الإنسانُ له مكانةٌ متميِّزةٌ خاصَّةٌ بين المخلوقات، وأسماء الله التي تُكْسِبُ الكونَ الوجودَ تتجلَّى على نحوٍ متباينٍ في كلِّ عالَم من العوالم المختلِفة المتداخِلة التي تُشكِّلُ الكونَ، بل وفي هذا العالم أيضًا تتجلَّى الأسماء نفسُها في صورٍ شتّى في كلٍّ من المجالات الاجتماعيّة والعِلمية والدينية، ويمكن النظر إلى هذا باعتباره ملمحًا من ملامح تجلِّي الحقيقة في أشكال وألوان ودرجات متباينة تختلف بحسب مستقبلها، وباختصارٍ فإنَّ كلَّ ما في الكون من جواهرَ وأعراضٍ وغيرها دون استثناء؛ إنّما هو آثار تجليات أسماء الله تعالى؛ فمثلًا تتجلى أسماؤه مثل:”المصوِّر والجميل وأحسن الخالقين” في كلِّ زهرةٍ وفقًا لِقُدْرَةِ تلك الزهرة وخصائصها، أما في الإنسان فيمكن القول إنَّ أسماءَ الله تعالى جميعَها تتجلَّى فيه، فَتُشَكِّلُ هذه الأسماءُ المتكاملة في تناغمٍ وتَجانُسٍ مع آثارها المتناقضة مصدرَ ما لدى الإنسان من صِفاتٍ وقابليَّاتٍ وتجلِّياتٍ مختلِفة ومتناقِضة مع بعضِها، إلا أنها يُكمّل بعضُها بعضًا، وربما لا يمكن من الوهلة الأولى التوفيقُ بين رحمة الله تعالى وشَفَقَتِهِ وبين غضبه وعِقابِهِ، بين اسميه “الرحمن الرحيم” وبين اسمه “شديد العقاب”، إلا أن لِكُلِّ اسمٍ من أسمائِهِ مكانًا وساحةً خاصَّةً به؛ أي إنَّ للعقاب أيضًا ساحتَهُ التي يتجلَّى فيها كما أن لكلٍّ من الرحمة والشفقة ساحةً خاصّةً به، وإنَّ هذه الأسماءَ تنعكس على الإنسان أيضًا بالشكل نفسِهِ؛ ولذلك فإنها تتسبَّبُ في تكوُّنِ مشاعر مناقضة لبعضها لدى الإنسان، ومن ثم فإن الواجب عليه أن يستخدم هذه المشاعر المتناقضة كلًّا في مكانِهِ وبالقَدْرِ اللازِمِ، فينسج شريطةَ تناغمٍ وانسجامٍ من هذه المتناقضات.
وبالشكل نفسه أيضًا فكما أن لكلِّ واحدةٍ من حواسّ الإنسان الظاهرة كالرؤية والسمع والذوق والحسّ والشمِّ وظيفتَها الخاصّة بها، وبالتالي فهي تحتاج الغذاء الخاصّ بها؛ كذلك الأمر بالنسبة لحواسِّهِ الداخليَّةِ وكلِّياته فإن لكلِّ واحدةٍ منها وظيفتَها الخاصة بها، ومن ثم فإنها تحتاج إلى إشباعٍ خاصٍ بها، كما أن لمفاهيم العقل والفكر والذاكرة والمحاكمة العقلية والتعلّم -التي يمكننا جمعها كلها تحت مفهوم “الذهن”- وظائفَ ومعانيَ خاصةً بها بالنسبة للإنسان، وبالتالي فإن لها فلكًا خاصًّا بها ومناخًا تتغذَّى منه؛ فالأمر هكذا أيضًا بالنسبة لكليات الإنسان الداخلية والدقيقةِ كمشاعرهِ وقلبِهِ وروحِهِ؛ فلكلٍّ منها وظيفة خاصة، وبناءً على هذا فإنها بقدر ما تتغذى وتُمَدُّ بالقوت اللازم لها بقدرِ ما تستطيع الحفاظ على تناغمها الداخلي، وتستطيع بهذا تحقيق الطمأنينة الداخلية. أجل، حين تنشأُ الصلة اللازمة بين العقل والقلب، أو بين الذهن والروح، ويتحقَّقُ التناغم الداخلي، وتستخدمُ في الاتجاه الصحيح الجوانبُ المنعكسة على الخارج كالقوة والغضب والشهوة يُوَجِّهُ الإنسان حركاته في إطار “الحكمة”، ويعيش حياةً متوازنةً، وباختصار فإنَّ الإنسان حين يجد العدالة والتوازن والمنهج الوسط في داخله يكون عادلًا ومتوازنًا في علاقاته بالآخرين، وإن حدث العكس؛ أي إن خرجَ العقلُ عن الإطار الصحيح لِصالح الروح، أو الروح لصالح العقل، أو الروح والعقل لصالح القوة أو لصالح الشهوة أو البدن نشأ أناسٌ وأشخاصٌ غير أسوياء، وانعكس هذا الوضع نفسه بطبيعته على المجتمع، ومن هذه الناحية فإنَّ تَنْشِئَةَ إنسانٍ كاملٍ متكاملٍ، وبعبارة أخرى تلقِّي الإنسان تعليمًا كاملًا يكمُنُ في الأساس في تحقيقِ التوازن والعدالة والطمأنينة لديه ولدى المجتمع، وتناولِ كلِّيات الإنسان وحواسّه ومشاعره كلِّها ودراستِها.
