يُعرف فتح الله كُولَنْ في تركيا بالدرجة الأولى على أنه عالم وواعظٌ، وكاتب وشاعرٌ ومُفكّر وفدائيّ التربية لا سيّما لدى بعض الأوساط التركيّة، ثمّ بعد ذلك بدأت أفكاره بالانتشار نتيجةَ نشاطاته وفعالياته في التسامح والحوار ولمعَ نجمه على أنه إنسان حركةٍ وفكرٍ مثقّفٌ يجعل التعليمَ والتربية والتسامح والحوار على رأس أولويّاته، مما جعله عَلَمًا عالميًّا جديرًا بالاهتمام والمتابعة، ولاحقًا راح يعرفه الذين بدؤوا يتعرّفون عليه نتيجةَ نشاطاته وفعالياته في التسامح والحوار على أنه إنسان حركة وفكر مثقفٌ يجعل التعليم والتربية والتسامح والحوار على رأس أولوياته، هذه الحركة والعمل جعلته إنسانًا معروفًا وجديرًا بالاهتمام في العالم كله. وبالتالي فإنما يُشكل حركةَ وفكر فتح الله كُولَنْ هو منهجيته التربوية العلمية والإسلامية المعنوية، وتعاونه التربويّ الذي انتشر على وجه البسيطة كلها داخل تركيا وخارجها على نحو يدعم بعضه بعضًا، ولا سيما أعماله ومحاولاته في نشر التسامح والحوار بين مختلف قطاعات المجتمع التركيّ، ومختلف الأديان الكبرى داخل تركيا وخارجها على حدٍّ سواء.
وقبل أن نتناول الجانب الحركيّ الفكريّ من فتح الله كُولَنْ تحت عناوين التربية والتعليم، وفعاليات التسامح والحوار يجدر بنا أن نحلّل هدف حركته وفكره، والمنهج الذي اتّبعه في هذا، ونقف على المواد والديناميكيّة الرئيسة والمبادئ الخاصّة بهذا المنهج، مع أنه ينبغي لنا أوّلًا أن ننظر إلى المفهوم والمحتوى الذي أضفاه فتح الله كُولَنْ على الحركة والفكر.

حركة وعمل فتح الله كُولَنْ بنظريّتها وهدفها ومحركاتها
فكرةالحركة والعمل لدى فتح الله كُولَنْ
يتناول فتح الله كُولَنْ الحركة والفكر معًا، غير أنه ربما يعطي “الحركةَ” الأولويّةَ على نحو مختلفٍ عن كثيرين، فهو يرى:
“أن السبيلَ إلى الوجود الحقيقيّ يمرّ من الحركة والفكر؛ من حركةٍ وفكرٍ قادرٍ على تغيير ذاته والآخرين”.
ويقول كُولَنْ أيضًا:
“وإنّ أهمّ شيءٍ وأشـدّه ضرورةً في حياتنا هو الحركيّة، فمن الضروريّ أن نتحرّك على الدوام في ظروفٍ قاهرةٍ نضع أنفسنا تحت ثقلها بإرادتنا، لنحمل فوق ظهورنا واجباتٍ ونفتح صدورنا أمام معضلات، الحركيّة المستمرّة والفكر المستمرّ، ومهما ضحّينا في هذا السبيل، فإن لم نتحرّك نحن، فسندخل في تأثير الدوّامات الفكريّة والبرنامجية لأمواج هجمات الآخرين وأعمالهم الحركيّة، ونضطر إلى تَمَثُّلِ فصول -أي تقليد- حركاتهم” .
وفكرته هذه مهمّةٌ لأقصى درجةٍ، لأنه يُنظرُ إلى الإسلام في عصرنا الحالي من زاوية السياسة والأيديولوجيا، ومن يؤسسون حركاتهم وأفكارهم على هذا الأساس غالبًا ما يعجزون عن التخلّص من أن تكون حركاتهم وأنشطتهم مجرّد ردّ فعل، ومن ثمّ أنهم اضطروا للقبول بالوضع القائم، وبالتالي فقد استركضوا الإسلامَ خلف الوضع الذي هم عليه دائمًا، وكما أن الانهزاميّة والإخفاقات التي تسبّبت فيها ردّة الفعل هذه تُمهّدُ السبيل إلى إجرائهم تعديلًا دائمًا في وجهات نظرهم؛ فقد أدت إلى إساءة فهم الإسلام وإساءة معرفته، في حين أن الحركة والفكر أساسٌ في فكر فتح الله كُولَنْ، وهذا يعني أن نعمل في إطار “ذاتيّتنا”، أي التحرّك بعيدًا عن السياسة الراهنة ودون اختزال الدِّين في أيديولوجيات، وقد حدّدنا طريقنا، وأقمنا فكرنا بناءً على أرضيّةٍ سليمةٍ قويّة.
ويتقدّم كُولَنْ خطوةً أخرى فيرى أن الحركة والعمل هي عملية الوفاء بالغاية من الخلق، والحركة والفكر بهذا المعنى تُشبه -وفقًا له- حياة الإنسان كلّها، والفكرُ باعتباره حركةً داخليةً بعدٌ من أبعادِ هذه الحياة:
“إن الحركية هـي احتضان الإنسان للوجود كلّه بأصدق وأخلص القرارات، والتدقيق فيه، والسير من خلال معابره إلى اللانهاية، ثم إحلال عالمه الخاص في الفلك الحقيقيّ الذي هو غاية الخلق الحقيقيّة مستخدمًا الطاقة الكلّيّة لذكائه وإرادته بالسرّ والقوّة التي اكتسبهما من اللامتناهي، إن الفكرَ عملٌ حركيٌّ داخلي، فالفكر المنظّم والهادف هو التساؤل من الكائنات بذاتها عن المجاهيل التي تجابهها في وتيرة الوجود، والاسـتماع إلى جوابها عنها، أو بتصريح آخر: فعالية الشعور الباحث عن الحقيقة في لسان كلّ شيءٍ وفي كلّ مكانٍ، بتأسيس قَرابةٍ بين ذاته والوجود كلّه، إن روح الإنسان يلتف ويتآلف مع العالم بالفكر وفي ظل الفكر، فيتعمق باستمرارٍ في ذاته وداخل نفْسهِ.. ويمزّق قوالب “عقل المَعاش” الضيّقة ليفيض خارجًا، ويتحرّر من الأوهـام المنسلة إلى أغوار الروح.. يتحرّر، فيوائم الحقائق التي لا تُزيغ ولا تُضلّ، وبعبارةٍ أخرى، الفكرُ هو تفريغ داخل الإنسان من أجل أن يتّسع المكان للتجارب الميتافيزيقيّة في أعماق داخله بالذات، هذا هو أوّل مدارج الفكر، وأما المدرج الأخير في ذاك السلّم فهو الفكر المتحرّك” .
ويؤكّد كُولَنْ على ضرورة أن يكون الإسلامُ أساسًا ومنطلَقًا للحركة والفكر كي يستطيع الإنسان الوفاء بهذا الواجب الذي تقتضيه الحركة والفكر، ويعتبر ذلك عملًا وجهدًا في سبيل وصول الإنسان إلى جوهره وإيصاله الآخرين إلى جوهرهم، ذلك أن الإسلامَ -هذا المنهجَ الذي يسمو بالإنسان من مستوى الحياة المادّيّة والبدنيّة إلى مستوى الحياة القلبيّة والروحيّة- يضعُ الحركة والعمل في مدارها الحقيقي، ويمكن القول إن الحركة والفكر بهذا المعنى تعني ممارسة الإسلام وتطبيقه، ومثل هذا التوجّه والوصول إلى الذات يكون كفيلًا بكشف الاستعدادات والملكات الكامنة في روح الإنسان، ويضمنُ له وجوده وبقاءه.
ويؤمن كُولَنْ بأن الحركة والفكر اللذين يسيران ويحلّقان بأجنحة الدِّين والعلم والفلسفة في المجتمع بأسره يُخلّصان الأجيال من التشرّد، وأن أصحاب الفكر والفنّ والمعرفة والصنعة هم صُنّاعُ المستقبل، وبحسبه فسوف:
“تفوح الأزقة والشوارع بهواء العرفان وكأنها طرقات المدارس، وتصير السجون أوكارًا للعلم، وتُزيّنُ الخمائلُ البيوتَ كزوايا الجنة، وفي كلّ مكانٍ يسير الدِّين مع العلم يدًا بيد، وينثر احتضانُ الإيمان والعقل ثمارَه في كلِّ صوب، وينبت ويزدهي المستقبل في صدر الأمانيّ والآمال والعزم بألوانٍ وأفنان لا يضاهيها خيال “المُدُن الفاضلة”، وتنشر التلفزيونات والراديوهات والصحف والمجلّات في جوّ الفضاء الفيوضات والبركةَ والنورَ، ويرتشفُ الكوثرَ كلُّ قلبٍ سائحٍ في ربيعِ الجنةِ هذا ما خلا الذي كالرميم المتخلّف من التاريخ” .
الهدفُالأساسُفيحركةِوعملِفتحاللهكُولَنْ
مع أن فتح الله كُولَنْ صرّحَ بوضوحٍ في مُعظم كتاباته ولقاءاته بأن كلَّ ما يهدف إليه ويبتغيه هو الفوز برضا الله عبر تحقيقِ العبودية لله تعالى؛ إلا أن بعضَ الآراءِ والنظريَّات المُغرِضة قد نُسجت داخلَ تركيا وخارجها حول ما يهدف إليه، وماذا يريد فعله، وإلى أين يريد أن يَصِلَ؟ إنه يرى:
“الإنسانَ سائحًا، والكونَ مَعارضَ متباينة الألوان أُعدَّت كي يشاهد الإنسان ما فيها، وكتبًا زاخرةً مطروحة لنظر الإنسان وتأمُّله وإرشادِ سياحته، وقد أُرسل هذا السائحُ إلى هذا العالَم كي يقرأ هذه الكُتب ويزيد من معرفته؛ فيسمو ويترقى إلى الإنسانية الحقة” .
ومن ثم فإن هدف فتح الله كُولَنْ هو السياحة التي ينبغي أن تكون هدفَ كل إنسان؛ سياحة في سبيل “من لا تراه العيون ولكنه يدلُّنا على نفسِه بواسطة آثاره ومخلوقاته”، وغايتها الوصول إليه ، ويُعلِّلُ ذلك كُولَنْ بقوله:
“كيف لا! ولم نأتِ نحن وكلّ شيءٍ إلى هذا العالَم إلا لكي نعْرِفه ونُعَرّف به! ولا نعرف وظيفةً أسمى وأجلّ من هذه الوظيفة، فوجودنا نحن جميعًا ظلٌّ من ظِلالِ وجودِهِ ، أما هو فمصدرُ كلِّ شيءٍ ومنبعُهُ وإليه مرجعه” .
وهذه السياحة -وفقًا لفتح الله كُولَنْ- هي العبوديّة، فمعرفةُ الناسِ اللهَ وعبادتُهم إياه فحسب هي غايةُ إرسالِ الرسل، أي هي الغاية من الدِّين، ويذكر الله تعالى هذه الحقيقة في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56).
وإن رؤية العالَـمِ الذي ينشده فتح الله كُولَنْ والمستقبلِ الكامن في خياله؛ يمكن أن يعطينا معلومةً واضحةً بشأن الهدف الكامن في حركتِهِ وعملِهِ، وهو يكتب في هذا الموضوع قائلًا:
“عندما أغمض عيني أشعر وكأنني أشاهد المستقبلَ في الإطار الذي رَسَمَهُ وحدَّدَهُ إيماني وأملي وخيالاتي، وقد قَوِيتْ فيه القيمُ الإنسانيّةُ وتعمَّقت، وتسامت المشاعر والأحاسيس حتى بَلَغَت الذروةَ، ونال البَدَنُ نصيبَه أيضًا من القِيَمِ الروحيّة نفسها، وأُبصرُ بعينَيْ قلبي عصرًا ذهبيًّا هو الأنفَسُ والأروعُ في زمانٍ تُشكِّلُه أندرُ وأغلى قِطَعِ “الجنة المفقودة” التي ما زلنا نبحث عنها منذ زمن في عالمنا الروحيّ تتجاوز تصوُّرَنا لها، وتتوالى وارداتها وتنسلُّ إلى أحلامي وَرُؤَايَ…
حتى إنني في هذا الربيع المنسوج في عالم إيماني ورجائي أعانقُ الوجودَ كلّه، وأُحَيّي الأحياء بشفقةٍ وعطفٍ، وأضمّهم إلى صدري، وأقول لنفسي: “لا بدَّ وأنَّ هذه هي غاية الخالق من خَلْقِ الموجودات”.
أجل، لا خشونةَ ولا فظاظةَ ولا طمعَ ولا طول أمل ولا مناقشة ولا كذب ولا غدر ولا ظلم ولا إجرام ولا اختلاس في تلك الدنيا، وإنما فيها المروءة واللُّطْفُ والعزمُ على الانبعاث وحبُّ الحياة والملاءمةُ والحوارُ واحترامُ الحقوق والشعورُ بالأمانة والشعورُ بالوفاء وروحُ الصدق وفكرةُ العدل والاستقامة، وإنَّ أهل هذه الدنيا قد طهّروا قواميسَهم اللغويّة من معاني الحقدِ والكرهِ والنزاعِ تمامًا، وأسَّسُوا حيواتهم على المحبة واللين وحسن العلاقة مع الناس” .
آراءالمثقفين
عندما ننظر إلى آراء المثقفين الأتراك نجد أن الغالبيَّة العظمى منهم -باستثناءِ قِلَّةٍ صغيرةٍ تتصرَّفُ وتُفكِّرُ بطريقةٍ أيديولوجية وتحملُ أحكامًا مسبقَةً حول هدف فتح الله كُولَنْ- لا تفكر بطريقةٍ متباينة أو مختلِفةٍ عن بعضها البعض:
“إنّ حركةَ فتح الله كُولَنْ حركةُ مجتمعٍ مدنيٍّ، يمكنُها أن تساعدَ في استقرار الديمقراطيّة في تركيا، وأن القوميّة العلمانيّة
لا تُوحِّدُ الصفوفَ لأنّها تستَنِدُ إلى أساسٍ عِرْقِيٍّ، وهي بينما تضطلعُ بِـمهمَّةٍ تفريقيّةٍ نجد أن حركة كُولَنْ قد تُسَهّلُ تكاملَ المجتَمَعِ والْتِفَافَهُ حول نفسِهِ، وعيشَهُ سويًّا عبر تفعيل القِيَمِ الدينيّة في المجتمع” .
“علي يَشَارْ صَارِي بَايْ (Ali Yaşar Sarıbay)” [الأستاذ الدكتور]
“فتح الله كُولَنْ هو من دُعاة الاتحاد، وبالتالي فإنه ليس من دعاة التفرقة بين الناس، وهو يَقِفُ إلى جانبِ إعلاءِ القواسِمِ المشتركة التي يتقاسَمُونها فيما بينهم، ويؤكّد على الجَودَةِ والمنافَسَةِ في التربية والتعليم، ويجعل العقليَّةَ البحثيَّةَ في المقدِّمة، إنه إنسان نافعٌ جدًّا بالنسبة لتركيا المستقبلِ المسالمة ذاتِ الطابَعِ التعدُّديّ” .
“طه آقْيُولْ (Taha Akyol)” [الكاتب الصحفي المشهور]
“إن الأستاذ -بِقَدْرِ ما تسنَّى لي رؤيته- يعارضُ استخدامَ الإسلامِ على أنه مجرَّدُ أيديولوجيّة أو فسلفة حِزب، ويُعارِضُ تقسيمَ المجتَمَعِ إلى قطبين: مؤمنين وغير مؤمنين، ويدافعُ عن ضرورةِ احترام أصحاب الفكر المختلف والاعتقاد المختلف بعضهم بعضًا، وعن تحقيق التوافق والسلم المجتمعي، فلا بدّ من أن أرفعَ القبَّعةَ احترامًا لما يفعله الأستاذ” .
“شَاهِينْ أَلْبَايْ (Şahin Alpay)” [الكاتب الصحفي المشهور]
“الحَداثَةُ التي أثراها وصَقَلَهَا الفكرُ المحافِظُ الذي يصلُ ما بين الماضي والمستقبل، وما بين المستقبل والحداثة…
“إن فكر وحركة فتح الله كُولَنْ يجعل من التواضعِ جاذبًا ومؤثِّرًا في تعريف الفرد، كما يجعل المحافظةَ جاذبةً في النسيج المجتمعي، والإسلامَ جاذبًا ومؤثِّرًا في تأسيس الحضارة وإنشائِها، كما يُقَدِّمُ تواضعَ مَنْ لم يفقدوا صلتهم بالله تعالى وتسامحَهم نموذجًا للفرد الصامد بين ضغطِ التقاليد وإفراطِ الشَّطَطِ الحديث، ويُبَشِّرُ بالخير أهلَ المحبة؛ تلكَ المحبَّة التي تمزج الإيمان والمعرفة في “ثقافة القلب” في مواجهة الوَحْدَةِ والغطرَسَةِ العقليّة التي يتَّسم بها الإنسانُ الغربيّ؛ إذ يفتحُ لهم بابًا جديدًا من الثِّقَةِ بالنَّفْسِ، ونشاهِدُ لأوَّلِ مرَّةٍ في تركيا تركيبةً عميقةً من الفِكْرِ المحافِظِ والتسامح الليبرالي السياسيّ” .
” نِيلُوفَرْ كُولَه (Nilüfer Göle)” [عالمة الاجتماع]
“إن حركةَ فتح الله كُولَنْ تُعارض شنَّ حركات الإسلام السياسيَّةِ حربًا على التقاليد الإسلاميّة المحلّيّة، فهي حركةٌ تتبنّى تلك التقاليد والأعراف، وتُفَسِّرُ الإسلامَ وتحلِّلُه من زاويَتِها، وتقبَلُ بالتبايُنِ والاختلاف ولا ترفضُه، وتقوم عن طريقِ الأوقاف بإحياء مؤسَّسات المجتمع المدنيّ الخاصّة بتقاليد الأناضول وأعرافه، كما أن هذه الحركة تقبل بالاستمراريّة الثقافية” .
“عَلِي بَايْرَامْ أُوغْلُو (Bayramoğlu)” [الصحفي]
“تُشَكِّلُ كلُّ واحدةٍ من الجماعات والطُّرُقِ الصوفيّة حقيقةً من حقائق هذا المجتمع، وإنها لَتستطيع الوصولَ إلى مواقع مهمّة في السِّلْمِ والرِّفقِ المجتمعيّ طالما تبنَّت التسامحَ والحوارَ ودافَعَتْ عنه، وليس عن الصراع والتحزّب…
وإن فتح الله كُولَنْ يتبنّى خطًّا ومنهجًا تعدُّديًّا بعيدًا عن السياسة بخلافِ الرؤيةِ الضيِّقةِ لدى مَن يتبنّى الإسلام السياسي، إذ إنهم يحصرُون الفهمَ الإسلامي في نطاقٍ ضيِّق”
“حسن جمال” [الكاتب الصحفي]
“أن فتح الله كُولَنْ يوضِّحُ لنا “كيفَ ينبغي أن تكون تركيا التي نحتاجُها ونطمحُ إليها”، فإن فتحَ الله كُولَنْ يرغب في تركيا يُحتَرَمُ فيها أرباب الدّين حقَّ الاحترام؛ ولا أجدُ في مشروعِه أيَّةَ نيَّةٍ على الإطلاق مثل استخدام الدّين والسير به نحو تحقيق هدف سياسي” .
“محمد علي بِيرَانْدْ (Mehmed Ali Birand)” [الكاتب الصحفيُّ الراحل]
“رغم أنني كنت أعمل في صحيفة “جمهورية (Cumhuriyet)” التي كانت تَعتَبِرُ فتحَ الله كُولَنْ كأيِّ شيخٍ من شيوخ الطرق الصوفيّة، وتُقدِّمه للناس على أنه إنسان ضارّ، إلا أنني شاهدتُ الأستاذَ لاحِقًا، فرأيتُ أنه دائمًا ما يمتهنُ نفسَه ولا يمجِّدها، بل يجعلها في المؤخرة، ويتبنى موقفًا مسالـمًا داعيًا للحوار، يُشرّف روادَ الجماعات من مختلف الأديان… إن تركيا في حاجةٍ إلى فتح الله كُولَنْ بشخصيَّتِهِ الحكيمة والمعنويّة” .
