في أزمات “النبوات” كانت البشرية تجد-بين نبوة وأخرى- فترة زمنية تخرج فيها من عذاباتها النفسية والفكرية والروحية وحياتها العشوائية المنفلتة من معاني القيم الإيمانية العالية، فتتنفس الصعداء، وتقف لتراجع النفس وتنكبَّ على تقويم معوجاتها وانحرافاتها، ثم تعاود المسير من جديد على ضوء ما استفادته من تعاليم نبوة زمانها.

أما اليوم وقد باتت معاني هذه النبوات غائبة عن المنظومات الثقافية والفكرية لقطاعات واسعة من الشعوب والأمم، فإنها -أي البشرية- تعاني بسبب ذلك صنوفًا هائلة من العذاب الذي يكاد يوردها موارد الهلاك الأبدي، فهي في صراعاتها مع “غولي النفس والعقل”، وجدالاتها الطويلة والصعبة معهما من دون الاستعانة بتعاليم النبوات لم يفضِ إلى شيء ملموس، أو يحسم الإشكالات التي يُثيرها العقل وتعاني منها النفس.

إن الباحثين في شؤون البشرية الفكرية والروحية لا يستطيعون تجاوز العذاب الذهني والجحيم الروحي اللذين تعاني منهما البشرية اليوم، وما يُشاهد من إغتباطات تبلغ حدَّ الهوس بلذائذ النبوغ الفردي أو الجماعي هنا وهناك ليس بأكثر من فقاعات طافية على سطح الحضارة لا يمكنها أنْ تُغطِّي ما يموج في الأعماق من العذابات التي يتجرعها البشر في سكرة خادعة تجعلهم لا يعرفون مواضع أقدامهم من شدة الذهول والحيرة التي تدير الرؤوس وتدوخ العقول، فمن غير المعقول ولا الأخلاقي أن يغتبط المرء أو يبدو مغتبطًا بين مجموعة من الذين يتصارحون من هول العذاب الذي يعانون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: أديب إبراهيم الدباغ، فتح الله كولن في شؤون وشجون، دار النيل للطباعة والنشر، طـ1، 2013م، صـ43.

ملحوظه: المقال كما قال الأستاذ أديب الدباغ في مقدمة الكتاب يمكن أن ننسبه للأستاذ كولن؛ لأنه من وحي فكره، ولكنه ليس للأستاذ كولن لأنه كتب بغير قلمه، وبغير مفرداته.