إذا كان العالِم ابن بيئته، والدين الإسلامي منهج حياة صالح لكل زمان ومكان، فالذين يعتقدون أو يُروِّجون صعوبة أو استحالة تطبيق الإسلام في هذا العصر المتسارعة أحداثه، قد يجدون مبررًا لأفكارهم في ظل غياب الفهم الحي والمترجِم للإسلام الحق، ويعملون على إلصاق تهمة العنف والإرهاب بالمسلم الحق. خاصة في ظل وجود جهات أكثرت الضجيج بدون نتيجة حول تطبيق الشريعة، أو إسلامية الدولة أو خليفة المسلمين، مع تقديم صور ونماذج سيئة أو مشوهة للإسلام والدولة والخلافة. وفي ظل تمتع قضية العنف والتشدد بمكانة خاصة في عالمنا اليوم؛ يُعتبر تقديم صور القوة والحزم والنماذج والقيم المطلوبة في الإسلام في صور وأشكال محرَّفة أو سطحية، كل ذلك يُعتبر فرصًا ذهبية للخصوم والذين في قلوبهم مرض، من أجل التطاول على الإسلام والمسلمين واتهامهم والاعتداء عليهم؛ باسم الدفاع عن القيم والحقوق ومحاربة العنف والتشدد والإرهاب.

كم كان انبهاري شديدًا حين سمعت أحد الأخيار من تلاميذ الأستاذ كولن ينقل قوله: “يجب تفسير القرآن في كل خمس وعشرين سنة”.

كم كان انبهاري شديدًا حين سمعت أحد الأخيار من تلاميذ الأستاذ كولن ينقل قوله: “يجب تفسير القرآن في كل خمس وعشرين سنة” وهذه رؤية تجديدية عند الأستاذ كولن لفهم النص القرآني. وقد سبق لي دراسة هذا الموضوع فوجدت الرجل يستنير في فهمه للنص القرآني بأربعة خطوات كبرى لخصتها فيما يلي:

  • الأولى: التقوى كشرط للاستفادة من النص القرآني.
  • الثانية: تجاوز التقليد والشعارات الجامدة.
  • الثالثة: المزاوجة بين التأمل في آيات الله في الأنفس والآفاق وآياته في القرآن.
  • الرابعة: معرفة مجريات العصر.

نعم إن نجاح فتح الله كولن الواضح في محاصرة معضلة العنف؛ يؤكد عمق فهمه للتحديات الرسالية التي تواجه العالم فضلاً عن المسلمين. وإن ما يتعرض له هذا العالِم العبقري الكبير وتلاميذه ومحبوه من اتهامات باطلة ومتابعات محمومة ومضايقات ظالمة، في غياب تسجيل أي ردود فعل عنيفة أو غير محسوبة، أقول إن ذلك لخير دليل على نجاحه الباهر في التصدي بل اجتثاث معضلة العنف والتشدد. فهل هذا الرجل فعلاً ينتمي إلى عالمنا؟ وهل تلاميذه فعلا من أبناء هذا الجيل؟ على علماء التربية والاجتماع دراسة هذا الأمر.

تأسي فتح الله كولن وتعلقه الكبير بالرسول ﷺ، يعتبر عاملاً مركزيًّا ضمن منهجه التعليمي والتربوي الشامل في مواجهة معضلة العنف والتشدد.

وفي الوقت الذي يظن البعض أن الأستاذ كولن وحركة الخدمة، ضعفوا نتيجة ضربات الغدر التي تلقوها من بعض الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، فإن كثيرًا من المحللين يقولون بأن ما يعيشه هؤلاء اليوم هو امتحان جديد لهم، سنعرف من خلاله درجة قدرتهم على التحمل، ومدى صلاحية منهج فتح الله كولن وحركة الخدمة لمواجهة مثل هذه العواصف.