“أَتِيلْلَا ضُورْصَايْ (Atilla Dorsay)” [الناقدُ السينمائيّ]
“لم يتبَنَّ فهمًا يستعمر الإسلام ويستغلّه، وتأتي شخصيته الروحانية والمعنوية في الصدارة، فهو يحترم أصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى، إنه رجل القلب العاشق الصافي” .
“أحمد تَزْجَانْ (Ahmed Tezcan)” [الصحفي]
“حين يُذكر فتح الله كُولَنْ تتبادر إلى ذهن الإنسان التربية الرائقة والأدبُ الجمُّ والتواضعُ المختَمِرُ في الذات” .
” جنك قوراي (Cenk Koray)” [الصحفي]
“جَمع فتح الله كُولَنْ بين العلم الديني العميق والفلسفة الغنية والثقافة التاريخية والفنية…
إنه إنسان يؤكِّدُ قدرتَنا على الانفتاح نحو الغرب دون أن ننفصمَ عن هويّتنا، وضرورةَ أن نُقوِّي صِلَتَنا بآسيا بينما ننفتح عليه” .
“بُولَنْد أَجَوِيدْ (Bülent Ecevit)” [رئيس الوزراء التركي الراحل]
“لا يُهَرْوِلُ الأستاذُ خلفَ السيادةِ العالميّة، بل يريد أن يعيش الإسلامَ بمعناه الحقيقي، وهو بحالتِهِ ووضعِهِ هذا يُقَدِّمُ منظرًا أكثر نفعًا وأوسع أبعادًا وأعلى مستوًى… إن آسيا الصغرى ربّت بين الحين والآخر عمالقةً عالميّين… والإسلامُ لا يتعارضُ مع العالَم، والمهمُّ هو أن يعيشَ الإنسانُ حقيقة إنسانيتِهِ، والمسلمُ حقيقةَ إسلامه، والإسلامُ لا يمنع التطوُّرَ والتقدُّمَ ولا يعرقلُهُ ولا يتعارضُ معه بأيِّ شكلٍ من الأشكال كما يظنُّ بعضُهم، إن الأستاذ فتح الله شخصيّة ذات رؤيةٍ ولغةٍ عالميّة وَعَتْ العالَم وفَهِمَتْهُ بحقائِقِهِ، تُشخِّصُ مشكلات المسلمين تشخيصًا صحيحًا، وتُنْتِجُ الحلول لها، وهو ليس من الشخصيَّات التي تتعيَّشُ من خزانة الدولة، إذ لا يمكن أن يكون هؤلاء ثوريّين، ومن لا جهدَ ولا عملَ لهم لا يُفلحون في العيش ولا يستطيعون توجيه الحياة، بل إنه لا هَمَّ ولا شاغل لهم من هذا القبيل، لذا فإنّ الأستاذَ كادحٌ يرى نفسه بين الناسِ واحدًا من الناس” .
“جَتِينْ أَلْطَانْ (Çetin Altan)” [الصحفي]
“إن إكسابَ الحياةِ معنًى بالعالَم الداخلي وبالحبِّ والمهموميّةِ يحتلُّ مكانًا أساسًا لدى فتح الله كُولَنْ، ومع هذا فثَـمَّةَ جذور مقاومة عظيمة فيه تُشعِرُ بوجودِها، وتُضيفُ بأنَّ كُولَنْ يؤمنُ بالفَرْدِ ويَعْتَقِدُ أن الإنسان لا يستطيع تحقيقَ تكامله الذهنيِّ والقلبيِّ ما لم يتعمَّقْ في وجدانه ويحاسب نفسَه، وتشير إلى أنه يحمل في داخله تركيبةً ثقافيَّةً مهمَّةً إلى حدٍّ ما بالنسبة لتركيا فتنقلُ عنه قولَه:
“ألا فلا ينبغي لنا أن ننسى “بسكال (Pascal)” ونحن نحلّق في سماء إشراق الغزالي، ولا “باستور (Pastör)” وهو في مختبرِه ونحن مع مولانا جلال الدين الرومي”.
ويرى كُولَنْ أن تجديدَ الذات هو الشرط الوحيدُ للبقاء والاستمرار، وأنّ التعليمَ والنهضةَ يسيران جنبًا إلى جنبٍ في عالَمِهِ، وأن اتِّحادَ ما هو ثقافي مع ما هو اقتصادي شرطٌ بالنسبةِ للمستقبَلِ، ويقترحُ الديناميكيَّةَ العِلْمية للتّصدّي للجَهْلِ، والعملَ والثَّراءَ من أَجل التصدِّي للفَقْرِ والعَوَزِ، والتسامحَ والحوارَ والتكاتفَ في مواجهةِ محاولة إثارةِ الفرقةِ في الداخل…
إن المثقفين العاجزين عن إنتاج تركيبة الثقافة الشعبية، المنكرين للتركيبةِ العثمانيَّةِ السلجوقيّة يستحيلُ عليهم الوصول إلى الشعب؛ فدائمًا ما بَعْثَرَتْهُم وجهةُ النَّظَرِ الشكليّة التي لا أساسَ لها، ونظرًا لأنهم لم يتخلَّصُوا من عقليَّةِ ولاةِ المستعمرين وذهنيّتهم فقد عجزوا عن إنتاج أيديولوجية خاصة بالبرجوازية التركية الصاعدة، إن المثقَّفين والبيروقراطيين الذين عجزوا عن إنتاج تركيبة وتوليفة من تاريخ هذا البلد الخاص به وظروفِهِ وثقافَتِهِ دائمًا ما كانوا قمعيّين… وإنهم استحقروا كلَّ شيءٍ سواهم.
فَأُؤَكِّدُ على أن فتح الله كُولَنْ لم يكن شكليًّا فَارغ المحتوى كغيره، بل إنه استطاعَ بما في يديه من أدوات أن يُنتِجَ قيمةً جديدةً، ورأى المعرفةَ مرحلةً وفعاليَّةً ذهنيَّةً وعقليَّة تستطيع إقامةَ بناءٍ، وليسَتْ مُجَرَّدَ كومةٍ حجريّة، وأنه شكَّلَ توليفةً إسلاميّة ثقافيّة في تركيا الحديثة” .
“نوّال سَوِينْدِي (Nevval Sevindi)” [عالِمَةُ الأنثروبولجيا]
الجهادوالتبليغ
هناك الكثير من المفاهيم الإسلامية الرئيسة يُفهَمُ اليومَ فهمًا خاطِئًا لِعِدَّةِ أسبابٍ منها:
ما تعرَّضَ له عبرَ التاريخ من تغييرٍ وتحوُّلٍ في المعنى.
وفهم المسلمين إياها فهمًا خاطئًا وبالتالي خَطَؤُهم في تمثيلِها وتجسيدِها.
وتفسيرُ الأوساط المناهضةِ للإسلام والمعادية له هذه المفاهيم تفسيرًا مختلِفًا، ولا سيّما ما فعله الـمُستشرِقون في القرون الأخيرة، وتقديمهم هذه المفاهيم خلافًا لحقيقتها.
وأحدُ أهمِّ هذه المفاهيم التي راحت ضحيَّةً لهذا النوع من الفهم الخاطِئِ هو: الجهاد.
وبأريحيّةٍ تامّةٍ يمكننا تسميةُ حركةِ وعملِ فتح الله كُولَنْ “جهادًا”، وقبل الانتقال إلى الحديث عن مفهوم الجهاد في الإسلام وفي علم المصطلحات الإسلامية نرى أنه من المفيدِ والنافعِ الوقوف بإيجاز على السبب الذي يجعل فتح الله كُولَنْ يضع كلمتي “الجهاد والتبليغ” في مقدِّمَةِ مفرداته.
أولًا: من الضروريِّ معرفةُ أن فتح الله كُولَنْ إنسانُ حركةٍ وعملٍ، تأتي شخصيَّتُه الدينيّة في المرتبة الأولى، فهو يَرى أن خِدمةَ بلاده والإنسانيَّة تكمنُ بالدرجة الأولى في استقرارِ القِيَمِ الدينيّة، كلٌّ في مكانه المناسب، وقيامِها بوظيفتها الحقيقيّة الخاصة بها في حياة الناس، وبالتالي فطبيعيّ للغاية أن يتحدَّثَ مستخدِمًا المفاهيم الدينيّة.
ثانيًا: لكل عِلْمٍ ومهنةٍ وعَمَلٍ مفاهيمُه ومصطلَحاته الخاصّة به؛ بحيث يستحيلُ فهمُ أيِّ عِلْمٍ دون معرفةِ مفاهيمِهِ أو بإحلال مفاهيم أخرى مكانها، وكما قد يتعذر فهمه فقد يُساء أو يحدثُ خطأٌ في فَهْمِهِ، هذا إلى جانب أن هناك مفاهيم مشتَرَكة بين أكثر من عِلْمٍ ومِهْنَة، إذ إنَّ الفهمَ الخاطِئَ يكون مؤكَّدًا ما لم يُعرف معنى تلك المفاهيم ومحتواها في كلِّ عِلْمٍ منها، ولذا فإن كان ينبغي فهمُ الإسلام بشكلٍ صحيحٍ فلا بُدَّ من تقديمِه بمفاهيمِهِ الخاصّة به، ومعرفةِ تلك المفاهيم بمعانيها ومحتوياتِها معرفةً جيِّدَةً، واستخدامِ كلٍّ منها في موضِعِهِ المناسبِ أيضًا، ومن ثَمَّ فإن اهتمامَ فتح الله كُولَنْ بالجهادِ والتبليغِ كحركةٍ وعملٍ، وجعلَهُ إيَّاهما في الصدارة؛ يُـمَثِّلُ ضرورةً أكثر من كونه أمرًا طبيعيًّا.
وعَقِبَ هذا التوضيح القصيرِ ننظُرُ إلى ما يعنيهِ الجهادُ، وكيف يُقيِّمُهُ فتحُ الله كُولَنْ؛ فيقول:
“الجهادُ: كلمةٌ مشتقَّةٌ من (جَهَـدَ)، وهي تعني بذل الوسع، أي بذلُ الإنسانِ كلَّ ما في وسعه وطاقتِهِ، وتحمُّلُهُ المشاقّ في سبيل الوصول إلى هدف معلوم” .
ويستمرُّ كُولَنْ في شرحِهِ فيما يتعلَّقُ بالجهادِ على النحو الآتي قائلًا:
“إنَّ مهمَّةَ النبوَّةِ أقدسُ وظيفةٍ عُهِدَ بها إلى أشخاص أخيار مصطفَين من بين الناس، أما وظيفتهم فهي التعريف بالله، وبالدِّين الذي تلقّوه منه سبحانه، فَهُمْ بهذا التبليغ يُعلّمون الإنسان الذي يبدأُ من نطفةٍ مستَقْذَرَةٍ وينتهي إلى جثَّةٍ نَتِنَةٍ قذِرةٍ؛ طُرُقَ البلوغِ إلى عالَمِ الخلودِ، إلى عالَم الأبدية والاستقرار في مواطن السعادة والرفعة الدائمة، وبذلك تطمئنُّ قلوبهم المحتاجة والمشتاقة إلى البقاء والأبدية؛ تطمئنُّ بالإيمان بالبقاء والدنوِّ إلى الأبدية.
إن الهدفَ المقدَّرَ في مهمَّةِ النبوَّةِ هو الإيمان بالله ومعرفتُه تعالى وإبلاغُ الإنسان طريقَ الخلود بتلك المعرفةِ والإيمان، وإيصاله إلى الله  بعد عبورِهِ من هذه الدنيا، وتبصِرَتُه جَلَوَاتِ البقاءِ والخلودِ في هذا العالَـم الفاني، وإشعاره بألوانِ الوجودِ في الفناء، حتى يبلغَ بأفكارِهِ مبلغَ الهالة المشعَّةِ بالأبدية ولا يرى نفسه إلا تحت ظلِّ قوسِ نصرِ الخلود العظيم، فالذين يُفَعِّلون هذه الماهيَّة المغروزة في فطرة الإنسان المرشَّحِ للخلود؛ إنّما هم الأنبياء والرسل الكرام  الذين تَقَلَّدوا وظيفةَ النبوَّة، لذا فالنبوة هي أقدسُ وأنزَهُ مهمَّةٍ عند الله، حتى إنه  وجّه الأنظارَ بعد ألوهيَّتِهِ جل جلاله إليها مباشرةً، هذا وإن أَسْمَى وظيفةٍ في هذه المهمَّة المقدَّسَة هي الجهاد” .
ويعتبر الجهادَ اسمَ وظيفة الأنبياء، ويُعرّف الهدفَ منه بقوله:
“إن الهدف المقدّر في مهمة النبوة هو الإيمانُ بالله ومعرفتُه تعالى وإبلاغُ الإنسانِ طريقَ الخلود بتلك المعرفة والإيمان” .
ويتناولُ الجهادَ في فِئَتَين هما: “الجهاد الأكبر” و”الجهاد الأصغر” مُنْطَلِقًا في ذلك من الحديث المشهور في هذا الباب ، وهذا التقسيمُ مهمٌّ لأقصى درجة من أجلِ فهمِ مفهومِ الجهاد ومحتواه.
والجهاد الأكبر كما عَرَّفَهُ رسول الله  هو: مجاهدةُ النفسِ والهوى؛ إنه تطهُّرُ الإنسانيَّةِ، وبلوغُها مرحلةَ الصفاء، وفوزُها بالسِّمَةِ المرجوَّةِ عند الله، أي أن يتخلَّصَ العقلُ من القناعات والآراء والأفكار الخاطئة والمعتقدات الباطلة، وأن يتطهَّرَ القلب من آثامه عبر أعمالِهِ الخاصَّةِ بِنَفْسِهِ مثل العبادَةِ والاستغفارِ والرياضة (قِلَّة الأكل والشرب والنوم)، وأن يتعلَّمَ الكتابَ والحكمةَ بِقَلْبٍ وعقليَّةٍ طاهرةٍ نقيَّةٍ، إلى جانبِ اكتساب غير ذلك من المعلومات الضروريّة .
إن انشغالَ الإنسان بنفسِهِ فحسب لَـهُوَ صنفٌ مِنَ صنوفِ الأنانيَّةِ؛ لأنَّ من جُملةِ واجباته أن يوجِّهَ الآخرين إلى ذلك الهدف السامي أيضًا، وأن يبذل ما في وسعه في هذا الموضوع بمالِهِ ونفسِهِ وهو “الجهاد الأصغر” أي إرشادُ الآخرين إلى طريق الجهاد الأكبر وتعريفُهم إياه، وصرفُ الجهد اللازم كي يتمكَّنوا من السير في هذا الطريق، وبهذا المعنى فإن المدرِّسَ الذي يُعلِّم تلميذَهُ الطرقَ المؤدّيَةَ إلى الإنسانية بما يحملُ من نيَّةٍ خالصةٍ لله، والذي يُنْشِئُ مدرسةً بهذا الهدفِ؛ كلٌّ منهما إنسانٌ مجاهدٌ، ومَنْ يستطيعُ الوفاءَ بهذين الشكلَين من الجهاد هو الإنسان الحقيقي الناضج، وقد خسر الذين لم يستطيعوا الوفاء بالجهاد الأكبر، واختزلوا رؤيتَهم للدِّين بمجموعة من القواعد الواجب شرحها للآخرين؛ فمن المستحيل أن يكونوا مخلصين في تصرُّفاتهم، ولا ناجحين كذلك، وفي المقابل فإن من يَنْشَغِلُ بنفسِهِ ويهتمُّ بها فحسب، و”لا يحبُّ للآخرين ما يحبُّهُ لِنَفْسِهِ”، وبالتالي لا يعمل لخيرهم؛ إنّما هو إنسانٌ أنانيٌّ؛ لا ينجح في جهاده الأكبر، وسيصدَأُ قلبُه مع مرور الزمان حتى يصير كمياهٍ راكِدَةٍ غطَّتْهَا الطحالبُ.
وثَـمَّةَ شكلٌ مهمٌّ من الجهاد الأصغرِ هو مواجَهَةُ العدوِّ الخارجيِّ في الجبهات عندما تقتضي الضرورة ذلك، وهو حقيقةٌ إنسانيَّةٌ، وإن الإسلام لم يغضّ الطرف عن لزوم الدخول في الحرب إذا اقتضت الظروف ذلك، إلا أنه حدَّدَ لها حدودًا، ووضعَ لها قواعد، ورَبَطَها بِـهدفٍ مقدَّسٍ، هذا الهدف هو إزالة العقبات التي بين الناس وبين الله، أي العقبات التي تقع بين الإنسان وبين ضميرِهِ الحرِّ وقلبِهِ واختيارِهِ الإراديِّ، وترسيخِ حرّيّة الاعتقاد، وفتحِ السُّبُّلِ المؤدِّيةِ إلى الله تعالى، بالإضافة إلى هذا فإن توفيرَ العدالة، والدفاعَ عن الوطن، وضمانَ الحقوق والحريات الإنسانية الأساسية وحِفظَ الكلّيّات الخمسِ الضروريّة من دِينٍ ونفسٍ وعِرضٍ وعقلٍ ومالٍ، وعدمَ السماح بالفساد في الأرض؛ كلّ هذا يدخلُ ضمن تلك الأهداف باعتبارِها من أبعاد ذلك الموضوع، وإلا فإن الحربَ تُصبِحُ عصيانًا وتمرُّدًا وفسادًا، والإسلامُ لا يرغب في الفساد ولا في الإفساد أبدًا.
التبليغ
وثمة مفهومٌ آخر يمكن أن يُطلقَ على حركة فتح الله كُولَنْ وعمَلِهِ هو التبليغ، وهذا مفهومٌ قرآنيٌّ تمامًا مثله مثل الجهاد، ويتمتَّعُ بمكانةٍ مهمَّةٍ في عِلم الاصطِلاح الإسلاميّ.
والتبليغُ من حيث اللفظُ مصدرٌ مشتقٌّ من الفِعْلِ “بَلَغَ” ويعني “الانتهاء إلى أقصى المقصد والهدف، مكانًا كان أو زمانًا، أو أمرًا من الأمور المقدّرة” ، أما من حيث المصطلح فيعني: إبلاغَ الناسِ بوحيِ الله  على النحوِ الذي يمكّنهم من فهمِهِ بشكلٍ ودرجةٍ أفضل، وإيصاله إليهم على النحو الذي يمكنهم إدراكه.
ويركّز فتح الله كُولَنْ على مفهوم التبيلغ تركيزًا بالغَ الحساسيّة، فالتبليغ -بالنسبة له- يعدلُ الجهاد في أحد جوانبه من حيث المعنى، وهو غاية وجود الأنبياء والمرسلين كلهم فقد عرّفونا “ماذا نحن؟ ومن أين جئنا وإلى أين نذهب ومَن هو مرشدنا في رحلتنا هذه”، فأجابوا بذلك على جميع الأسئلة التي شغلت الفلاسفةَ والمفكِّرين أجمعين، وعلَّمونا الغايةَ من الحياة، وحقيقةَ الموتِ، وأزالُوا بذلك كلَّ مخاوفنا المتعلّقة بهذا الأمر، فكان إبلاغُهم الناسَ تلك الرسائلَ المتعلقةَ بهذه الحقائق غايةَ وجودهم، وهو ما نسميه التبليغ .
