان فيبكون، وتثور نيران الحب والشوق لديهم فينتحبون، ويراقبون عملهم فيحذرون من أن يكون قد خالطه شيء من الذنب فيستعبرون، وتلوح لهم مشاهد الآخرة فيرتعشون خوفا ويئنون، وتغطي الغيوم آفاقهم فتحجبهم عن الرؤية فيضطربون، ويعاودون الكرّة فيبكون.. تلك حالهم ما بين بكاء وأنين يُزْجَى بأخلص عبارات التضرع والابتهال إلى عرش الرحمن.

إن أسرع الأدعية وصولا إلى الله ما صدر منها مصحوبا بدمع العين وأنين القلب، إذ ما من شيء يمكن أن يترجم حرقة الفؤاد ولوعة الضمير بأقصى سرعة وأسمى نقاء مثل العَبَرات والدموع. وما رَفعت دموعُ القلب رايتها في ساحة من الساحات إلا تبددت جيوش الإثم أمامها مقهورة مخذولة. وإن النفوس المرهفة حينما تحس بهذا النوع من نسمات القبول تلامس أوتارها، تهدأ ثورة نيرانها، وتنتشي بلحظات من البرد والسكينة والسلام.

إن الأوّاهين الذين عاشوا في بكاء وأنين متصل هم بلابل الحب الصادق عند أهل السماء. فإذا انطلقت أصواتهم بالتغريد أنصت سكان الملإ الأعلى، وراحوا يصغون إلى ترانيمهم بسكون عميق. فإذا بلغ البكاء هذا المبلغ من الوفاء والنقاء، وكان ترجمة صادقة لما يمور ويهدر من شلالات في القلب، فعلى المرء أن يوجهه ناحية “الأبد”، ويقدمه إلى “سلطان الأبد” في منتهى السرّية والكتمان، وأن يحذر من تلويثه بشائبة الرياء، وإلا تحول ذلك الشلال المطفئ للنيران إلى سم زُعاف.