وها قد تأكد العالمُ أجمع وشهد أهل الأرض كما سيشهد أهل السماء-إن شاء الله تعالى- بأن فتح الله كولن ومعه رجال ونساء وشباب أهل الخدمة كلهم نجحوا في هذا الابتلاء، بإذن الله. ولو لم ينجح هؤلاء إلا في عدم الانجرار إلى العنف رغم ما تحملوا من ظلم وقهر، لو لم ينجحوا إلا في هذا لكفاهم فخرا. ولو كان في العالم عدل وإنصاف لاستحق هؤلاء جميعهم أن يُقلَّدوا بأعلى الأوسمة في هذا المجال، ولأن فتح الله كولن كما تلاميذه ليسوا من أهل الدنيا، فلن يلتفتوا إلى ذلك لأنَّه علمهم حتى تشربوا معنى وحقيقة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (القصص:60).

إن واحدًا من أسرار هذه النجاحات التي تعرفها حركة الخدمة، صرامة المنهج المتبع من طرف فتح الله كولن، في فهم النصوص عبر الشروط والخطوات الأربع السالفة الذكر، الشيء يؤكد عمق الرجل في الاطلاع وحنكته وعلو كعبه في التعليم والتدبير، كما في التنشئة والتزكية.

وإني أقدر أن تأسي فتح الله كولن وتعلقه الكبير بالرسول e، يعتبر عاملاً مركزيًّا ضمن منهجه التعليمي والتربوي الشامل في مواجهة معضلة العنف والتشدد. فتأمل قوله: “لقد كان سيدنا محمد r، هو الممثل الوحيد لتجلي صفة الرحمة والرحمانية للّٰه تعالى في الأرض. واستعمل هذه الصفة كإكسير شافٍ لفتح القلوب والتربع على عروشها”[1]

إن نجاح فتح الله كولن الواضح في محاصرة معضلة العنف؛ يؤكد عمق فهمه للتحديات الرسالية التي تواجه العالم فضلاً عن المسلمين.

نعم إن صفة “الرحمة” تعد إكسيرًا لمعادن الناس مهما ساءت، هكذا فهمها الأستاذ كولن. وبإلقاء نظرة سريعة حول نصوص القرآن والسنة النبوية سيفاجئنا حجم المساحة المخصصة للرحمة والمحبة والتعاون في الإسلام، وكلها قيم مانعة لقيم العنف. بل إن أول ما نزل من القرآن كان “الرحمة”، ومن أعظم صفات الله تعالى “الرحمة”، فكيف لإنسان تعلق قلبه بالرحمة أن يكون عنيفا؟ وكيف لمسلم يقرأ هذه الصفة عبر صلواته حوالي مائة مرة في اليوم أن يكون عنيفا؟ خاصة إذا علم أن الرحمة هي الصفة الوحيدة من صفات الله جل جلاله، التي وردت مكررة، وبصيغتين “الرحمن” و “الرحيم”. كل ذلك يدعو للتوقف والتأمل في أسرار وحكم ذلك، حتى نفهم لماذا اعتبر فتح الله كولن “الرحمة” إكسيرًا للقيم.

هذا في القرآن فقط أما السنة النبوية المُبّينة والشارحة للقرآن، فنصوصها لا تكاد تحصى في هذا الباب؛ كقوله uفي الحديث المشهور الصحيح: “الرَّاحمون يرحمهم الرَّحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السَّماء” (رواه الترمذي وأبو داود) وما أخرجه الإمام الترمذي:”لا تنزع الرَّحْمَة إلَّا من شقيٍّ”.

إن الأستاذ كولن وتعامله مع قضية العنف والتشدد يحتاج مؤلَفًا مستقلاً، لنتمكن من الإحاطة بمنهجه في مواجهة هذه المعضلة من خلال اعتماده على نصوص الكتاب والسنة. وقد يتساءل متسائل: إن الذين يمارسون العنف والإرهاب من بعض المسلمين، هم أيضا يستدلون بنصوص الكتاب والسنة! أقول وهذا مربط الفرس وواسطة عقد الإسلام اليوم. وهو الذي يصدق فيه قول الشاعر:

وكلّ يدّعي وصلاً بليلى      وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا.  (يتبع)

******************************************

[1] النور الخالد 246 دار النيل-مصر ط1 2007م.