وتشكل وظيفةُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (أي نشرُ الخيرِ والبِرِّ في المجتمع، وحثُّ الناس على فعلِهِ، والتصدِّي للشرور، والعملُ على إبعاد الناس عنها) بُعْدًا أو جانبًا مهمًّا من جوانب أو أبعاد التبليغ، إن أُهملت هذه الوظيفةُ المهمَّةُ لأقصى درجة بالنسبة لحياة الأفراد والمجتمعات؛ يتعرَّض الخير والبرّ والحَسَنُ للتَّلاشي والأُفولِ بينما تروجُ الشرور وتنتَشِرُ الآثام، ولا شكَّ أن للوفاء بهذه الطريقة أصولَـها ومبادِئَها الخاصَّة، فقد أُنْشِئَتْ مؤسَّسات بهذا الغرض عبر التاريخ مثل مؤسَّسَةِ الحِسْبَةِ لدى العثمانيّين، والنصيحة منهجٌ أو بُعدٌ مُهِمٌّ جدًّا من أجل الوفاء بهذه الوظيفة، حيث ورد في الحديث النبوي الشريف: “إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ”، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: “لِلهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، وَأَئِمَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَامَّتِهِمْ” ، أي كما أن الدِّين يستطيع حماية وصون بقائه في حياة الأفراد والمجتمع عبر النصح والنصيحة؛ فإن الأفرادَ والمجتمعَ أيضًا يحتاجون إلى النصيحةِ والتذكيرِ، ولا يمكنهم البقاء دون تفسُّخٍ إلا بهذا الشكل، وفي بقية الحديث يجري التأكيد على ضرورة أن لا تُستهدفَ ولا تُنشد أيَّةُ غاية ولا مصلحةٍ من وراء النصيحة سوى رضا الله ورسوله، وإبلاغِ الناس عبرها بالله والرسول وتحبيبهم فيهما، بالإضافة إلى إمكانية نُصحِ الجميع بمن فيهم الإداريّون والمسؤولون، بل ولا بدَّ من فِعْلِ ذلك.
الهجرة
يتحدَّثُ القرآنُ الكريمُ في كثيرٍ من آياتهِ عن منظومةِ حركةٍ وعملٍ قِوامُها الإيمان والهجرة والجهاد، ويمتدحُ مَنْ حياتُهم عبارةٌ عن هذا في العديد منها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/218).
وقال أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/74).
وقالَ جلَّ شَأْنُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (سورة التَّوْبِةِ: 9/20).
وهؤلاء هم المؤمنون رفيعو الدرجات، كما أنهم هم من يستطيع أن يرجو رحمة الله تعالى ويأمَلَها.
إن الإيمانَ والهجرةَ والجهادَ أمورٌ مهمّةٌ جِدًّا في حياةِ كلِّ مَن ينشد الغايات المثلى، فقد وجَّهَتْ منظومة الحركة والعمل ذات المقومات الثلاثة هذه حياةَ الإنسانية وتاريخَها أيضًا، ولذا فإن فتحَ الله كُولَنْ يتناولُ الهجرةَ كما يتناول الجهاد والإيمان بأوسع معانيه، بل الأصحُّ أنه يتناوله في إطار المصطلح بكل جوانبه، فهو يرى أن الإنسان مهاجرٌ دائمٌ، أي إنه في هجرةٍ مستمرَّةٍ، تمتدُّ هذه الهجرة إلى ما أبعد من ذلك؛ إذ تمتدُّ في حياة كلِّ فردٍ من عالم الأرواح إلى رَحِمِ الأمِّ، ومنها إلى الطفولة، ومنها إلى الشباب والنضج فالهرم والموت، ومنه إلى الخلود في الآخرة.
وكما أن الشمس مخلوقة لِتُنِيرَ وتبعثَ الدفءَ في الجوّ، ولا يمكن التساؤلُ: “لماذا تُنير، ولماذا تنشرُ النورَ؟”، والأكثر من ذلك، أن انتظار الإضاءَةِ منها ونشرَها النورَ في الكونِ أمرٌ طبيعيٌّ تمامًا مِثلَ أن يجري الإنسانُ المخلوقُ في “أحسنِ تقويم” إِثْرَ مثاليّةٍ (فكرة سامية)، وأن يقدحَ زِنادَ عقلِهِ بهذا القصد، ويؤمنَ قلبُه بها، بل وأن ينقل الإنسانُ المؤمنُ إلى الآخرين كلًّا من الإيمانِ والعلمِ؛ فالأوَّلُ يُضيءُ القلوبَ مثلَ الشمس، والثاني يُــنــوِّرُ العقولَ؛ “فالعِلمُ نورٌ والجهلُ ظلام”، والأمر كذلك بالنسبة لمن يَسْتَخْدِمُ إرادَتَهُ في الطريقِ الصحيح، ولا يطمس فِطْرَتَهُ بالتصرُّفات المنافية للفطرة أساسًا، ولا يذهب ضحيَّةً للأحكام المسبقة الخاطئة، ويستطيع الحفاظ على جوهره الإنساني.
وهكذا الأمر بالنسبة لِفتح الله كُولَنْ، فالهجرةُ اللازمةُ لكلِّ فردٍ تبدأُ عند هذه النقطة:
“والحقيقةُ أنه يمكن الحديثُ عن هجرةٍ قلبيَّةٍ وروحيَّةٍ في الأدوار المتعدِّدَةِ لهذه المرحلة؛ هجرةٍ تحدُثُ عند تحوُّلِ الإنسان من وضعِهِ السابقِ إلى الوضع المطلوبِ، ومن وضعه الهامد المتَّسِمِ باللامبالاة إلى الحركةِ والنشاطِ والنظامِ، ومن وَضْعِهِ الجامدِ المتفسِّخِ إلى تجديدِ النفسِ وإصلاحِها، والارتفاعِ من مستَنْقَعِ الآثام الخانِقِ إلى حياةِ القلبِ والروحِ… هناك معنى ما للهجرة في جميع هذه الأدوار، ومَن كانَ في أطوارِها فهو في هِجرةٍ دائمة” .
وبالتالي فإن حياةَ الإنسان ما هي إلا حركةٌ وعملٌ وهِجرةٌ من أوَّلِـها إلى آخرها، وانتفاءُ هذه الهِجْرَةِ يعني تجمدَ الإنسانِ وتَطَحْلُبَه، وفَقْدَ جوهرِهِ الأصليِّ، وعدمَ الوفاء بمكانَتِهِ ووضعِهِ الاستثنائيِّ المميَّزِ بين الكائنات.
في حين أن إنسانيَّةَ الفَردِ الحقَّة تكمُنُ في أن يَـحْـيَا حياةً تليق بِشَرَفِهِ وذاته، ولا يُمكن أن يتحقَّقَ له هذا إلا بالهِجْرَةِ، ومَن يعيشون هذه الهجرةَ بصورةٍ دائمةٍ في أنفسهم يُـحرّكون ويؤثِّرون إيجابًا على الواقفين مِنْ حولهم أيضًا؛ مثلما يؤثِّرُ جسمٌ متحرِّكٌ على ما حوله في الغالب، ولهذا السبَبِ فإن تلك المعالِـم تبدو وكأنَّها نقاط مُشْتَرَكَةٌ في حياتهم: الإيمان والعشق أوَّلًا، ثم مواجهةُ الأخطاءِ والانحرافاتِ التي تحاصِرُ الحشودَ والجموعَ، ثم الارتحالُ بحثًا عن قلوب عارفة أخرى، تُضَحِّي إن لَزِمَ الأمرُ بكلِّ شيءٍ في سبيل سعادَةِ الإنسانيَّةِ وهناءَتها…
ويقول فتح الله كُولَنْ:
“يعزو علماء الاجتماع تأسيسَ معظمِ المدنيَّات إلى البَدْو الرُّحَّل، وبحثَ المؤرِّخُ المعروف “أرنولد توينبي (Toynbee)” وكتبَ عن سبعٍ وعشرين مدنيةً وَضَعَتْهَا وأسَّسَتْها البَدْو الرُّحَّل، وهذا يُشيرُ إلى أن الأقوامَ المتنقلةَ المهاجرةَ هي التي أسَّسَت حكمَها وسيطَرَتَها في التاريخ الإنساني طوال جميع العصور” .
ويرى أن ثَـمَّةَ أساسَين أو حركةً وعملًا مُهِمَّين جدًّا في كلِّ طريقٍ يؤدِّي من الموت إلى البَعْثِ، ومن الجمود إلى الحَرَكَةِ والحياة، أحدهما: الجهاد بنوعَيه: الأكبر والأصغر، والآخر: الهجرة، وأيًّا كانت العلاقةُ بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر؛ فهي عينُها بين الهجرةِ التي تتحقَّقُ ويجب أن تدوم مدى الحياة في الروح والعقل والتصرُّفات في إطار الفرد؛ والهجرةِ التي تتحقَّقُ عبرَ الانتقالِ من مكانٍ إلى آخرَ في الإطار المادِّيِّ المكاني، والإنسانُ الذي يُنْشِئُ نفسَهُ بِهِجْرَتِهِ الداخليَّة لا شكَّ أنه سيتخلَّصُ مِنْ تعليقات وتقييمات بيئَتِهِ الأولى الخاصَّةِ بشأنِ هِجْرَتِهِ الخارجية:
“بينما يكتسبُ بالهجرةِ محيطًا جديدًا يكونُ فيه موضع التقدير والاحترام لأفكاره النيرة وتضحياته الكبيرة، كما أنَّ كلَّ فردٍ هاجرَ من أَجْلِ مبدإٍ سـامٍ يشعرُ في كلِّ لحظةٍ من لَـحَظَاتِ حياته بهاجسِ سَبَبِ هِجْرَتِهِ، ويُحِسُّ بِحَجْمِ مسؤوليَّةِ هذه الهِجْرَةِ، فَيُنَظِّمُ حياتَهُ كلّها على ضوئها” .

المبادِئُ الأساسية في حركةِ وعمل فتح الله كُولَنْ
يقفُ فتحُ الله كُولَنْ على مجموعة من المبادئِ الأساسية المهمَّةِ في مجالِ التعليمِ والحوارِ والتسامحِ، والتعليمِ القلبيِّ والعقليِّ على حَدٍّ سواء، ويُمكِنُنَا إيجازُها على النحوِ التالي تحتَ عناوين مُـحدَّدةٍ:
أ. استهدافُرِضااللهفحسب: الإخلاص
يرى فتح الله كُولَنْ أنه يجب على الإنسانِ أن يستهْدِفَ رضا الله تعالى في كلِّ عملٍ يقومُ به؛ يعني أن يفعل كلَّ ما يفعلُ طلبًا لرضا الله ليسَ إلا، وعليه ألا ينتَظِرَ من ورائِهِ ولو حتى أصغر نفعٍ ومصلحةٍ دنيويّة؛ كأن يَشتَهِرَ ويُعرفَ ويُصْبِحَ مدارًا لحديث الناس، وهذا هو الإخلاص، فإن لم يكن ثَـمَّـةَ إخلاصٌ في العمل، ولا سيما فيما يُنجَزُ في سبيل الدِّين من أعمال، أي إنه ما لم يكن رضا الله تعالى فحسبُ هو المطلوب في هذا العملِ استحالَ الوصولُ إلى الغاية المنتَظَرَةِ، بل إن نجاحَ الإنسان فيه لن يُكسِبَهُ أيّ شيءٍ أخرويّ .
“إذ ينبغي اليوم للمؤمنين العازمين والناوين الاقتداء بهم في كل شؤونهم ألا يُعكّروا صفاء أفكارهم بخواطر فضوليّة لا تعنيهم كهذه، وعليهم أن يضاعفوا هممهم في خدمة القرآن والإيمان، وأن يستخدموا كل طاقاتهم لنيل رضا الله، وأن ينسجوا نسيجهم حوله؛ والحقيقة أنّ الخواطر الأخرى تعني -معاذ الله- مساومة الخالق ، أي كلُّ خاطرة مثل: “إذا عملت كذا فسأعيش حياةً هكذا وهكذا، أو لا بد أن تكون…” أمورٌ غير لائقة، وهي خلافُ وعي العبودية لله مطلقًا، ومن يلج دوائر فاسدة كهذه يتعذّر عليه الخلاص منها. ” .
ب. إنجازالعملوتركأمرالنتيجةإلىالله
أوَّلًا: يُركِّزُ فتح الله كُولَنْ تركيزًا شديدًا على أن ما يقعُ على عاتِقِ الإنسان هو أن ينجزَ بِـــنِــيَّــةٍ خالصةٍ تمامًا ما يجب عليه إنجازُه، ثمَّ يتركَ النتيجة لله تعالى، ووفقًا له كذلك فإنه يلزم ألا تُخالط الأهواءُ والرغباتُ الشخصيَّةُ تلك الأعمالَ، وأيًّا كان الواجب عمله فلا بدَّ من عمَلِهِ كما هو مطلوب، فلو خلطَ الإنسانُ نزواتِهِ ورغباتِهِ الشخصيّةَ بالعمل فقد يُخطِئُ ويُفْسِدُ طهارةَ وصفاءَ نيَّتِهِ، ومن ثمَّ يَحْدُثُ كابوس نتيجةً لذلك.
ثانيًا: ليس بمقدور الإنسان هدايةُ الآخرين وتغييرُ أنماطِ تفكيرِهم وسلوكيَّاتهم ومعتقداتهم ومعيشتهم؛ فالقلوبُ بِيَدِ الله تعالى، هو الهادي، أي هو الذي يوجِّهُ الناس إلى الحقِّ والصواب، إلا أن ثَـمَّةَ واجبًا ينبغي للإنسان القيام به هنا؛ ألا وهو سلوكُ كلِّ طريقٍ مشروعٍ من أجل تبليغِ وإيصال الرسالة الحقَّةِ إلى الجميع، وما بعد ذلك فهو بِيَدِ الله تعالى، وهو ما قرَّره القرآنُ الكريمُ وهو يُخاطِبُ نبيّنا ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة القَصَصِ: 28/56).
“أجل، على الإنسانِ أن يفعلَ ما يقعُ على عاتِقِهِ، وألا يتدخَّلَ في أمرِ الله تعالى” .
ج. تحديدُالغايةِوالوسيلةِ
ويُبيِّنُ فتح الله كُولَنْ أنه من الضروري أوَّلًا تحديدُ الهدف والغاية تحديدًا جيِّدًا في كلِّ عملٍ وحملةٍ، وكما سبق ذكرُهُ آنفًا فإنه لا بدَّ وأن يكون هدف كلِّ إنسان هو الخالق العظيم ورضاه أوَّلًا وآخرًا، فإنَّ ذرَّةً من الأعمال المبذولَةِ في سبيل رضا الحقِّ تعالى تساوي الشمس، وقطرةً منها تساوي المحيط، ولحظةً منها تساوي الدهر، وقيمةُ الوسائلِ والوسائِطِ تتحدَّدُ بِقَدْرِ توصيلِها إلى المقصد وسلامتِها في التوصيل إليه.
إن الإسلام لا يُجيزُ أيَّ طريقٍ يُؤَدِّي إلى الغاية؛ إذ لا بُدَّ وأن يكون الطريقُ المؤدِّي إلى الغاية مشروعًا؛ تمامًا مثلما ينبغي أن تكون الغايةُ ذاتها مشروعةً، ذلك أن الطريق غير المشروع يَحيدُ بالإنسان إلى خلاف هدفِهِ، وبالتالي فالمسلمُ لا يستطيع أن يسلكَ كلَّ طريقٍ بذريعةِ احتمالِ الوصول إلى الهدف، إذ المهمُّ هو إنجاز ما يجب إنجازُه بالشكل اللازم، وفي إطارٍ مشروعٍ، والأكثر من كَونِ الوسيلة مشروعة هو أن تتَّسِمَ بِسِمَةِ تطويرِ احترام الحقِّ وفِكْرَةِ الحقيقة، علاوةً على أن غيرَ ذلك قد يؤدِّي إلى نسيان الغاية، والغرقِ في خضمِّ الوسائطِ المؤدّية إليها، ومن ثم يجعلُها الغايةَ والهدفَ؛ وهذا خطرٌ عظيمٌ في الحركة والسير، والمعابدُ والبيوت والمدارس التي نُسِي هدفها والغايةُ من إنشائِها تظلُّ تُضِرُّ بنفسِها في خطٍّ معاكِسٍ تمامًا لِأهدافِها وغاياتِها؛ مَثَلُها كَمَثَلِ إنسانٍ نَسِيَ الغايةَ من خَلْقِهِ.
وثَـمَّةَ نقطةٌ أخرى ركّز عليها كُولَنْ تركيزًا شديدًا هي أنَّ الإنسانَ يلزمُهُ ألا يحتكرَ الفكرَ، وألا يختزِلَ الصوابَ عنده وعند من يحمل ذاتَ أفكارِه فحسب، بل عليه أن يعترف بحقِّ الأفكار الأخرى في الحياة، وأن يأخذَها بعين الاعتبار والدرس، سيما أن مشاعر الحقد والبغض تجاهَ من يتقاسَمون اعتقادًا وشعورًا وفكرًا واحدًا تعني الحرمان من الهدف والغاية، ومن يظنّون الكونَ يدورُ وفقًا لهندسة فَلَكِهِم الخربة ليسوا شيئًا غير عبيدٍ للنَّفْس لا يرضونَ بالتحرُّرِ من عبوديّتها.
د. الحركةالإيجابيةوالمساهمةالفعّالة
إن فتح الله كُولَنْ يُعارض بشدة الحركةَ القائمة على ردة الفِعل، فهو يرى أن مثلَ هذه الحركات تتسبَّبُ في التحرُّكِ بِكُرْهِ الآخر وبُغْضِه، والعيشِ بغضًا وحقدًا له؛ فتصبح كلُّ واحدةٍ من هذه الحركات حركةَ الساخطين، ولا تُخلِّف وراءَها سوى الحسرةِ والفراقِ والخرابِ، ويُحَذِّرُ كُولَنْ قائلًا:
“يُشتَرَطُ لإنجاز ما يمكنُ إنجازُه من أجلِ حاضرِ الأمَّةِ ومستقبلِها ألّا يكون ذلك لِـحِسابِ التخريبِ وألا يُلحَقَ الضررُ بِوَحْدَةِ البلد وانسجامِها، أي إنه ينبغي عند الهمِّ “بالبناء” النأيُ عن الدخول في “تدميرات” يستحيلُ إعمارُها على مدى أجيال، وإلا فإننا نُعاقَبُ بخلاف هدفِنا، ونتعرّض لِلَعْنَةِ وبُغْضِ الأجيال القادمة، إلى جانبِ فقداننا كثيرًا من المعاني الأخروية”.
إن الحركة والعملَ وليس ردّة الفعل، وبتعبير آخر: إنّ القيامَ بما يجب القيام به، والانشغالَ بإنشاء وتعمير ما يجب إنشاؤه وتعميره، وعدمَ محاولة التخريب إطلاقًا؛ كلّ هذا يُطلَقُ عليه اسم “الحركة الإيجابية”، وهذا الأساسُ واحدٌ من أهمِّ سِمَات حركةِ وعملِ فتح الله كُولَنْ، فهو يقرأُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الْمَائِدَةِ: 5/105) مذكِّرًا بالتصرُّفِ الإيجابيِّ، ويقول:
“ليس المهمّ وليسَ ما يجبُ فعلُهُ هو سبَّ الظلامِ ولعنَهُ، وإنما المهمُّ إشعالُ شمعةٍ تقشَعُ الظلامَ وترفعه”.
هـ. الوعيُالجمعيُّوالشورى
تتمتَّع الشورى والوعي الجمعيّ -وفقًا لِرَأْيِ فتح الله كُولَنْ- بأهـمّـيّة لا غِنى عنها بالنسبة لأيَّةِ حركةٍ إيجابيّة، فهو يرى أن الوعيَ الجمعيَّ هو العقلُ والفِكرُ المشتَرَكُ بين الأشخاص المثاليّين الذين يُفَكِّرون في مصلحة المجتمع؛ فَيُقَدِّمونها على مصالِحِهم الشخصيَّة، متلاحمين مع حاضر المجتمع وغَدِهِ مندمجين معه، سائرينَ على الأمل والوفاء والإخلاص والصدق، مختارين الفناءَ والتواضعَ والمحويّة بدلًا من الشهرةِ، مُؤْثِرِينَ الآخرينَ على أنفسِهم، معتبرينَ التفكيرَ في ذلك أمرًا أساسيًّا بالنسبة لهم، وهذا الفكرُ والعقلُ مع اعتمادِهِ على الله تعالى في كلِّ أمره؛ فهو لا يُخطئُ التدبيرَ في كلِّ عملٍ يُباشِرُهُ، فيأخذ بكلِّ الأسباب اللازمة، حسَّاسٌ لأقصى درجةٍ في مواجهةِ ما يحدث من حولِهِ، لا يتصرَّفُ بمشاعِرِهِ لا في الأعمال الدنيوية ولا الأخرويّة، يَزِنُ كلَّ حملاته وحركاته بميزان رضا الله تعالى، لا يتناقض ولا يتضادّ مع الأشياء والحوادث، يتحرَّكُ حركةً تُوافق القوانين الإلهيّة التي هي موضوع العلوم المتعلّقة بالحياة والكون .