واستعدادُ فتح الله كُولَنْ وأمثاله من الأشخاص القادرين على التأثير في الآخرين لتلقِّي تجلِّيات الأسماء الإلهية وفهمِها وإبرازها يفوقُ استعداد الأشخاص العاديّين بكثير، وكما أن الأمر على هذا النحو في الملكات والكلِّيَّات العقليَّة والروحيَّة فإنه كذلك في المشاعر كالغضب والرحمة والرغبة؛ ففتح الله كُولَنْ مثلًا إنسان نشيطٌ فعَّال بالفِطرة، من أنصارِ النظامِ والانتظامِ، حسَّاس فوقَ مقياس العادة، بالإضافة إلى أنه على وعيٍ بالتاريخ، مفعمٌ بالأحاسيس الحماسية، وهو إلى جانب ذلك مرتبطٌ إلى حدٍّ كبيرٍ بأقربائِهِ في إطارِ شخصيَّتِهِ الأسريَّة، حسّاسٌ لأقصى درجة، يشعر بالحبِّ لكلِّ الموجودات، ورحيمٌ ومشفِقٌ لدرجة أنه قد يقول:
“إن رأيتُ ورقةً وقعت من غُصنها في الخريف فَسَقَطَتْ على الأرضِ، أُحِسُّ بألمٍ وكأنَّ ذراعي قد انقطعت”.
وقد يجتهد لمدة نصف ساعة كي يُنقِذَ نملةً سقطت في حفرة، بل إنه ربما يُغمى عليه إنْ سَمِعَ بكاءَ طِفْلٍ وهو في كاملِ تركيزِهِ وخشوعِهِ وما فيه من طمأنينةٍ إلهيَّةٍ أثناء الصلاة، ومع كونه رحيمًا مشفِقًا بارًّا بأقاربه، ومفعمًا بالحبِّ؛ فإن ما ذاقَهُ من أنواع الحرمان منذ مولِدِهِ، وما تعرَّضَ له والدُه المرهفُ الحِسِّ اللطيفُ المشاعر من جفاءِ الأصدقاء وأنواع الهجر حين تلاحمت واتَّحَدَتْ مع وفاة الأَحِبَّةِ التي جَرحتْ روحه جرحًا غائرًا، ثم الجروح التي أصابت جسدَ الإسلام لاحقًا، كلُّ هذه الأمور خَـــمَّــرَتْ في داخله همومًا عميقةً جدًّا كانت تنمو وتتضاخم مع آلام الإنسانية وهمومِها، ومثل هذه النوعية من التأثيرات المختلفة تُـمَهِّدُ -إنْ لم تتوازن- الطريقَ لحدوثِ انكسارات متكرِّرَة في شخصية الإنسان، ولقد وفق الله تعالى فتح الله كُولَنْ إلى توحيد ودمج كلِّ هذه الجوانب الكامنة في شخصيته والتأثيرات التي وقعت في نشأته على نحوٍ متوازن.
ساقَ القَدَرُ فتح الله كُولَنْ إلى الأدب والتاريخ والفلسفة أيضًا إلى جانب العلوم الدينية والتربية الروحية والعلوم المسمَّاةِ بالعلوم الطبيعيَّةِ، وقد بدأ تحصيله ودراسته في بيت الوالد، واستمرَّ في “أرضروم”، كما أن تحصيله المعنويّ -الذي بدأ في بيت الوالد أيضًا- استمرّ بمجالسته “محمد لطفي أفندي”، ولم ينقطعْ قطُّ طيلة حياته، مثله في ذلك مثل تحصيله الديني، و”رسائل النور” للأستاذ بديع الزمان سعيد النُّورْسي التي تعرّف عليها في سنوات تعليمه أسهَمَتْ بِدَورِها وبقدرٍ واضحٍ في تربيتِهِ المعنويّة تلك، ونتيجة لذلك فقد ظلَّ يُطَوِّرُ الملكات والاستعدادات التي فَطَرَهَا الخالقُ فيه على نحوٍ متوزانٍ مع العصر، وواصلَ بنفسِهِ تعليمَه الحديث الذي كان بدأ في المدرسة الابتدائية في مجالات العلوم والفلسفة والأدب والتاريخ، وإلى جانبِ ضلاعَتِه في المبادئِ الأساسيَّةِ للعلومِ الحديثة بدءًا من الفيزياء إلى الكيمياء، ومرورًا بالأحياء إلى الفَلَك من جانبٍ؛ تَعَرَّفَ من جانب آخر على الفلاسفة الوجوديين وفلسفةِ الشَّرْقِ والغَرْبِ بمصادِرِهِما الأمِّ المختَلِفَةِ؛ فأَفْرَزَتْ كلُّ هذه الأمور إلى جانب المعرفة العميقة والعشقِ الفيَّاضِ، والعِلم الواسعِ والمنْطِقِ المحيطِ والمحاكَمَةِ العقلية، والحِكمةِ والحماسِ في الوقت ذاته، بل والبصيرةِ والفراسةِ القادِرَةِ على تحقيق التوازُنِ في كلِّ شيءٍ، ثم الصفاء والرِّقَّةِ والكَرَمِ والتسليمِ والمعاناةِ والأنينِ والعِفَّةِ والتقوى والشفقة والرحمة والتسامح، وفي المقابل الحماسة المطلقة والأمل والمثالية والنظام المنضبط… أفرزت نموذجَ صبرٍ عميقٍ، وإنسانَ تربيةٍ وحركةٍ عَرَفَهُ الرأيُ العام بالأستاذ فتح الله ولَقَّبَهُ من يعرفونه عن قُرْبٍ بِلَقَبِ “خواجه أفندي” أي: السيّد الأستاذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: علي أونال، فتح الله كولن ومشروعه الحضاري، دار النيل للطباعة والنشر.