ويرى فتحُ الله كُولَنْ الشورى “وصفًا حيويًّا، وقاعدةً أساسيّةً”، وأنها الشرطُ الأوَّلُ لصحّة وسلامة أيّ شأنٍ أو قرار، ويقول:
“تأكَّدَ وتبيّنَ أن ما اتُّخِذَ من قراراتٍ تتعلَّقُ بالفرد والمجتمع دون تروٍّ في التفكير، ودون استماعٍ لآراء الآخرين وانتقاداتهم انتهى في كثير من المرّات بخسرانٍ ونتائجَ وخيمة”.
فيرى أن الفردَ المنغلِقَ على أفكاره الشخصية، الذي لا يحترم آراء غيره يتعرضُ لمزيد من الأخطاء والكبوات -وإن كان سليمَ الفِطرةِ ساميها، راجح العقل والفكر، بل حتى وإن كان داهيةً- أكثر من أي إنسان عاديٍّ بسيطٍ يأخذُ بمبدإِ الشورى في كلِّ آرائه، ويدافع عن الشورى قائلًا:
“الإنسان الأعقلُ هو الأعظم اعتدادًا والتزامًا بالمشورة، واستفادة من أفكار الآخرين” .
ويذهب كُولَنْ إلى ما هو أبعد من ذلك فيقول:
“ولا ينجو الـذي يكتفي في عملِهِ وبرامجِهِ بأفكارِهِ، أو يسعى لفرضِها على غيره؛ من فقدان قدرةٍ حركيَّةٍ مهمَّةٍ، وَزِدْ على ذلك نفورًا وكرهًا واستثقالًا يلقاه ممّن حوله لا محالة، فالمشورةُ هي الشرطُ الأوَّلُ لاستحصال المرءِ خيرَ حاصلٍ من كلِّ عملٍ يعمله، كذلك هي الوسيلة المهمَّة لاسـتمداد قدرةٍ تزيد على قدرتِهِ وطاقتِهِ أضعافًا مضاعفةً، فينبغي إجراءُ أوسع استشارةٍ وتحرٍّ قبلَ مباشرةِ أيِّ عملٍ من الأعمال، والجدُّ في الأخذ بالأسـباب والتدابير، حتى نتجنَّبَ الوقوعَ في تصرُّفات مُضِرَّة تُضاعِفُ المصيبةَ في النتيجة، مثل تَجْرِيحِ القدَرِ أو اتِّهامِ الوسطِ القريب” .
إن فتح الله كُولَنْ إذ يُؤَكِّدُ على الشورى دائمًا يقفُ ويركِّزُ بحساسيّةٍ شديدةٍ على أن هذا العصرَ هو عصرُ الوعي الجمعيِّ ولا يُمكنُ الوصولُ إليه إلا بإبداءِ كلِّ ذي رأيٍ رأيَهُ وبإفصاحِهِ عن فِكرَتِه، ويؤمن بأنه يمكن عَبرَ ذلك فحسبُ تحقيقُ وتطبيقُ الأفكار والنيات التي تبنّاها الجميع والْتَفُّوا حولَـها واستقرَّتْ في القلوبِ والأذهانِ، ويستشير مَنْ حولَهُ ومَنْ يَثِقُ في علمه من الأشخاص حتى في المسائل المتعلِّقة به شخصيًّا، ولذلك يستطيع كلُّ صاحبِ رأيٍ أو فكرةٍ أن يُصرّح برأيه أمامه، ناهيكم عن أن فكرةَ التسلسلِ الهرميّ، ومظنَّةَ أن أفرادًا أسمى من غيرهم، وحسّ السبقِ والتفوُّق، مِنْ أكثر الأمور التي تُزعِجُ فتحَ الله كُولَنْ.
و. الصدقوالأمانة
يقول فتح الله كُولَنْ:
“إن الصِّدْقَ محورُ النبوَّة” .
فهي تدورُ في فَلَكِ الصِّدْقِ، وكما لم يتفوَّه الأنبياء ولو بِكَلِمَةٍ واحدةٍ منافيةٍ للحقيقة؛ فليس في قاموسهم أيُّ شيءٍ من التصرُّفات والطِّباعِ المبْتَذَلَةِ، أو من قَبِيلِ الخداع والتغرير، ولذلك فإنَّ الصِّدْقَ ومجالسةَ الصادقين من أهمِّ وآصَلِ أُسُسِ الحركة والعمل.
وأداءُ الأمانةِ أيضًا خصلةٌ إسلاميّة وإنسانيّةٌ، ومبدأٌ أساسٌ من مبادئِ الحركة والعمل، وهيَ والصِّدقُ على حدٍّ سواء، فالمؤمنُ هو مَن يبعَثُ الأمن ويبثُّ الأمان، ويُقدِّمُ القرآن الكريم الأنبياءَ على أن كلَّ واحد منهم أمينٌ، ويذكر أن صفتهم الأولى هي كونهم أمناء، قال الله تعالى في عدّة مواضِع على لسان أنبيائه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/107، 125، 143، 162، 178؛ سورة الدُّخَانِ: 44/18)، ومن هنا فإنّ المؤمن مصدر ثقةٍ تامّة، فهو لا يُسيءُ ولا يؤذي أحَدًا، ولا يغتابُ ولا يَنِمُّ، ولا يطمع في مال أحدٍ ولا عرضه ولا شرفه، والأمانة من أهم صفات جبريل  أيضًا، قال تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (سورة التَّكْويرِ: 81/21)، والمُطاعُ الأمين هنا هو جبريل  الذي نزلَ بالقرآن على سيدنا رسول الله ، وإن حركةً وعملًا حقيقيًّا لا بُدَّ وأن يُبنى على الأمانة، وألَّا يكونَ فيه مكان لأيِّ خِداعٍ وكذبٍ، بل وباختصار لأصغرِ كلمةٍ وتصرُّفٍ يسيىءُ استعمال الأمانة .
ز. الفطنة
كما أنَّ الفِطْنَةَ من أهمِّ صِفاتِ النبوَّةِ فهيَ واحدةٌ من جملةِ صفاتٍ لا غِنى عنها بالنسبة لأيَّةِ حَرَكَةٍ وعمل، وتعني التحررَ من العقل والمنطق الـمُتَحَجِّرِ، والتغلُّبَ عليهما بِعَقْلٍ وفِكْرٍ يعتمدُ على الوحي باستخدام العقل في ضوئه، وتتَّحِدُ مع هذا الفكر والمنطق كلٌّ من الروح والقلبِ والحِسِّ وجميع الملكات الذهنيّة من منطقٍ ومحاكمةٍ عقليّةٍ وتفكُّرٍ وفكرٍ وغيرها، والحكمةُ أهم بُعدٍ من أبعاد العقل، والأصحُّ أن الحكمةَ -أي إدراكَ أسباب الأشياء والهدف والغايةَ منها، والقدرةَ على التفكيرِ السليمِ واتِّخاذ القرار السليم في كلِّ موقفٍ- هي تَوأَمُ هذا العقلِ أو هيَ وهو اسمان لِمُسَمًّى واحد.
أجل، لما كانت الفطنةُ لا تعني المنطقَ والعقلَ المتحجِّرَ الجافّ كان الزعمُ بأنَّ “الإسلام دينُ العقل” وأنّه يختزل الإسلام ويحبِسُهُ في الفكر والمنطقِ المتحجِّرِ مُجَرَّدَ ادِّعاءٍ ليس إلا، فالإسلامُ يعتمد بالدرجة الأولى على الوحي، غير أنه يخاطبُ العقلَ فيحمِلُه على قبولِه والرضا به، وليس في الإسلام أيَّةُ قاعدةٍ ولا حكم على الإطلاق يُعارِضُ هذا العقل، إلا أن هذا لا يعني أن كلَّ عقلٍ يستطيع أن يَصِلَ إلى الفهمِ التامِّ والحُكم السليم، فالإسلامُ هو الذي يوجِّهُ العقلَ بالدَّرَجَةِ الأولى، ويُرْشِدُهُ، وينيرُ له الطريق، فيحوِّلُه إلى قُوَّةٍ حركيَّةٍ (دينامية) في إطارٍ من التكامل مع القلب والحسِّ والمَلَكَاتِ الذهنيَّةِ جميعها، وهكذا فإن العقل الذي انصَهَرَ في هذه البوتقة يستطيع -دون غيرِهِ- أن يفهمَ الإسلامَ حقَّ الفهم، ويستحيل أن يجدَ فيه أيّة ثغرةٍ أو مناطَ اعتِراضٍ مطلَقًا، وهذا العقل هو الذي يستطيع تقييمَ الأشياء والحوادث في فلكها الحقيقي، ويستنبط ما فيها من معانٍ، ويطالع الكون ورسالتَهُ الحقَّةَ، ومن ثمَّ فإن هذا العقلَ الذي أسميناه “الفطنة” والذي يُمَثِّلُ صفةً من أهمِّ صفات الأنبياء واحدٌ من أهمِّ أُسُسِ الحركة والعمل .
ح. التوبةُواجتنابُالآثامِ
يتحدَّثُ فتحُ الله كُولَنْ في العديد من لقاءاته وكتاباته عن الذنبِ والتوبة، بل وعمَّا هو فوق ذلك: “الإنابة” و”الأوبة”:
“فالتوبةُ التي سنتعرف عليها مع شروح بسيطة هي: التوجّه إلى الله تعالى بلمّ الشعث مجددًا، مع الاعتراف بالأخطاء، وتجرّع غصص الندم، والعزم على تلافي ما فات، هذه التوبة لدى أهل الحقيقة هي معاودة بذل الجهد لبلوغ الموافقات والمطابقات في ضوء أوامر الله ونواهيه ، نجاةً من مخالفات وقعت تجاه الذات الإلهية؛ في الشعور والتفكير والتصوّر وفي السلوك، وليست التوبة ترك ما يعافه الوجدان والشعور بالتقزّز منه فحسب، بل هي الرجوع إلى الله سبحانه عمّا لا يحبه ولا يرضاه تعالى حتى لو كان ذلك الشيء جميلًا ونافعًا بظاهر العقل.
والتوبة التي هي تجديد الإنسان لنفسه باستمرار، أو رجوعه إلى صفائه الأصلي وانسجامه مع فطرته الذاتية، بعد تعرّضه لتشوهات طبْعية وداخلية، تحتوي كل مرتبة من مراتبها على أمثال الأمور الآتية:
1- الندم من أعماق القلب.
2- تذكّر الأخطاء السابقة بارتعاش ورِعدة.
3- إزالة المظالم ونصرة الحق.
4- إيفاء الواجبات والتكاليف الفائتة حقَّها وإمعان النظر مجدّدًا في المسؤوليات.
5- ملء الخواء الذي أحدثته الأخطاء والزلّات في الروح، بالعبادة والطاعات واغتنام التضرعات في جوف الليالي.
إن أول منـزل للسالك وأول مقام للطالب هو “التوبة”، أما مقامه الثاني فهو “الإنابة”، ونمر مرّ الكرام على الإنابة الشائعة بين الصوفية وهي الأصول والآداب والأعراف المتبعة في مراسيم الانتساب إلى أي مرشد، فنقول:
مثلما أن في التوبة توجيهًا للشعور والفكر والسلوك من المخالفات إلى الموافقات ومن المعارضات إلى المطابقات، ففي الإنابة محاسبةٌ وتفقّد لمطابقات الفرد وموافقاته الموجودة، فلئن كانت التوبة سياحة في أفق “السير إلى الله” فالإنابة هي “السير في الله” و”الأَوْبَة” معراج في رحاب “السير من الله”.
ويمكن أن نعرّف أيضًا هذه التوجهات الثلاثة بالآتي:
إن الالتجاء إلى الله خوفَ العقوبة هو التوبة، والفناء في الله برغبة الحفاظ على المقامات والدرجات هو الإنابة، والانغلاق تجاه كل ما سواه تعالى هو الأوبة.
فالأول: صفة جميع المؤمنين، وشعارهم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (سورة النور: 24/31) من جميع الزلاّت والخطيئات.
والثاني: صفة الأولياء والمقرّبين، وإقامة عبادتهم من حيث المبدأ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (سورة الزمر: 39/54) ومن حيث المنتهى ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (سورة ق: 50/33).
والثالث: خاصية الأنبياء والمرسلين، وشعارهم ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (سورة ص: 38/44) فهذا تقدير وتكرمة إلهية، فلا توبة لمن هم في معية الله في كل وقت حيثما كانوا وكيفما كانوا غير فاقدين للشعور بالحضور الإلهي ولو للحظة، لذا فكلماتهم المعبّرة عن التوبة تفيد معنى “الأوبة” أو “الإنابة”، فلا يمكن فهم قول سيد الأنام : “وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً” إلّا على هذه الصورة.
نعم، التوبة لمن لا يعرف “القرب” و”المعية”، لأن الذين يديمون حياتهم في آفاق القرب، يعدّون الرجوع إلى الله المهيمن على جميع تصرفاتهم والرقيب على كل ما يعملونه والأقرب إليهم من كل شيء، يرونه -بمعناه لدى العوام- غفلة، فهذه المرتبة ليست مرتبة أهل وحدة الوجود بل أهل وحدة الشهود، بل هي مرتبة أعلى منهما وأرفع، فهي مرتبة السائرين في ظل مشكاة محمد وسنة أحمد عليه أكمل التحايا وأتم الصلوات” .
ويقول فتح الله كُولَنْ عن الذنب:
“الذنب انهيارٌ داخليٌّ، وتعارُضٌ وتناقضٌ مع الفطرة السليمة، إنه بصقَةٌ وسُبّةٌ في وجه الإرادة، وزقُّومٌ أُشرِبَتْهُ الروح، الذنبُ عاصفةٌ تُخمِدُ تمامًا المشاعرَ السامية والاستعدادَ الموهوبَ للإنسان، إنه دخانٌ سامٌّ يلفُّ الحياةَ القلبيَّةَ تمامًا”.
ويحذِّرُ منه قائلًا:
“من يقترف الذنبَ مسكينٌ وتعيسٌ أسلمَ نفسَهُ لِعذابِ الضميرِ والأزماتِ القلبيَّة، وجميعَ ملكاته واستعدادته الروحية إلى الشيطان، فإنْ داوَمَ على ارتكاب الذنب فقد غَرِقَ تمامًا؛ ولن يتبقَّى لديه إرادةٌ ولا مقاومة ولا طاقةٌ لتجديد نفسه” .
ويُبَيِّنُ فتحُ الله كُولَنْ أن الذنوبَ قد تقطعُ على الإنسان طريقَه في كلِّ خطوةٍ يخطوها في رحلة الخلودِ مثل أفعى الكوبرا، فكما أنّ لدغةَ الأفعى سامّةٌ مادّيًّا فكذلك لدغةُ الذنبِ سامّة معنويًّا، ولذا سمّى النبيُّ بعضَ الذنوب بالسبعِ الموبقات؛ أي المهلِكات: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ  قَالَ: “اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا هُنَّ؟ قَالَ : “الشِّرْكُ بالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ” .
ويذكر كُولَنْ من بين الذنوب الخطيرة تعريضَ الوطن إلى الخطر بالميل به يمينًا ويسارًا، وإبعادَ أيَّةِ أمَّةٍ مسلمةٍ عن جوهرِها الحقيقيّ، وهدمَ محرابِها بالأفكار الأجنبيّة، وتغييرَ مكانِ منبرِها، وجعلَ الأجيالِ مجرَّدَ حشودٍ بلا هدف ولا غايةٍ مثلى محرومةً من الاستقامة والاعتقاد والفكر وميزان الحق، والاعتداءَ على روح الأمَّةِ وأجيالها ودينِها ومالها، ثم إقامةَ المشانق بهدف معاقبة لهؤلاء؛ كلُّ ما سبقَ يندرِجُ ضمن الذنوب التي لن يغفرَها الحقُّ تعالى ولا التاريخُ، ثم يُضيفُ إلى ذلك تحذيرًا آخر قائلًا:
“ثـمَّةَ ذنبٌ أعظم من هذه جميعها؛ ألا وهو ألا يعترفَ هؤلاء الـمُجرِمون الكبار الذين حَرَقُوا الدنيا وأغرقوها بأنَّ ما ارتكبُوه إنّما هو ذنبٌ وجرمٌ. أجل، إن كان ثَـمّةَ ذنبٌ لا يغفره الله تعالى، ولا يصفحُ عنه التاريخ فهو: عدم اعتبار الذنب ذنبًا، وعدمُ التأذِّي من ارتكاب الذنب” .
وينبِّهُ على أنه يصعب أن يجدِّدَ المجتمعُ نفسَهُ إلى أن يشعرَ بأن هذا أعظم الذنب، ثمَّ ينبِّه ويُنوِّهُ بشدَّةٍ إلى ضرورةِ محاسبةِ النفسِ والقبضِ عليها بقبضةٍ من حديد .
ط. العشقُخميرةُالحركةوالعمل
“الإنسان الذي أصلح قلبَه بالإيمان والمعرفة، وجهَّزَهُ بهما يشعرُ -حسبَ دَرَجَتِهِ- بِعِشْقٍ واسعٍ ومحبَّةٍ عميقةٍ نحو الناس أجمعين، بل نحو الوجود كله؛ يشعر بذلك فيعيشُ طيلة عمره بين مدِّ وجزرِ العشقِ والوجدِ والجذبِ والانجذابِ والأذواقِ الروحانيَّةِ التي تحتضنُ الوجودَ كلّيًّا” .
هكذا يقول فتح الله كُولَنْ، ويرى أنه لا يمكن تحقيقُ أيَّةِ حملةٍ وحركةٍ دائمةٍ أبدًا دون وجودِ العشقِ، سيما الحركات التي ترغب في العقبى وما بعد الحياة الدنيا؛ فإنها لا تستطيع الوصول إلى هدفها المنشود دون أن يخالط العشقُ خميرتها:
“فالعشقُ الإلهيُّ الذي سنقدِّمُهُ عبرَ إطار تحديد مكاننا في العلاقات الموجودة والفاعلة تجاه الله تعالى، والشعور بمتع الخلق باعتبار أنَّ وجودَنا ظلٌّ لوجودِهِ وضيائِهِ ، والإقرار بأن رضاه هو غاية الخلق، والسعي الدائم لتصيُّد هذا الرضا دائمًا هو مصدر قُوَّةِ ملغَّزَةٍ، لا حدود لها” .
فينبغي لرجال الحركة والفعل ألا يُهملوا هذا المصدر، بل عليهم أن يعيشوه جيّاشًا .
ي. التكاملُوالانضباطُفيالفِكرِوالتصرُّفات
هناك بُعدٌ آخر من أبعاد الفِطْنَةِ، أو ديناميّة حركة وفعل مختلفة في حركة وفعل فتح الله كُولَنْ، أو مادة منها ألا وهي تحقيق التكامل القلبي والذهني، وإنارة الذهن بإدراك شؤون الله في الأشياء والحوادث باستخدام العلوم القائمة على فَلَكِ الحقيقةِ، والمحافظة على نقاء القلب وطهارته بالعلوم الدينيّة والصفاء والصدق والإخلاص والبُعد عن الذنوب، والقدرة على الوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل والتفكير الكليِّ بهذا الشكل، وإلى جانب هذا أيضًا يحظى النظامُ بأهمّيّة واضحة في الفكر والحركة والعمل بالنسبة لفتح الله كُولَنْ.
ولا شك أن اعتماد التفكير الجزئيِّ بديلًا عن التفكير الكلّي الذي لا يرفض التخصُّصَ، لكنه يراه نوعًا من الانفصال عن الكلِّ، ويعتني بالقيمة على نحو امتلاك المعلومة والتجربة الأكثرِ فيما يتعلَّقُ بأجزاءِ الكلِّ، وفي إطاره واحدٌ من أعظم أخطاء الفكر الحديث ونقائِصِهِ، هذا الفكرُ يتناولُ الكونَ والإنسانَ والحياةَ جزءًا جزءًا، ولذلك فإنه وإن تقدَّم أكثر من ناحية الكمّيّة فوق الأجزاء، أي باعتبار حزْمَةِ المعلومات إلا أنه يبقى ضحلًا فقيرًا لأبعدِ الحدودِ في الجَودَةِ والكيفيَّةِ نظرًا لعجزِهِ عن تحقيقِ التكامل بين الأجزاء، في حين أن الإنسان الكلِّيَّ هو من يستطيع التفكيرَ بشكلٍ شموليٍّ كُلِّيٍّ، فيُدْرِكُ الأشياءَ والحوادِثَ في إطارِ تكاملِ الإنسانِ والكونِ، ويهتمُّ بالأجزاءِ في إطارِ هذا التكاملِ، ورؤية الرابط بينها جميعها، إلا أن مثل هؤلاء الناس يستطيعون أن يكونوا موجهين حقيقيّين للحركة والعمل، ولأن العالَم الإسلامي بَعُد في القرون الأخيرة عن هذا التكامل وعن اتحاد القلب والعقل، وَأَقصَى العلومَ من المدرسةِ، ولم يضع الدينَ والأمورَ المعنويَّةَ في المناهجِ المدرسيَّة فلم ينجُ من الانهيار، كما عجزَ عن تحقيق انبعاثٍ بالمعنى المطلوبِ .
ك. القوَّةُ
يُرَكِّزُ فتحُ الله كُولَنْ على “القوَّةِ” بصفةٍ خاصَّةٍ بالنسبة للحركة والعمل، ويؤكِّدُ أن الله خَلَق القوة لحكمةٍ، ولذلك يستحيل إغفالها، غير أنه يجب أن ترتبطَ القوَّةُ بالعلمِ والمعنى والحكمةِ، ومن زاوية أخرى بالحقِّ والقانون، ويُبَيِّنُ “أن الحقَّ ليس في القوَّةِ وإنما القوَّةُ في الحقِّ”، ويُحَذِّرُ أنه في حالِ حدوثِ العكسِ تتولَّدُ قوَّةٌ مجنونةٌ متهوِّرَةٌ فيقول:
“إن القوة المتهورة التي تؤمن بأنها تستطيع حلَّ جميعِ المشكِلات لا تُصغي لصوتِ العقل والمنطق والمحاكمة العقلية ولا حتى الدهاء”.
إنه يرى أن الإنسانية تشهدُ في عصرِها الأخيرِ هذا ألوانًا شتَّى من ظُلْمِ قوَّةٍ كهذه، وأن القوَّةَ المتهوِّرَةَ المجنونةَ تُخضِعُ الإمكانيَّات التقنيَّة لأمرِ أحقادِها وكراهيتها وأطماعِها، فتستطيعُ أن تحشدَ في بضعة أيام أشدَّ التدميرات والتخريبات إرهابًا وإرعابًا مما كان يستحيلُ حشدُهُ في العصور الماضية؛ فتستطيع بذلك أن تقوِّض في حملةٍ واحدةٍ أقوى النُّظُمِ، وتنسِفَها نسفًا ثمَّ تستعيضُ عنها، وتُزهِقَ أعرقَ وآصلَ طُرُزِ الفِكْرِ وأمتنَ صنوفِ الفَهْمِ وأقواها، وتستطيعُ القضاء على مقاومة الجموعِ والحشودِ، كما تتمكَّن من تحديد المعتَقَدَات وتَحُدُّ من حرِّيَّتِها، ولا سيّما في الآونة الأخيرة فقد استقْوَتْ بقوَّةِ الإعلام؛ فأظهرت الحقَّ باطِلًا والباطلَ حقًّا؛ فأنشَأَتْ بذلكَ صراعًا في القيم على مستوى المجتمع، ولهذا السبب فإنه ينبغي ألا تُتْرَكَ القوَّةُ حرَّةً طليقةً، وألا تُهمَل وتُغفَلَ أبدًا، بل يجب أن يستخدِمها الأبطال الحقيقيّون -الذين جعلوا مبدأَ حركيَّتِهم وأساسَها السلامَ العالمي؛ من أصحاب الأفكارِ النورانيّة المتدثِّرة بالحبِّ- في حركاتِهم في ضوءِ إرشادِ المنطِقِ والحقّ والمحاكمةِ العقليّة .
ل. الاحتياطُوالتدبيرُومراعاةُالأسبابِ
ومن الأمور التي رَكَّزَ عليها فتح الله كُولَنْ بالنسبة للحَرَكَةِ والعملِ “التدبيرُ والاحتياطُ ومراعاةُ الأسباب”، ففي رأيه أنَّه لا توجد في الدنيا حركةٌ أبدًا، ولا عملٌ ولا هدفٌ يُبنى على المعجزات والخوارِقِ وعلى انتظار مدد الله، وقد يمدُّ اللهُ ويعين على أيِّ نحوٍ؛ فيفتح علينا من الأبواب ما لم نكن نتوقَّع، غير أن الدنيا دارُ حكمةٍ؛ يسري فيها حكمُ الأسباب، وقد قرنَ اللهُ تعالى كلَّ أمرٍ ونجاحٍ فيها بسببٍ من الأسبابِ، ومن هذه الناحية فإن السيرَ في كلِّ عملٍ وطلبَهُ بالأخذِ بأسبابِهِ الخاصَّةِ، والوفاءَ بهذه الأسبابِ دون نقصٍ، ثم التوكّل على الله تعالى في انتظارِ النتيجةِ شرطُ كلِّ عملٍ ومصدرُ كلِّ نجاحٍ، ودائمًا ما يُذكِّر كُولَنْ قائلًا:
“لا بدّ لكم من مراعاةِ الأسبابِ في الدنيا حتى يزعم من يراكم “عَبَدَة الأسباب”، ولا بدَّ من التوكُّلِ على الله حقَّ التوكُّلِ بعدَ الأخذِ بالأسباب، حتى يقول الراؤون: “إن هؤلاء لا يعرفون شيئًا سوى التوكّل”.
ويسردُ كُولَنْ ما يأتي فيما يتعلَّقُ بسلامة الحركةِ والعملِ؛ فيقول:
“اتِّخاذُ الحيطةِ تصرُّفٌ مهمٌّ يحولُ دون الوقوع في الخسارة في أيِّ أمرٍ أو في أيِّ فعاليّة من دون مواجهة المصائب ثم إطلاق الحسرات، فما أكثر المحاولين الذين لم يُراعوا الأسباب حقَّ الرعاية؛ فكانت النتيجة الحتميّة أنهم لم يجدوا أمامهم إلَّا إطلاقَ الزفرات أو ندبَ الحظِّ ولَومَ القَدَرِ، فهم يُقصِّرون في رعاية الأسباب في البداية، ثم يقعون في الخطإ عندما ينتَقِدُون القَدَرَ…
إن أيّة حملةِ نشاطٍ وفعاليَّة مثلها مثل اتخاذ التدابير، إنما هي طلب لرضا الله تعالى وعنايته، وهما في الوقت نفسه وجهان لحقيقةٍ واحدة، وأيُّ قصورٍ يطرأُ على أحَدِهِما غالبًا ما يُؤَدِّي إلى انقطاعِ المَدَدِ الإلهيِّ والعنايةِ الإلهيَّةِ، ممَّا يؤدِّي بدوره إلى الفَشَلِ المحتَّمِ، وإنّ الاستمرارَ في السير دون تعثُّرٍ لا يمكن إلا إذا استندَ السيرُ دائمًا إلى البصيرةِ الواعيةِ” .

النشاطاتُ الأساسيةُ في حركةِ وعمل فتح الله كُولَنْ
وبعد أن وقفنا على المبادئ الرئيسة في حركة وعمل فتح الله كُولَنْ نلقي الآن نظرةً عابرةً على الديناميات الرئيسةِ فيها:
أ. الإيثار
إن ثمةَ عنصرًا مهمًّا جدًّا في الحركة والعملِ وفقَ ما يراه فتح الله كُولَنْ، ألا وهو الإيثار، ومعناهُ: تركُ ملذَّاتِ الحياةِ ومُتعِها من أجلِ إحياء وإعاشةِ الآخرين، وما لم يكن هناك أشخاص مفعمةٌ قلوبُهم بمشاعرِ التضحية والتطوُّعِ والإيثار ومجتمعٌ تتشكّلُ غالبيَّتُه من أفراد على هذا النحو؛ فلا يمكن أن يحيا وينبعثَ بالمعنى الحقيقيّ من جديد مجتمعٌ أو أمة ما.
ويقول فتح الله كُولَنْ:
“الشخصُ الذي لا يفكِّرُ إلا بنفسه، ولا يكترثُ إلا لها؛ فهو إما ليس بإنسان، أو هو مخلوقٌ ناقص، والطريق المؤدِّي إلى الإنسانيَّةِ يـمرُّ عبر تفكير الإنسان بالآخرين واستعداده إن اقتضى الأمر لإهمالِ نفسِهِ في سبيل الآخرين”.
ويتحدث عن أبعاد الإيثار المختلفة التي تؤدّي جميعها إلى نتيجةٍ واحدةٍ فيقول:
على الإنسان أن يتصرف تجاه أخطائه كَمُدَّعٍ عامٍّ، وتجاه أخطاء الآخرين كمحامٍ مدافعٍ.
الإنسان الناضج والصديقُ الصدوقُ هو الذي إذا خرجَ من النارِ أخرجَ معه غيره، وإذا دخل الجنّةَ أدخلَ معه غيره.
الإنسان الحقيقي هو الذي لا يَدَعُ إناءَ الآخرين فارغًا عندما يملأُ إناءَهُ، مهما كانت الظروف” .
إن منزلة الإنسان عند الله تعالى تُقاسُ بِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وأبرزُ علامات علوِّ الهِمَّةِ هو تضحيةُ الإنسان بمنافِعِهِ وملذَّاتِهِ الشخصيَّةِ في سبيل سعادة الآخرين، ولا أدري إن كان هناك تضحية أكبر من قيام الإنسان بالدوس على كرامَتِهِ وشَرَفِهِ في سبيل سلامة المجتمع؟ أو من كَظْمِ غَيظِهِ بدلًا من إطلاقه زئيرَ الغضب؟ أو من وضع القيود على جميعِ رغباتِهِ الشخصيّة فيما يتعلَّقُ بسعادته في كل مرَّةٍ من أجلِ إسعادِ الآخرين؟ قولوا بربِّكم هل هناك تضحية أكبر من هذه التضحية؟ .
ب. الحبّوالأملوالرحمة
الحبُّ والأملُ والرحمةُ كلٌّ منها ذو مكانٍ خاصّ في الأدوات الرئيسةِ لحركةِ وعملِ فتح الله كُولَنْ.
فالحبُّ وفقًا لـ”فتح الله كُولَنْ” هو النغمةُ الأولى التي تُكيّفُ الإنسانَ على الوجودِ، وأوَّلُ مَهدٍ تأرجَحُ فيه، ولن يُؤسِّسَ عالمَ المستقبل المشرق السعيد إلا أبطالُ المحبَّةِ الذين سَمَوا بالحب، فيقول:
“أبطال المحبة ترتَسِمُ على شِفاهِهِمْ بسمةُ المحبَّةِ، وتتعمّرُ قلوبُهم بنبَضات المحبَّةِ، وتُرسِلُ نظراتُهم مشاعِرَ الإنسانيّة والمحبّة، وتفيضُ قَسَمَاتُـهُمْ بالمحبّة، ويَرونَ في شروق الشمس وغروبها وفي بريق النجوم وخفوتها رسائل محبة” .
وحسب فتح الله كُولَنْ لا يوجد شيءٌ على وجه البسيطةِ يعجزُ الحبُّ عن التغلُّب عليه، فالحبُّ يسمو بالروحِ بقدْرِ تمازُجِها وتوحُّدِها معه، فيجهِّزُهَا لِمَا هو أسمى، ثم تشرعُ هذه الأرواح في تمكين ما شَعَرَتْ به من أشياء أبديّة وخالِدة من السيطرة على القلوب جميعها، فتموت وتحيا في هذا السبيل؛ تنادي بـ”الحب” إذ تموت، وتنبعث بأنفاس الحبِّ إذ تحيا.
ويقول كُولَنْ:
“لا سبيلَ إلى نضج الأرواح غير الـمُحِبَّةِ، ولا إلى ارتقائِها إلى سماوات الإنسانية”.
ويرى أن أمثالَ هؤلاء لن يتقدَّموا نحو النضج والاكتمال ولو قدر شعرة؛ حتى وإن عاشوا مئات السنين؛ فالصدور المحرومة من الحبِّ لا تُحِبّ أحدًا لِعَجْزِها عن التخلُّصِ بأيِّ حالٍ من الأحوال من دوَّامات “الأنا” المظلِمة، بل إنها تُقهَرُ وتفنى وهي لا تدري عن المحبة الكامنة في صدر الوجود شيئًا .
ويرى فتح الله كُولَنْ أنَّ أهمَّ ما يُمَيِّزُ القلبَ النابضَ بالإيمان هو أنه يحبّ الحبَّ ويعادي العداوة، أما كُرْهُ الجميعِ والنفورُ منهم فهو تسليمُ القلب للشيطان أو أثرٌ من آثار الجنون، ويقول:
“عليكَ أن تُحبَّ الإنسان، وأن تعشقَ الإنسانية” .
إن للرحمةِ والأملِ مكانَتَينِ مهمَّتَينِ جدًّا في مفهوم الإسلام لدى كُولَنْ وفي حركته وعملِهِ على حدٍّ سواء، فكُولَنْ القائل:
“إن رأيتُ ورقةً سَقَطَتْ من غُصْنِها في الخريف؛ أَحْسَسْتُ بِأَلَمٍ وكأنَّ ذِراعي قد بُتِرَ”.
لا يستطيعُ نتيجةً لهذا أن يتحمَّلَ ذبولَ الأزهارِ التي في غُرْفَتِهِ، ولا جفافَ أوراقِها وتساقُطَها؛ فهو لا يَتْرُكُ في غرفته زهرةً آلَتْ إلى هذا الحال، ولا يتحمَّلُ أن يُداسَ تحت الأقدام ويموتَ أيُّ حيوانٍ ولو كانَ نملةً، إنه يرى أن الأرض انتظَمَتْ والسماءَ استَوَتْ بفضلِ الرحمةِ النازلةِ من عِند الله، وأنَّ كلَّ شيءٍ من عالَم الذرَّاتِ إلى عالَم المجرّات وصل في ظلِّ الرحمة أيضًا إلى هذا التناغم ونظامِ العمل المتين، فكلُّ شيءٍ في هذا العالم يُفَكِّرُ وينطق رحمةً، ويَعِدُ بالرحمة، ولذا يمكن اعتبارُه سيمفونيّة من الرحمة المتناغمة، وعلى النحو الآتي يصفُ كُولَنْ الأرواحَ التعيسةَ التي تَحكُمُ على الجوقَةِ الساحرةِ الملغَّزَةِ التي كوَّنَتْها كلُّ أنواع الشفقةِ والرحمةِ الموجودةِ في الكون، العاجزةَ عن الإحساسِ وإدراكِ أوسعِ الرحمات اللانهائيّة المحيطةِ بكل شيءٍ… يشرعُ بوصْفِها فيقول:
“الإنسان أمام كلِّ هذه الأحداث مسؤولٌ ومطالَبٌ بأن يُدرِك هذه الرحمة الواسعة بشكلٍ “مركَّزٍ” مستخدمًا شعورَهُ وإرادَتَهُ وإدراكَهُ وفِكْرَهُ في ذلك، ويُضيفُ إليها بأنفاسِهِ نغمتَه الخاصَّةَ به، وهو مُكلَّفٌ بأن يَرْحَمَ المجتمعَ الذي يعيش فيه والإنسانيَّةَ جمعاء، بل وجميعَ الأحياء كَدَينٍ لهم عليه ويجب الوفاء به، إنه يسمو بقدر رحمته في هذا السبيل، كما يتدنّى بقدر تردّيه في الغدرِ والظلمِ والجَورِ، ويَذِلُّ، فيصبحُ عارًا على الإنسانية” .
أما الأملُ بالنسبة لـ”كُولَنْ” فهو مسألةٌ إيمانيَّةٌ بالدرجة الأولى، فالمؤمن آمِلٌ راجٍ، يُقاسُ أملُهُ بقدرِ إيمانِهِ، وبناءً عليه فقد يَظُنُّ البعضُ أن أشياء كثيرةً تنتج عن الإيمان السليم أمرًا خارقًا للعادة، والحقيقة أنه يمكن تخطِّي المعايير البشرية حين يدخل الأمَلُ والعزمُ والحزمُ قلبًا عامرًا بالإيمان، ومن لا يملكون حياة قلبيَّةً بهذا المستوى يعتبرون هذا أمرًا خارقًا للعادة، ولا سيما أنّ الإنسان إن أحسن اختيارَ ما سيؤمن به وعَشِقَهُ استحالَ تمامًا الحديثُ عن اليأسِ والتشاؤم والنَّحْسِ في عالمه الروحي.
الأمل بالنسبة لفتح الله كُولَنْ عبارةٌ عن اكتشاف الإنسانِ روحَهُ، وإدراكِهِ ما فيها من سلطةٍ وقدرةٍ، فالإنسانُ بهذا الإدراكِ ينتَقِلُ إلى القدرةِ المطلَقَةِ التي تفوقُ الكونَ، فَيَصِلُ بِفَضْلِهَا إلى قوَّةٍ وطاقةٍ تستطيعُ أن تكفي لكلِّ شيءٍ، وفي هذه الحالة تصبحُ الذرَّة شمسًا، والقطرةُ محيطًا، والجزء كُلًّا والروح نَفَسًا من أنفاسِ الكون، والروح العاشقة لـ”اللون الناضر، والنور المضيء، والشمس الساطعة” يتنوَّرُ ليلُها كَنُورِ الصباح، ويكون نهارُها متباينَ الألوان كحدائقِ الجنان، فتَتَلاعَبُ الشموسُ في آفاق أمثال هؤلاء الذين لا يعرفون الظلام، وتتوالى المواسِمُ المتعاقِبَةُ مثلَ معارض ساحرةٍ خلَّابةٍ لمناظرَ مختلفة، هذه القلوب المرتبطةُ بالباقي السرمديّ والمفعمةُ بالأمل تأتي بكلِّ الثِّمارِ، وبما يُرجى منها صيفًا وشتاءً، ربيعًا وخريفًا .
ج. التسامحُوالعفوُ
ويتمتَّعُ التسامحُ والعفو -بمعنى “التصفيقِ للأخيار بسبب خَيرِهم وفضلِهم، والتحلِّي بالمروءةِ تجاهَ المؤمنين، واللينِ تجاه المنكِرين إلى درجةٍ تذوبُ معها أحقادُهم ونفورُهم، والتشبُّهِ دائمًا بالمسيح  في سماحتِهِ وفي أنفاسِه التي كانت تُحيي الموتى” – بعمقٍ خاص ومتميِّزٍ في المصطلحات الخاصّة بكُولَنْ، بالإضافة إلى أنَّ دفعَ الإساءةِ بالإحسان، والتغاضي عن المعامَلَةِ الخَشِنَةِ الفظَّةِ، وعلوَّ النفسِ حتى أمام من لا يعرفون قواعدَ السلوكِ والأخلاقِ؛ كلّ ذلك من جملةِ شروطِ أو أبعادِ التسامحِ والعفو الأخرى .
وبينما يتحدَّثُ كُولَنْ عن تسامحِ ورأفةِ إنسانِ الحركةِ والعملِ يستخدمُ عباراتٍ مُلْفِتَةً جدًّا، فيقول:
افتحْ صَدْرَكَ للجميع، افتحْهُ أكثر ما تستطيع؛ ليكن كالبحرِ، فَلْتَمْتَلِئْ بالإيمان وبمحبَّةِ الإنسان؛ فلا يبقينَّ خارجَ اهتمامِك أيُّ قلبٍ حزينٍ لم تُـمَدَّ إليهِ يدُك!…
صفِّقْ للأخيار بِسببِ خيرِهِمْ وفضلِهم، وكن ذا مروءةٍ تجاه المؤمنين، وكن ليِّنًا تجاه المنكِرين إلى درجةٍ تذوبُ معها أحقادُهم ونفورُهم، وكن دائمًا كالمسيح  في سماحَتِهِ وفي أنفاسِهِ التي كانت تُحيي الموتى!
لا تنسَ أنكَ وراءَ مُرْشِدٍ كبيرٍ على علاقةٍ وثيقةٍ بالسماء يسيرُ على أفضلِ صراطٍ وأقومِهِ ، لا تنسَ هذا، وفكِّر في الذين لا يملكون حظوة كهذه، وكن سَمحًا منصفًا!
ادفع السيئةَ بالتي هي أحسن، وإذا خاطبك الجاهلون فقل: “سلام”، إذ ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/84)، فـــ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/199).
أهمّ ما يميِّزُ القلبَ الذي يجيش بالإيمان هو أنه يحبّ الحبَّ ويُعادي العداوة، أما الذي يكرهُ الجميعَ وينفُرُ منهم فهو إما سَلَّمَ قلبَهُ للشيطان أو هو شخصٌ مريضٌ، أما أنت فليكن شعارُك هو حبّ الإنسان والإنسانية!
مع كلِّ حَذَرِكَ؛ إياكَ إياكَ أن تسقطَ بين أنياب نفسِكَ وسيطَرَتِهَا ولو مرَّةً واحدة، ولا تحكِّمها في أية قضيّة، ذلك لأنَّ الجميعَ سواكَ -في نظر هذه النفس- متَّهَمُون، وكلُّ من سواك مجرم سيء، وهذا الاعتقاد حسب قول الصادق المصدوقِ صلوات الله وسلامه عليه يُسَبِّبُ هلاكَ صاحِبِهِ، إذًا فكن صارمًا تجاه نفسِكَ ولَيِّنَ الجانبِ تجاهَ الآخرين قدرَ استطاعَتِكَ.
اتّخِذْ من معاملةِ الحقِّ تعالى لك مقياسًا لكي تتصرَّفَ على ضوئه مع الناس، عند ذلك تكونُ مع الحقِّ وأنت مع الناس، وتتخلّص بذلك من نوعي الوحشيّة.
تستطيعُ أن تعرِفَ منزلَتَكَ لدى الخالِقِ بمقدارِ المساحة التي أفرَدْتَها له في قلبك، وكما قال الحسن البصريّ: “إذا أردت أن تعرف مكانتك عند الله فانظر مكانة الله عندك”، وتستطيع معرفةَ منزلَتِكَ لدى الناس بتقييم تصرفاتك تجاههم، لا تغفل عن الحق تعالى لحظة واحدة وكن بين الناس فردًا من الناس!
وحمادى القول: إذا أردتَ أن تحفَظَ منزِلَتَكَ ومحبَّتَكَ لدى الناس فعليكَ أن تُحِبَّ للحقِّ وتكرَهَ للحقِّ، وليكن قلبُكَ مفتوحًا للحقّ على الدوام” .
ويقول كُولَنْ: كما أنَّ طلبَ العفوِ من الله ورجاءَه والتحسرَّ على الفُرصِ الضائعة أمرٌ قيّمٌ ومهمٌّ نظرًا لأنه يتعلَّقُ بالإدراك والوعي؛ فإنَّ عفوَ الإنسانِ عن أخيه الإنسان أكثرُ فضلًا وسموًّا، فالعفوُ يعني الإصلاح، والعودةَ للجوهر، والعثورَ على الذات من جديد، ولأجل ذلك فإنَّ أحبَّ تصرُّفٍ إلى الله واسعِ الرحمة ما كان في إطار هذه العودةِ، ومن يعفُ فهو جديرٌ بالعفو، ومن لا يعرف العفوَ لا يُعفى عنه، ومن لم يعرف معنى العفوِ ولم يتلوَّ ولو مرَّةً واحدةً بسبب محاسبة النفس لن يستطيعَ أبدًا إدراك الذوقِ السامي في العفوِ والصفحِ .
د. الصبروالثبات
وثمة بعدٌ آخر لا غِنَى عنه في الحركة والعمل في فكر فتح الله كُولَنْ ألا وهو الصبرُ والثباتُ، فهو يرى أن العثور على الحقيقة وعشقَها كما أنّه مهمٌّ فإن الصبر بعد العثور عليها والوفاء لها والثبات في تلك الطريق مهمٌّ بالقدرِ نفسِهِ، وهذا أمر خليقٌ بالوقوف عليه بحساسيّة واهتمام، ومن يتردَّدُون فينقضُون عهودَهم ووعودَهم دائمًا سوف يأتي عليهم يوم يفقدون فيه مشاعر الثقة بالنفس، وينصاعون رويدًا رويدًا لتأثير الآخرين، وإنَّ مثلَ هذه الأرواح المفلوجة التي فَقَدَتْ شخصيّاتها تمامًا مع مرور الزمان لن تُحَقِّقَ لنفسِها ولا لمجتمعِها أيَّ نفعٍ .
إن للصبرِ -من حيث ما يُصبَرُ عليه في مفهومِ كُولَنْ- مجموعةً من الأبعاد منها:
الصبر على أداء أوامر الله،
والصبر على اجتناب ما نهى الله عنه،
والصبر بمعنى عدم الاستعجال وعدم القنوط في مواجهة تصاريف الزمان والظروف،
والصبر بمعنى الرضا بقضاء الله وقدره،
ومن ثم تحمُّلُ المصائب التي تقعُ دون تشكٍّ أو تظلُّم،
والصبر بمعنى مقاومة مفاتن الدنيا وإغراءاتها .
ويتناول فتح الله كُولَنْ أمورًا أخرى أكثر اختلافًا ولا تُرى عند الكثيرين تساعدُنا على التعرُّف على فهمِهِ للإسلام والإنسانيّة والحركة والعمل فيما يتعلَّقُ بالثَّبات والتحمُّل، فهو يرى أنّ مَن أحبَّ الحقَّ وارتبطَ به لا يتردَّى في ما يَنُمُّ عن انعدام التجربة كأن يطلب في الدنيا أجرَ ما قدّمه من خدمات في سبيل الله، وأن يعتبر اهتمام العامة ثمرةً للعظمة والرفعة، وأن يستعظم نفسه، كما أنه ينبغي له ألا ينتظرَ تقديرًا ولا إجلالًا من أحدٍ، وألا يقعَ في صغائرِ الأمورِ كأن يَمُنَّ بما يُقَدِّمُهُ من خدمات لأمَّتِهِ، وبما يفعَلُهُ من خيرات للآخرين؛ لأن هذا واجبٌ ووظيفة، وكلّ إنسانٍ يَقَعُ تحت مسؤوليّة الوفاء بهذه الوظيفة وهذا الواجب.
وبحسب كُولَنْ فإن الإنسان كما يمكن أن يواجِهَ مجموعةً من الأمور الطيبة والإيجابية في مسيرة الحركة والعمل؛ يمكنه كذلك أن يتعرَّضَ لمجموعةٍ من السلبيّات، وقد يُكافَأُ دون أن يطلُبَ؛ وقد يُعاقَبُ، وربما يوبَّخُ ويُؤَنَّبُ أيضًا، وعلى إنسان الحركة والعمل الحقيقيِّ ألَّا يُفرِّقَ بين المكافَأَةِ والعقاب، ولينظُرْ إلى لطفِ الله وقهرِهِ على أنّهما سواءٌ وسيّان، علاوة على أنه يجب ألا يتحدَّثَ عمَّا فَعَلَهُ من خدمات، فإن نتجَ عنها مجموعة من النتائج الإيجابيّة فلا بد وأن يُرْجِعَها إلى الله تعالى، ويراها لُطفًا إلهيًّا ترتب على سعيِ وجهدِ أصدقائِهِ.
ويقول كُولَنْ حول هذا:
“لا تُحَرِّكْ نوازعَ نفسِك وغرورها بحجَّةِ علمِكَ أو عزَّةِ نفسِكَ أو كرامتها، وإلَّا أفرحتَ أعداءك وأحزنتَ أصدقاءَك، فإن كانت لك مزايا فدعها تُثمِرُ سنابِلَهَا في العالم الآخر، ولتكن بطولاتُ حياتِكَ أناشيد أبدية تنشدها الملائكة” .
هـ. الوفاءوالولاء
الوفاءُ والولاء في فكرِ فتح الله كُولَنْ من أهمِّ ديناميّات وأدوات الحركة والعملِ الصحيح، وللوفاء والولاء بُعدان اثنان؛ أحدهما: الثبات على العبودية لله تعالى، وعدم مبارحة بابه ولو للحظة واحدة، وطلبُ رضاه طلبًا حثيثًا، والآخر: هو سَيرُ الإنسانِ نحو الهَدَفِ الذي يعشَقُهُ دون أن يَنْحَرِفَ أو يضلّ الطريق، ويقول كُولَنْ:
“هناك من يُعرِّفُ الوفاءَ بأنه تلاحمُ الإنسان وتكامُله مع قلبه”.
ويبين أنه يستحيل انتظار الوفاء ممّن لا يمتلكون حياة قلبية روحية؛ إذ يرى أن كلَّ واحدٍ من مشاعر الحقد والكره والحسَدِ سمٌّ زعافٌ يقتلُ الوفاء، كما أن الصِّدْق في الحديثِ والثباتَ على الوعد والوفاء بالقَسَمِ وتنفيذَ الوعدِ والعهدِ مرتبطٌ بحياة القلب فحسب، ويُضيفُ كُولَنْ فيما يتعلَّقُ بأهمِّـيَّة الوفاء ما يأتي:
“يسمو الفرد ويَجدُرُ بالثقة بفضلِ حسِّ الوفاء، فإن قام العُشُّ على حسِّ الوفاء استمرَّ، وظلَّ حيًّا نابضًا بالحياة، وتَصِلُ الأمَّةُ إلى الفضائل عن طريقِ هذا الحِسِّ السامي الرفيع، وتستطيع الدولة الحفاظَ على مكانَتِها أمام مواطنيها بهذا الحسِّ فحسب، ويستحيل الحديثُ عن وجود فردٍ ناضجٍ وعُشٍّ يَشِعُّ أمنًا وأمانًا، ودولةٍ مستقرَّةٍ آمنةٍ في بلدٍ فَقَدَ خُلُقَ الوفاء، بل إنّ الشَّكَّ سيتسلّلُ إلى النفوسِ، وستضْطَرِبُ البيوتُ وتتزعْزَعُ في داخِلها، وتُصبِحُ الدولةُ أكثر نحسًا بالنسبة لمواطنيها، وينظرُ الكلُّ إلى الكلِّ باستغرابٍ.
وما يقتل حياةَ القلب، وبالتالي يُقوّض مشاعرَ الوفاء والولاء هو فسادُ النفسِ الداخليّ، وثمة علامة مهمّة على حدوث ضلالٍ في النفس تتمثل في ترك الإنسان الأوراد والأذكار، أي تركَهُ ما اعتاد على قراءَتِهِ يوميًّا من أدعيةٍ ومناجاةٍ وذكرٍ، وبالتالي فإنه لا بدَّ من المداومة على الأوراد والأذكار، وتقويةِ الصِّلَةِ بالله، وتغذية الأذهان بالعلم والحكمة، وتغذيةِ القلوب باليقين والقناعة دائمًا لِتَجَنُّبِ حدوثِ تغيُّرٍ في النفس، ومن ثمَّ الحفاظ على الوفاء والصدق” .
و. تجديدالذات
إن “تجديدَ الذاتِ” يتمتَّعُ بأهمّيّةٍ خاصّة ومكانةٍ فريدةٍ في فكر فتح الله كُولَنْ وفي حركَتِهِ وعمَلِهِ على حدٍّ سواء كما أسلفنا، فهو يرى تجديدَ الذات الشرطَ الأوَّلَ للقُدْرَةِ على البقاء والاستمرار، وأهمَّ أُسُسِهِ، كما يرى كذلك أنَّ مَنْ يعجزون عن تجديد أنفسهم محكومٌ عليهم بالفناء والزوال إن عاجلًا أو آجلًا؛ حتى وإن كانوا أقوياء أشدَّاء، فكلُّ شيءٍ يَظَلُّ حيًّا حين يجدِّدُ نفسَهُ؛ فيبقى ويدوم، وحيث تتوقَّفُ عمليَّةُ التجدُّدِ يصير الشيءُ عُرضةً للتحلُّلِ والاندثار والتفرُّقِ كالجَسَدِ الذي تفارقُهُ الروح، ويقول كُولَنْ:
“ينبغي ألا يُخْلَطَ بين تجديدِ الذاتِ وبين الانبهارِ بالحداثة والولع بكل شيء جديد، فأما الانبهار بالحداثة والولعُ بالتقاليعِ الجديدةِ فهو عبارةٌ عن عمليَّةِ طلاءِ وجوهِ الحشودِ التي مُزّقت تمامًا وإغلاقِ الشقوق فيها، وأمّا عملية التجدُّدِ الحقيقيّة فهي عبارة عن حركةِ وعملِ إكساب المجتمع الخلودَ والبقاء بماءِ الحياة المنقولِ من نبع “الخَضر” ، إن التجدُّدَ الحقيقيَّ عبارةٌ عن حماية صفاءِ الأصلِ والنواةِ، وتكوين مزيجٍ يجمع بين جميع القِيَمِ الموروثةِ منذ الماضي وحتى يومنا هذا، وبين نفحاتِ الفِكْرِ والعِرفان في الوقت الراهن، ومن ثم الوصول إلى فضاءات فكريَّةٍ أكثر بريقًا ونقاءً، وإلا فإن تمييزَ الحداثةِ من اللاحداثة والتفريق بين الحداثةِ والقِدَمِ من هيئةِ الثوب والعباءةِ إنما هو محضُ انخداعٍ ليسَ إلا، وإنّ السعيَ لإظهار الأمر هكذا ليس إلا نوعًا من أنواع الخداع البصري والشعوذة السافرة، أما التجدُّدُ الحقيقي فهو تقييم تطوُّرِ العلوم وظهورها تقييمًا جيّدًا، وتوفيرُ التقنيةِ وتسخيرُها إمكانيَّاتٍ جديدةً لنا، وتسليطُ الموشورِ الشّفافِ الذي بِحَوزَتِنَا على قلوبِنا باطِّرادٍ، إنه أن نُمَحِّصَ قناعاتِنا وتصوُّراتنا وأفكارَنا من البداية ونضيفَ أشياء جديدةً يوميًّا إلى قرص العرفان في قلوبنا، ونُمَرِّرَ جميعَ الكائنات مرارًا وتكرارًا كلَّ لحظةٍ من موشور الروح، و”ننشِّط” الأذهان ونُروِّحُها به” .
ز. الهمّالدائم
ومن أهم الديناميات في حركة وعمل فتح الله كُولَنْ الهمُّ الدائم؛ إذ يبدو كما يرى البعضُ وكأنه خميرةُ وجودِهِ، فهو باعتباره ناذِرًا نفسَهُ لعبوديَّةِ الله ورضاه، وبالتالي لإبلاغِ اسمِهِ تعالى للجميع في هذا الإطار؛ وبالنَّظَرِ إلى الغاية الساميةِ التي تبنّاها وهي: أن يتحقَّقَ إيمانُ الناس جميعًا -إن أمكنَ وشاءَت الإرادةُ الإلهيّةُ- كي يدخلوا الجنة ويتخلَّصوا من النار؛ وأن تظهرَ “الجنّةُ المفقودة”، وأن يتكوّنَ عصرٌ ذَهَبيٌّ في آفاق الحياة الشخصيّة والاجتماعيّة للبشر، فيتحلَّى الجميع بالفضائل ليعيشوا حياةً سعيدةً؛ إنّه باعتبارِ ذلك كلِّه إنسانٌ مهمومٌ، إنّه الشخصيّة التي خالطَ وجودَها الهمُّ الدائم تمامًا، وكما يرى هذا الأمرَ ويشاهدُهُ من يعرفونَهُ عن قُرْبٍ ولو معرفةً قليلَةً؛ فإن النَّظَرَ ولو بشكلٍ عابرٍ في كتاباته، واستماعَ أحاديثه ولو عابرًا سيُمَكِّنُ من رؤية حجمِ المكان الذي يحتلُّهُ الهمُّ في حياته.
إن الهمّ الذي لا ينقطع في رأي كُولَنْ هو السبيلُ الأمثل للوصول إلى الأهداف السامية وتحقيق النتائج العالية، وإن الهمّ ليُنقِّي المسافِرَ الذي يَنشُدُ الحقيقة ويُصفِّيه من الذنوب؛ فيصفو به ويَصِلُ إلى جوهَرِهِ تحتَ تأثيرِه، ولا يمكن الحديث عن النضج والتكامل مع الرُّوح حيث لا يوجد الهمّ؛ فالروح تبلُغُ الكمالَ به، والقلبُ يُكتَشَفُ بواسطته، والأرواحُ التي لم تَتَعَرَّضْ للمِحَنِ غِرّةٌ، والقلوبُ كذلكَ مهيضةُ الجناحَين.
إن المحن تزيدُ وتُضاعِفُ قيمةَ وأَجْرَ العمل وما يُتحصَّلُ عليه عبرَها، أما ما نِيلَ دون محنٍ ومعاناة فمثله مثلُ المالِ الموروث، فما جاء دون كدٍّ وجدٍّ؛ ذهبَ غير محزونٍ عليه ولا مأسوف، غير أن التضحية بالأرواح والأنفس تكون من أجل الحفاظ على الأشياء المكتسَبَةِ بالتعرُّضِ لكثيرٍ من المعاناة والمِحَنِ… فإن تأسَّسَتْ أمَّةٌ وحضارةٌ تحت ريادة كبار المهمومين والممتَحَنين؛ كانت صحيحةً ومستقرَّةً تُبَشِّرُ بمستقبلٍ واعدٍ، وإن كان العكسُ بأن وُلِدَتْ وتطوَّرَتْ على أيدي من لم يَبْكِ ولم يتألَّم ولم يعانِ الألمَ ولو مرةً واحدةً في حياته فهي منحوسةٌ مرشَّحَةٌ للضياع والزوال، ولا يُنتظر ولا يُتوقَّعُ أيُّ نوعٍ من التضحية والفدائيّة مِنَ الأشخاص الخالين من المِحَنِ الذين لم يُعانوا الجوعَ والعَطَشَ في سبيل ما يملكونه من أشياء ولو مرة واحدة، ولم يتعرَّضوا لما تقتَضِيهِ مرحلةٌ معيَّنَةٌ من هزَّاتٍ ومِحن، ولا مِنَ الأنفُسِ والأرواحِ الغرَّةِ التي قَضَتْ عمرَها في أدناسِ وأقذارِ المادَّةِ والدَّعَةِ، كما أنه لا يمكن الحديث عن وجود حركةٍ وعملٍ صحيحَين حيث لا يوجدُ الهمّ والتضحية .
ح. الاستغفاروسكبُالدموع
يتبوَّأُ الاستغفارُ والدموعُ مكانةً خاصَّةً في حركة وعمل فتح الله كُولَنْ باعتباره إنسانًا يؤمن بالإسلام بكلِّ أبعادِهِ ودقائِقِهِ، ويسعى إلى تطبيقه على المستوى القلبيِّ والروحيِّ بالدرجة الأولى، إذ يرى أن الدموع والدعاءَ والاستغفارَ تمثِّلُ إلى جانب الهمّ؛ بضعَ كلماتٍ ملغَّزَةٍ ومهمَّةٍ تلخّص حياة المؤمن المسؤول الواعي، فالمؤمنُ الواعي المدركُ لإيمانه وإنسانيّته ومعنى حياتِهِ ومسؤوليَّتِهِ ينسجُ حياتَه بهذه الكلمات، ويؤسِّسُها بناءً على معناها ومحتواها، فالمؤمن كأنّه عبارةٌ عن حزنٍ وهمّ واستغفارٍ وبكاءٍ ودعاء، وهكذا ينظر فتح الله كُولَنْ إلى الإسلام والإنسان ومعنى الإسلام والإنسانية من هذه النوافذ.
إنه يرى الدموعَ عبارةً عن تجلِّي رحمةِ الحقِّ تبارك وتعالى قطرةً قطرةً في عين الإنسان؛ فكلُّ قطرةٍ منها بمثابَةِ قطرةِ ندًى تحطُّ على تفتُّحِ زهرةِ اللحظة التي يتلاحَمُ فيها القلبُ والحِسُّ واللسانُ، وتتَّحِد وجهًا لوجهٍ، وتتداخل معًا؛ إنها عملية تنفيسٍ وتطهيرٍ للإنسان المخلِصِ الصادق والأشخاص المتحرِّقي الصدور والأكباد؛ إنها إذ تُهدِّئُ وتُسَكِّنُ -ولو قليلًا- أَلَـمَ نارِ العشقِ المتوهِّجَةِ التي لا تُحْتَمَلُ في الدنيا فهي الإكسير الوحيدُ الذي سَيُطْفِئُ لهيبَ جهنّم في الآخرة، ولذا تفقد الأقراط التي في آذان حُورِ الجنة قيمتَها إذا ما وُضِعَتْ إلى جوارِ دموع العين .
أما من ناحية الحركةِ والعملِ بالنسبة للدُّموع فإن كُولَنْ يدعو الناس إلى البكاء قائلًا:
“أنتم يا من نسيتم البكاء طوال تاريخٍ كامل!
أيها الـمَرِحُون، الـمُبْتَهِجُون الضاحكون على أحوالهم التي تستدعي البكاءَ!
تعالوا الآن نقف عند هذا المأزِقِ، فننهيَ بالبكاءِ حالةَ عدمِ الاكتراث التي نعيشُها البالغةَ من الزمان قرنًا؛ لِنَبْكِ على جهلِنا، ولنبكِ على عدم معرفَتِنَا بما فَقَدْنَاه! لنبكِ على شخصيَّتِنا التي استحالَتْ تمثالًا من العيوب، وعلى ضمورِ أحاسِيسِنا ومشاعِرِنا، وقلوبنا الفظَّةِ الجِلْفَةِ الجافية! وَلْنَبْكِ على أننا سنموت في هذا الوضع، وسَنُبْعَثُ على ما مِتْنَا عليه، وأننا لن نستطيع العثورَ على مكان بين عظماء الماضي الذين سيمرُّون أفواجًا في أعظم المراسم، لِنَبْكِ خوفًا من أن نكونَ مكبَّلين مقيَّدين في ذلك الامتحان العظيم، لبنكِ على تردِّينا وسقوطِنا كَثَمَرَةٍ سَقَطَت من الغصنِ، وعلى انسحاقِنا تحت الأقدام، وابتعادنا عن الرحمة…! لِنُحَلِّقْ عاليًا مثل الحمائم، ولنتأَوَّه في الآفاق تأوُّهًا يهزُّ السحائبَ التي كوّنتها الدموع، ثم لتنهمِر تلك القطرات من مآقينا متحَدِّرةً كالمطرِ فَتُطْفِئ لهيبَنا، ولتُطْفئ نارَنا! نارَ الحِقْدِ والكُرْهِ، نارَ الدنيا والآخرة كلها…
إلهي نسألك ونتوسَّلُ إليك: اللهم حرِّكْ عيوننا فتدمَع! اللهم أبكنا على عدم إحساسِنا بحسرةِ البُعد عنك، اللهم أَبْكِنَا على نشوة القلب، واحتراقِهِ بِنارِ الأغيارِ حتى تَتَّقِدَ الصدورُ؛ فتصدر عنها صرخةٌ تجعل الملائكة والأفلاك من شِدَّتِها تُوَلْوِل” .
ويورد كُولَنْ بعض الآيات مثالًا على مدى تقدير القرآن الكريم الدموعَ وامتداحه إياها، إذ يحذر القرآن الكريم بينما يمتدح المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ (سورة الإِسْرَاءِ: 17/107) ويدعو إلى البكاء مَنْ حاصرَتهم ذنوبُهم قائلًا: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة التَّوْبِةِ: 9/82). كما أن سيدنا رسولَ الله  يتضرع إلى الله تعالى ويستعيذ به قائلًا: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، ومِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ” ، فالدموع الصادقة علامة من علامات الرقَّةِ والحساسيَّةِ القلبيّة، فلا دموع تُرى عند من تحجَّرَت قلوبُهم، وتعطَّلَت وتبلَّدت مشاعرُهم .

عقباتٌ أمامَ الحركة والفكر
وضعَ فتح الله كُولَنْ المبادئَ اللازمة لحركةٍ وعملٍ صحّيّ -وقفنا على قسمٍ منها آنفًا- وسَاقَهَا للنظر والدرس، كما لفتَ الانتباهَ إلى ما يعترضُ طريقَ مثلِ هذه الحركة والعمل مِنْ عقباتٍ وما يواجهها من مخاطر، وأكثرُ ما ركَّزَ عليه بينَ هذه العقباتِ والمخاطر ما يتخلّل الطريقَ مِنْ حُفرٍ وهاوياتٍ تستطيعُ ابتلاعَ الأفراد والمجتمع ات واحدًا تلو الآخر؛ كالاستسلام للمتع الجسدية، والولع بالشهرة والمنصب، والأنانية، والإلفُ والعادة، والتذبذب والغوص في الذنوب.
أ. الولع بالشهرة والمنصبِ
يرى كُولَنْ أنَّ الإنسان لديه طباعٌ جميلة تمثِّلُ جوهرَ وبذورَ أشياء جدُّ طيبة كالفداء والصدق والإيثار والاستغناء مثلًا، كما توجد لديه -إلى جانب ذلك- أسسُ أشياء سيئةٍ فُطِرتْ لديه لمجموعةٍ من الفوائد والحِكَم النسبية كالخصال السيئة التي تَشُلُّ الروح وتُميتُ القلب كحُبِّ المنصب والتفكير فيه، وحبّ الشهرة مثلًا.
والصدقُ والإخلاصُ؛ أي القيام بالأعمال ابتغاء مرضاة الله فقط دون انتظار أي مقابل هو روحُ العملِ وشرطُ قبوله؛ فالعاجزون عن تخليص أنفسهم من الخصال السيئة -الطبيعي وجودها عند الكلّ تقريبًا مع اختلاف نسبها- إن عجزوا عن السيطرة عليها بشكل مشروع فربّما يلحقون أضرارًا كثيرة بأنفسهم وبالمجتمع الذي يعيشون فيه أيضًا.
ويوضح كُولَنْ رأيه الموضوعي هذا بمثالٍ يقول فيه: لو أنَّ أحدهم أراد استخدام عذوبة صوته وقدرته الموسيقية لتحقيق الشهرة والمال فَوُجِّه لأنواع أخرى غير ضارة كالابتهالات والقصائد بدلًا من “أن ينثُرَ الضبابَ والدخانَ حولَه” مصحوبًا بمعزوفات مستجهنة لكان ذلك هو الأنسب والأفضل.
ثم يصوغ كُولَنْ الحقيقةَ الأساسيةَ وما يجبُ أنْ يكون في صورة رجاءٍ ورغبةٍ قائلًا:
“يا ليت القلوب قنعت بما وهبها وسيهبها اللهُ تعالى وبحثَتْ دائمًا عما يرضيه” .
ب. دُوّامةالأنانية
أوّلًا: إنَّ فتحَ الله كُولَنْ يلفتُ الانتباهَ بالعبارات الآتية إلى الوظيفة والماهية الأصلية لأنانية الإنسان -أيْ فكرة ووعي الأنا وأنانية الإنسان- قائلًا:
“إنَّ أمانةَ الأنانية المنعمة على الإنسان هدية مقدسةٌ أُعطيت له كي يبحث عن الحقيقة الكبرى ويجدها… فبها يدركُ الفردُ خالقَه، وقدرتَه وعلمَه وإرادتَه اللامحدودة، وأنَّه تعالى مبرّأٌ من كلّ نقصٍ، ثم يُذيبُها -أي أنانيته- في لهبِ معرفةِ وحبِّ الله المُتَّقد في صدره، فلا ينظر ويرى إلَّا بالله… به يفكّر وبه يعرف وبه يصل إلى المعرفة… وبه يتنفّس أنفاس الحق”.
إلا أنَّ هذه الأمانة إنْ جُعِلت مصدرًا للعجب والغرور وحبّ النفس فإنّها تكبُر وتنتفخ إلى أن تُصبح عفريتًا يبتلع صاحبه.
ويرى كُولَنْ أنَّ استخدام الأنانية استخدامًا سيئًا والعجبَ بالنفس يحولان دون رؤية الحقِّ وإدراكِه، ويتسببان في عدمِ التقدُّمِ ولو خطوة واحدة في طريق الخلود، بل إنه البقاء في المكان نفسه مع عَصْبِ العينين.
ومَنْ يفكرون دائمًا وأبدًا لصالح الأنانية لا يبرَحُونها ولا تَبرحُهُم، ومن يبحثون عما ينشدونه في مناخ “الأنا” المظلم لن يتقدّموا خطوة -ولو بقدر مَخِيطٍ- وإنْ قطعوا ما لا يُحصى من الفيافي والسهول، ومهما كانت الأعمالُ المنفّذةُ ثقيلة ومتعبة فإنها لا تُعدُّ فضيلةً ولا تحظى بالقبول الإلهي طالما كانت لصالح الأنانية.
ويقول كُولَنْ:
“قد تنشأ الأنانية من العلم أو الثروة والسلطة، أو تنبع من الذكاء، أو تتضخّم بالجمال، وغيره، ولما كان الإنسان لا دخلَ له في إيجاد هذه الصفات، فإنَّ أيَّ ادّعاءٍ أنانيّ يُعَدُّ وسيلة لغَصبِ حقّ المالك الحقيقي وجلبِ سخطه، وتؤدي في النهاية إلى هلاك أرواح هؤلاء المغرورين”.
ثم يحذر ويرسم لوحة الإنسانية الحقيقية هكذا:
الرغبة في عرض النفس للآخرين والتحدّثِ عنها على الدوام ناتجةٌ عن عقدة الشعور بالنقص، ويستمر هذا الوضع عند هؤلاء حتى تلقّيهم دروسًا جيّدة في تربية النفس والروح يصلون بها إلى فداء وجودهم لصاحب المُلكِ الحقّ، فكلُّ أمر من أمورهم تفوح منه رائحة الأنانية وحبّ المظاهر، وكلُّ مظهر من مظاهر تواضعهم إما خداعٌ ورياء، وإما محاولة لدفع الآخرين للحديث عنه…
إنَّ ارتفاع أي شخص إلى مرتبة الإنسانية لا يكون إلَّا بتواضعه، ولا يظهر هذا التواضع ولا يتوضح إلَّا عندما يعجزُ المنصبُ والجاهُ والشهرةُ والعلمُ -الأمور التي يُقدِّرُها العوامُ- عن تغييره، فإن استطاع واحدٌ من هذه الأمور تغييرَ سلوكه أو تفكيره تعذّر الحديث عن أيِّ تواضع، وعن أيِّ ارتفاعٍ إلى المستوى اللائق بالإنسان.
يكاد يكون التواضع مفتاحًا لجميع السجايا الحميدة، ومَنْ يملِكُه يستطيع امتلاكَ السجايا الحميدة الأخرى، ومن يُحْرَمْهُ يُحرَم -على الأكثر- من السجايا الحميدة الأخرى .
ج. حُبُّالدعة
يصفُ فتح الله كُولَنْ حُبَّ الدعة بأنَّه “حبُّ الجسد”، ويرى في كثير من المواضع أنَّهُ السببُ الأهمُّ في تحلّل الإنسان وزواله، فيقول:
“كما تأسن المياه التي فقدت حركتها وركدت، كذلك يكون الذبول والضياع مصير الكسالى الذين تركوا أنفسهم للتراخي والركود، وإن الرغبة في الراحة والخمود هي إنذارٌ بالموتِ وباكورةُ الإشاراتِ إليه، ولكن الشخص الذي انقاد لمشاعره وأحاسيسه فقط وانشغلَ بها لا يفهم هذه الإشارة ولا يسمع هذا الإنذار، ولا يستفيد من نصائح أصدقائه وتحذيراتهم…” .
ويحذِّرُ من أنَّ الكسلَ والانقيادَ للراحة والدعة من أهم أسباب الذلّ والحرمان، وأن الأرواح التي ألقت بأنفسها في أحضان الكسل سيأتيها يومٌ تضطرّ فيه إلى التذلّل للآخرين كي تحصل على مستلزماتها المعيشية الضرورية، ويرى أنه إذا ما أضفنا إلى حبِّ الراحة والارتخاء التولُّع بالزوجة والأولاد صار التراجعُ عن خطِّ الخدمة والنضال أمرًا لا مفرّ منه.
ويسعى تاركو منهج الخدمة والنضال إلى الدفاع عن أنفسهم، وانتقاد رفاقهم في الخدمة متذرعين بحجج مختلفة متأثرين في ذلك بالحالة الروحية لما ارتكبوه من خطإٍ، هؤلاء الذين أصاب الشللُ إرادتَهم وعزيمتَهم يؤثّرون تأثيرًا سلبيًّا خطيرًا على الجسارة والقوّة الروحية للمُحِيطين بهم، وأمثالُ هؤلاء لا يستطيعون العودة إلى رُشدهم أبدًا ما لم يعترفوا بأخطائهم وعيوبهم بكلِّ صدقٍ وإخلاصٍ .
د. التناقضات
وبعد أن يلفت فتح الله كُولَنْ الانتباهَ إلى “أمراض” تودي بصحّة الحركة والعمل يحرّك مكّوكَ الفكر بين الأقطاب الإيجابية والسلبية بالنسبة للحركة والعمل ونضج الإنسان، فيقول:
كيف يمكنك الوصول إلى نقاء في الفكر وفي الأحاسيس، وكيف يمكنك تنمية ملكاتك الإنسانية وقابلياتك لكي تكون من الربانيين دون أن تتملّص من الشهوات الجسمانية والشهوات البهيمية وتعلن عصيانك لها وتمرُّدَك عليها؟
إن كنت ترغب في الوصول إلى “التوحيد” في حياتك القلبية وتذوُّقِ اللذائذ الروحية والغرق فيها… كيف يتسنى لك هذا وداخلُكَ يغصّ بتراقصِ آلافِ الرغبات والأهواء؟ وكيف يُتاحُ لك هذا وأنت طوعُ أمرِ رغباتك الجسديّة في كل مُنعطَف؟!
إن كنت تعتزمُ الانطلاق إلى الأعالي، والسموّ إلى عوالم وراء هذه السماوات… إن كنت تتمنى هذا فكيف يليق بك التعلّق بأوحال هذه الدنيا كطفلٍ ساذَج؟
أنت تنتظر على الدوام فجرًا جديدًا يُطِلُّ على أفقك، ولكن كيف يمكن ذلك دون أن تُزينَ قلبك بالمُثل السامية، ودون أن تستعيدَ مكانك وموضعَك القديم، ودون أن تكوّن صرخةً تُدوّي في مسامع الدنيا…!”.
إنّك تريد إيجاد حلول للمشاكل المزمنة المتراكمة منذ عصور وعصور… لكن إنْ لم تتحلّ بالأملِ، أو إن لم تملك عزمًا وعزيمةً على الانتظار سنوات وعصورًا فكيف يمكنك فعلُ ذلك؟!
إن كنت تروم عيش حياة الروح والقلب، وإن كنت تصبو إلى التسامي في مشاعرك وعواطفك… إن كنت تبغي هذا وذاك فكيف تحصل عليهما دون أن تتحلّى بصبرٍ وعزيمةٍ لا تنفدُ؟!
أنت ترى نفسك دون أيّ نقص أو قصور، وتريد من الآخرين أن يروا هذا الرأي أيضًا… ولكن أنّى لك ذلك وأنت تحمل على ظهرك ألفَ إثمٍ كلَّ يوم! وكيف يمكن هذا وتصرُّفاتك في المجتمع تنمّ عن تناقضات عديدة؟” .

فتح الله كُولَنْ مُربّيًا
إنَّ حركةَ وعملَ فتح الله كُولَنْ كلَّه تمكن معالجته وتناوله في إطار مفهوم التعليم بأوسع معانيه؛ إذ يرى أنَّ العنصرَ البشري يكمُنُ في جذور جميع المشاكل التي نواجهها على وجه الأرض، أي إنَّ المشاكلَ كلَّها تبدأ بالإنسان، وتنتهي به أيضًا، والتعليم هو أكثر الوسائل تأثيرًا وفاعليّةً سواء بالنسبة للنظام الاجتماعي ولأي نظام مجتمعي يسير على نحو جيد أو متعطل عن السير أو به خلل بسيط، أو بالنسبة للقبر وما بعده؛ ومن هنا فكما أنَّ مهنة التعليم والمعلم أقدسُ المِهنِ، فإنَّ أفضلَ وأنفعَ خدمةٍ تُقَدَّم لأية أُمة أو بَلدٍ هي تلك التي تُنجز عن طريق التعليم .
أهميةالتعليموالتربية
يرى فتح الله كُولَنْ أن الحياة الحقيقية بالنسبة للإنسان تتحقَّقُ بالعلم والعرفان؛ لذا فإنَّ منْ يُهمِلونَ التعلّم والتعليم هم في عِدادِ الموتى وإن كانوا على قيد الحياة؛ ذلك لأن الغايةَ من خلقِ الإنسانِ هي النظرُ والتأمّلُ وتحصيلُه المعرفة ونقلُه ما تعلَّمَه إلى الآخرين، ومن ثمَّ فإنَّ قراراته الصائبة والدقيقة تكون بقدر ارتباطه وعلاقته بالعقل والمنطق، وهما لا يصلان إلى النور والوضوح، بل وإلى الكمال إلا بالعلم والمعرفة، لذا فمتى ما خلا موضعٌ من العلم والمعرفة ترى فيه العقل عاطلًا والمنطقَ خادعًا والقرارات خاطئة، ولا تظهر إنسانيّة الإنسان واضحةً إلا عند محاولته التعلّمَ ثم تعليمَ غيرِه وتنويرَه، ومَنْ لا يحاول التعلّم -مع كلّ جهلِهِ- ولا يرغب فيه، ولا يجدّد نفسه بما تعلّمه، ولا يكون قدوةً لغيره؛ هو إنسانٌ شكلًا لا جوهرًا؛ فما أعجبَ أمرَه… والمنصبُ والمقام المُكتَسَبُ بالعلم والمعرفة أسمى وأدوم من المناصب والمقامات المُكْتَسَبَةِ بالطرق الأخرى؛ ذلك لأن العلم يُبعِدُ صاحبَه في الدنيا عن السوء ويجعلُه من أرباب الفضائل، كما يجعله من أصحاب السعادة في الدار الآخرة بما يحصل عليه من منصب ومرتبة لم يكن يتخيّلهما، لأن القلوبَ الخاليةَ من الحقيقةِ، والأرواح الخالية من المعرفة بمثابة بيئةٍ صالحة لنموّ شتّى الأفكارِ الضارة .
ويرفع فتح الله كُولَنْ من شأن العمليّة التعليميّة المتمثّلة في التّعَلُّم والتعليم لدرجة أنه يرى التعلُّمَ والتعليم والتربيةَ وظيفةً ساميةً ترتقي إلى السماء؛ حيث تتكّشف الجدارة والكفاءة الكامنة في روح الإنسان وتظهرُ عبر الوفاء بتلك الوظيفة التي تُعتَبَرُ تَجلّيًا لصفةِ الربوبيّة الخاصّة بالله تعالى في حياة الإنسان، ومن ثمَّ تصبح بمثابة هديّة للمجتمع، ومن العبثِ البحثُ عن صفة “الاجتماعية” عند إنسانٍ لم يمرّ من مِصفَاة التربية والتعليم؛ فلم تتطوّر لديه الصفات الإنسانية والخصائص الرفيعة .
ويرى كُولَنْ أن التعليم والتربية أكثرُ المسائل المصيرية التي ينبغي للأفراد والمجتمعات على حدٍّ سواء أن تقِفَ وتركّزَ عليها؛ إذ تُقاسُ إنسانية الفرد بقدر بُعد مشاعِرِهِ وأحاسيسه عن الأشياء السلبية، وربما يدرك الجميع الجانبَ التربوي الخاصّ بالبدن لكن مَنْ يستطيعون فهم التربية الفكرية والحسية والروحية التي تسمو بالإنسان إلى الإنسانية الحقة فعلًا هم نزرٌ جدُّ يسير.
ثانيًا: إن إصلاح الأمم لا يكون بالقضاء على الشرور، بل عن طريق السموّ بالأجيال إلى الإنسانية عبر تربيةٍ تدورُ في فلك الحقائق الثابتة والقِيَمِ الدينية، وما لم تُبذر في كلّ ربوعِ الوطنِ تلك البَذرةُ المقدّسة المكوّنة من خليطٍ من الوعي التاريخي والمثالي والديني وعشق خدمة الإنسانية والأعراف فلسوف تنبت مجدّدًا فسائلُ من الشرور والمفاسد التي كان قد قُضِيَ عليها .
“إن الأممَ تبقى وتعيش بالأجيال الجديدة، وكل أمة ترغب في ضمان مستقبلها ينبغي لها أن تنفق على تنشئة وتربية الأطفال والشباب -الذين يمثّلون رجال المستقبل العظماء- بعضَ إمكانياتها من طاقةٍ ووقتٍ كالتي تنفقها هنا وهناك، لذا فإنَّ الأمم التي تُهمِلُ أبناءها، وتتركهم فريسةً للانهيار والسقوط في أيدي الأغراب القاسية محكومٌ عليها أن تفقد جوهرها وذاتيّتها، والراغبون في التكهُّنِ بمستقبل إحدى الأمم إنْ نظروا إلى ما يلقَاهُ أبناءُ تلك الأمّة وشبابه من تربية حاليّة فإنّ تكهّناتِهم وأحكامَهم المستقبليّةَ تصدُقُ وتُصيبُ كَبِدَ الحقيقة، وبالتالي فإن ما يجبُ بذله لرقيّ الأجيال وسموّها إلى سماء الإنسانية سيظلّ مصدرًالا ينضبُ من الخير” .
ويدرس كُولَنْ قضيةَ التربية والتعليم على مستوى الدولة والشارع والإعلام؛ فيرى أن كلَّ واحد من أفراد الأمة يؤثّر على الآخر بدرجة معيّنة كما يتأثّر به إذ يستقي بعضَ الأشياء منه، وتأثير مثل هذه الأعراف والشارع والإعلام والأوساط القريبة والبعيدة يحتلّ مكانةً مهمّةً في النشأة والتربية؛ فكما يتمتع ربُّ الأسرة بتأثيرٍ ونفوذٍ قويٍّ بين أفراد أسرته، يتمتّع المسؤولون عن إدارة الأمّة بتأثيرٍ ونفوذٍ معيّن بين مختلف قطاعات المجتمع وأفراده، وارتقاءُ أمّةٍ إلى أعلى نقطةٍ تستطيع السموَّ إليها بقدر استعدادها وقدرتها وقيامُها بوظيفتها على الوجه الأكمل أمرٌ وثيقُ الصلة بفكر أفرادها وتصوراتهم وثقافتهم، وخُطَطِ حُكَّامها وبصيرتهم وتطوعهم وتضحيتهم.
وينظر كُولَنْ إلى التربية والتعليم من زاوية أخرى؛ فيرى أنَّ ما يميّزُ الإنسانَ عن غيره من الموجودات هو أنَّه جاءَ الدنيا وكأنه يرجو غيرَه أنْ يُعَلِّمه شيئًا ويرشده إلى الصواب حيثُ هو بدعوة التربية والتعليم، بينما يُرسَلُ الحيوانُ إلى الدنيا وكأنه تَكامَل في عالمٍ آخر فيتعلم في ساعتين أو يومين أو شهرين كلَّ ظروف الحياة وقوانينَها وعلاقتَهُ بالكون، ومن ثمَّ يكون صاحبَ ملكة وفطرة خاصة به، فقوّة الإنسان الحياتيّة يكتسبها في عشرين سنة، بينما القدرة على العمل والفعل يكتسبها حيوانٌ كالعصفور أو النحلة في عشرين يومًا، والأصحُّ أنه يُلْهَمُها في هذه الفترة الزمنية، وهذا يعني أن وظيفةَ الحيوان الأصلية ليست التكاملَ بطريق التعلّم، ولا الترقّي باكتساب المعرفة (الصنعة والمهنة)، وليست الدعاءَ القوليَّ وطلبَ المَددِ مُظْهِرًا عجزه؛ بل على العكس من ذَلك إنَّ مُهمَّته هي العملُ وفقًا لملكاته وقدراته وعبادةُ اللهِ تعالى فعليًّا.
أما الإنسان فيَلِجُ الدنيا جاهلًا بقوانينها محتاجًا إلى تعلُّمِ كلِّ شيء فيها، حتى إنَّه لا يستطيعُ أن يتعلّم ظروفَ الحياة وأحوالها في عشرين سنة؛ بل يستمرّ يتعلّمها ربما طيلة حياته؛ فهو يُرسَلُ إلى الدنيا في غاية الضعف والعجز؛ فما يقوى على الوقوف على قدميه إلا في مدة تترواح بين سنة وسنتين، وما يستطيع التفرقةَ بين الضار والنافع إلا في أرضِ خمس عشرة سنة، وما يستطيع تحصيل المنافع ودفع الشرور إلا بمساعدة المجتمعِ كله…
وهو ما يعني أنَّ وظيفة الإنسان -الذي يحُلُّ بدار الضيافة المؤقّتة هذه حاملًا في داخله أنقى الفِطرِ وأطهرَها- هي الاستقامةُ في الفكرِ والخيالِ والعقيدةِ والوصولُ إلى النقاء والصفاء، والوفاءُ بمسؤوليات العبودية، وإعمالُ القلب والروح، والتعانقُ مع عالم اللَّدُنّ المليء بالأسرار، وإدراكُ سرّ الوجود .
المدرسةوالمعلِّم
يخصّص فتح الله كُولَنْ مكانًا خاصًّا للمدرسة والمعلّم بشأن قضيّة التربية والتعليم؛ فهو يرى المدرسةَ بيئةً تعليميّة وتربوية يُعلَّمُ فيها كلُّ مقتضياتِ الحياةِ الدنيا وما بعدها، والحقيقة أن الحياةَ ذاتَها مدرسةٌ، ومع ذلك فإننا نتعلّمها؛ أي الحياةَ في ظل المدرسة ومحيطها.
فالمدرسة ترسل حُزَمَ أشعّةِ العرفان على الحوادث المصيرية الحياتية فتنيرها، وتمنح طلّابها قدرةً على إدراك بيئتهم وفهمها، كما تفتح في الوقت ذاته السبيلَ أمامهم -بالسرعة القصوى- للتعرّف على الأشياء والحوادث، وتَرقَى بالإنسان إلى الكمالِ الفكري والاستقامة في الفكر، وتدفعُه في أثناء الكثرة وغمرتها إلى الأحديّة.
والمدرسة الجيّدة بمثابة خيمة ملائكيّة تكشف مشاعر الفضيلة لدى الفرد، وتُكسب طلابها السموَّ الروحيَّ، وكما أنَّ المدرسةَ هي المكانُ الذي تَكتسب فيه الحياةُ المُنسابةُ من كُلِّ حدبٍ وصوبٍ هُويةً وسمةً خاصة بها؛ فهي أيضًا أهم مكان وبيئة تعليمية يأخذ فيها الطفل شكله الحقيقي، ويصل إلى أسرار ذاته.
ويعتقد فتح الله كُولَنْ أنَّ المدرسة والعملية التربوية والتعليمية التي تجري فيها تَشمَلُ الحياة بكلّ تفاصيلِها، ووفقًا له أيضًا؛ فإنّ الطالب الملتحق بالمدرسة يُكرّرُ طيلةَ حياتِهِ ما حصَّله في المدرسة من دروس، كما أن المهاراتِ والعلومَ المستحصلةَ في المدرسةِ والمعزُوّةَ إلى الذات تُمثِّلُ دليلًا بالنسبة لصاحبها يرشده في الطرق المؤدية إلى الفضيلة، ومفتاحًا سحريًّا يفتح له الأبواب الموصدة.
ويولي فتح الله كُولَنْ المعلمَ أكبرَ قيمةٍ وتقدير في المجتمع؛ فهو يرى أنَّ المدرّسَ مرشدٌ ودليلٌ محترمٌ يُشكّل الكيان العالي للمدرسة التي تشبه المعبد من ناحية ما، والحياةَ كلَّها منذ الميلاد وحتى الموت من ناحية أخرى؛ فيقول:
“يستحيل أن يكون ثمة مخلوقٌ ثانٍ على وجه الأرض يساوي هذا المخلوقَ الساميَ المتبلورة فيه أنفاسُ الملائكة، الذي يَرُودُ أمته في إطار القدر، ويُعلي مِنْ أخلاقها وسماتها، ويغرس فيها الوعي والشعور بالخلود والأبدية”.
كما يرى كُولَنْ أنَّ المعلمَ أكثرُ تأثيرًا على الفرد من الأب والأم والمجتمع؛ فهو الذي يعملُ في المدرسة بمثابة خيمةٍ ملائكيّةٍ تضمّ الحبوبَ النقيّةَ الطاهرةَ في ثنايا تربتها، ثمّ يتعهّدها بالحماية اللازمة، وكما أن وظيفته هي الانشغال والاهتمام بالجَيِّدِ وبغيره من الناس في هذه البيئة؛ فإنَّه يقع على عاتقه هو أيضًا عبءُ توجيههم وتحديدِ الهدف لهم في مواجهة الحياة والأحداث؛ ذلك أنَّ المدرّس الذي يؤثّر في قلب الطالب تأثيرًا يتباين يوميًّا، وينقش في ذهنه خطوطًا بألوانٍ شتى لا تنمحي بفضل دروسه وتصرفاته هو معلمٌ ومربٍّ لا يُعوَّضُ، ولا يتحققُ تقديمُ نماذجَ جيدةٍ هاديةٍ ومربية للطالب إلا بمُعلِّمٍ ينضحُ وجهه بالحقيقة، ذي نظرات عميقة لأبعد الحدود، وكلُّ شيءٍ يمنحه تلاميذَه يتدفّقُ من ثنايا القلب.
ويقول فتح الله كُولَنْ:
“إن مجتمعًا بدويًّا عَثَر على معلمه سَمَا كما تسمو الملائكة، وارتقى إلى درجة المعلم لأكبر الحضارات والدول في العالم”.
ويؤكّد على أنّه ليس هناك مصنعٌ على الإطلاق يعمل ويُؤثِّرُ بشكل مُمَنهج ومنظَّمٍ مثلما يعملُ ويؤثّرُ المعلِّمُ، وأنَّ عمليّة نقلِ أطياف كلِّ المشاعر والأحاسيس في لحظةٍ واحدةٍ إلى مئاتٍ من البشر أمامه وتحويلَهم في كيانهم وذاتهم لمخلوقٍ ثانٍ أمرٌ لم يتيسّر لأيِّ شخص سوى للمعلِّم .
ويتطرق كذلك إلى الدروس الواجب تدريسها في المدرسة وما يجب إكسابه للطالب فيها؛ فيرى أنَّ المعلومة تعني قيمة خاصّةً في ذاتها، غير أن المعلومة التي تجعل من الطالب مجرّدَ حَمَّالٍ للمعلومات تمثّلُ حِمْلًا ووبالًا على عاتقِ ذلك الطالبِ ليس إلا، ومن هذه الناحية فإن كلَّ ما يُتعلم ويُعلّمُ لا بُدَّ وأن يكون موحِّدًا للشخصية الإنسانية ومُوجِّهًا لاكتشاف العلاقة الدقيقة الحساسة بين العالم الداخلي من جانبٍ والأشياء والحوادث من الجانب الآخر، بل الأمرُ أكثر من ذلك؛ إذ يجب أن يكون كلُّ جزءٍ خاص بالشيء المُتعلَّم بمثابة سند سليم للتطبيق، ودعامة أساسها الوصول إلى تركيبات جديدة، بالإضافة إلى ذلك يقول كُولَنْ:
الكتب التي تدرس في مرحلة الطفولة ومرحلة الدراسة؛ شعرًا كانت أو نثرًا، لا بد وأن تمنح الفكرَ قوّةً، والروحَ متانةً وصلابةً، والأملَ والعزيمةَ نورًا وضياءً؛ حتى نتمكن من تنشئة أجيال قوية الإرادة، سليمةِ الفكر.
العلم يُعزى ويُملّك للذات في المدرسة، وفي ظلّه يتجاوزُ الإنسان أبعادَ العالم المادي القاسي الذي يعيشه، ومِنْ ثَمَّ يكادُ يصلُ إلى أسرار الخلود، وكلُّ نوعٍ من أنواع التذكير والتحفيظ لا يَعِدُ الفكرَ بالتنويرِ والروحَ بالتحليقِ في الآفاق هو مِبرَدٌ يؤدّي إلى تآكل الذات، وضربةٌ تَنال من الفؤاد.
المعلومة غير الموجِّهة لحلّ الأسرار الكامنة بين الأشياء وبين شخصيّتنا لا تُضيف للطالب ولا تُكسِبه أيّ جديدٍ أو مفيدٍ فيما يتعلّق بالعالم الخارجيّ واندماجِه وتوحّدِه معه.
إن التّعَلُّم العاري عن الضوابط والمعايير والنظام أخطرُ من عدمِ التعلّم نظرًا للنتائج السلبيّة المترتّبة على ذلك، فمن الضروريّ التركيز والاهتمام بالأمور التي تدفع الإنسان إلى التكامل والاندماج مع الكون، وهذه النقطة هي أُولى مراحل الفكر، وأقوى علامةٍ ومؤشِّرٍ على روح التعلّم وجدّيّتِهِ.
بعد ذلك يحدّد فتحُ الله كُولَنْ الخطوطَ العامة لبرنامج جيّد من أجل العملية التربوية والتعليمية فيقول:
“لا بدّ من تعليم الطفل في أولى مراحله الدراسية بالمدرسة اللغةَ أوّلًا، والمثاليّةَ والدينَ والأخلاقَ وبناءَ الشخصيّة، ثم تأتي بعد ذلك الشخصيّة الاجتماعية التي تنبني على كلّ تلك الأسس، ولا بد أن تُوضعَ في الحُسبان ظروفُ ذلك العصر الذي يعيش فيه، وأن يكون مجدّدًا في العلوم، وبمعنى أصحّ: لا بدّ أن يُوصَّلَ عبر انبعاثٍ مستمرٍّ إلى فهمٍ متجدِّد ونَضِرٍ دائمًا، ثم يُدرَّب -انطلاقًا من هذه النقطة- على قضايا مثل الفن والتجارة والزراعة والعلم والتقنية، ويُكيَّف عليها واحدةً تلو أخرى، وقدرةُ أيِّ مجتمعٍ على مواصلة البقاءِ والتناغمِ الدائمِ مرهونٌ -إلى جانب هذه الأمور- بجهدِهِ وسعيِهِ كي يتبوّأ مكانه في التوازن العالمي بين الدول”.
وفيما يتعلّق بآداب التعامل مع الطالب أورَدَ فتح الله كُولَنْ تحليلاتٍ مطوّلةً، يشترط فيها معرفةَ الطالب معرفةً جيّدة بكل جوانبه في العملية التعليمية التربوية التي ستُدار في المدرسة، والتدرجَّ في هذه العملية دون عجلة، ويؤكّد على ضرورة ضبطِ الجرعة التي ستُقدّم للطالب في هذا الإطار ضبطًا جيّدًا، والصبرِ والثبات في نقل هذه الأمور إليه، وعدمِ اليأس والقنوط بدعوى أن أثر الإرشاد والتربية لا يظهر عليه، ولا بدّ من الاهتمام والعناية بمخاطبة العقل مثل مخاطبة القلب والأحاسيس، وكذلك الأخِيرَين مثل مخاطبة القلب، وكذلك إشباعُ العقل والقلب والروح جميعًا في عمليّة التربية والتنشئة، ينبغي العملُ لأجل القضاء على عيوب الطالب عبر نصائح عامة دون التصريح بعيوبه في وجهه، أو إفشائها أمام الآخرين، فإذا أخفقَ في أمرٍ فليكن الحديثُ معه على انفراد تامٍّ ولنهتمّ به على نحوٍ خاص، وفي مكانٍ خاص، وكل شيء طيّب يُراد تلقينه وتعليمه للطالب لا بدّ وأن يُجسّده أبطالُ هذا العمل، والفتيةُ الذين تصدّوا لكل أنواع الشرور والبلايا وقاوموها وكافحوها… يجب تجهيز قلب الطالب بالمثل العليا وتزويده بها، والحفاظ على قِيَمِ الحبّ والخوف والتوازن في العملية التأديبية، وثمة مبدأٌ آخر ربما هو الأهم من كلّ ذلك؛ ألا وهو ضرورة أن يكون المعلّم بنفسه وبمنهجه في الحياة مثالًا ونموذجًا -في الوقت ذاته- لجميع أوجه الجمال والخير والحسن التي يُلقِّنُها الطالبَ ويبُثُّها فيه، ومن ثَمَّ يجعلُهُ يتقبّله بفضلِ ما يملكه من معرفةٍ ومعلوماتٍ في كل موضوعٍ ومسألة.
إن المدرسة -التي رسم فتح الله كُولَنْ لوحتَها بسماتِها وخصائصِها الداخلية والخارجية عندما قال: “مدرسة منفتحة على الآفاق، تحتضن الإنسان بكل جوانبه وتستكشفه، وكأنها خيمة ملائكيّة”- هي المعملُ أو المختبرُ الذي يُصهَرُ الإنسانُ فيه؛ فيظهر جوهره الحقيقي، ويصبح ذهبًا خالصًا؛ فيستنير عقله بالعلوم والفنون، ويتحلّى قلبه بالإيمان والأخلاق وأنقى الصفات، والمُعَلّمُ الذي يشحذُ هِمَّةَ الطالبِ في ضوء عقلٍ وقلبٍ على هذا النحوِ هو الأستاذ الحقيقيّ المبارك في هذا المختبر العجيب الذي يُصهرُ فيه أمل المستقبل وضمانه وهو الأجيال .
المدارسالتركيةالمنتشرةفيالعالَم
إنّ أول ما يتبادرُ إلى الذهن عند الحديث عن فتح الله كُولَنْ والتربية في اليوم الراهن هو تلك المدارس التي افتتحها رجال الأعمال الأتراك في تركيا وخارجها، وتجاوز عددها الآن أكثر من ألفي مدرسة.
فقد أخذَ بعين الاعتبار بعضُ رجالِ الأعمالِ الأتراك توصياتِ فتح الله كُولَنْ الشفهيّةَ والكتابيةَ بشأن إنشاء المدارس الخاصّة، وسعوا لتطبيقها، وحين حَقّقت بضعُ مدارس افتتحوها في تركيا نجاحًا حقيقيًّا حاول آخرون غيرُهم القيام بالأمر نفسه في أماكن أخرى، وراح هذا النظامُ ينتشرُ على وجه الأرض كله؛ وتأتي في مقدمة ذلك الجمهوريات التركية التي نالت استقلالها بانهيار الستار الحديدي (الاتحاد السوفيتي).
وقد أوصى كُولَنْ وشجَّع صراحةً على هذا الانتشار في كلّ المحافل بما في ذلك منابر المساجد، وكسببٍ لذلك فقد أشار أوّلًا إلى ما يتمتع به التعليم الصحّيّ السليم من أهمية عالمية بالنسبة للجميع، وأنَّ طريق الخدمة من أجل تحقيق رضا الله بخدمة الناس يتأتى مِنْ هذا بالدرجة الأولى، وله مقال مطوّل كتبه في هذا الموضوع إلى مجلة “تركيا الجديدة (YeniTürkiye)” ، ركّزَ فيه كُولَنْ على أكثر احتياجات البشرية اليوم، وأوجز تلك الأمور على النحو الآتي:
“إن حركات الإصلاح والنهضة والحركات العلمية والاكتشافات الجغرافية، كُلُّها على حدٍّ سواء، يكمُنُ في جوهرها توفيرُ الاحتياجات المادية، ولأن تلك الحركات تطوّرت ردًّا على الكنيسة والفلسفة المدرسية (السكولائية) المسيحية التي مثلتها الكنيسة في العصور الوسطى؛ فقد نشأ صراع بين العلم والدِّين، وظهر العزوف عن الدين، ثم ظهرت المادّيّة والشيوعيّة، أما في الجغرافية الاجتماعية فكانت الحركةُ الاستعماريّة التي طوقت العالَم بأسره، وصراعاتُ المصالح المتواصلة، ثم الحَربَان العالَمِيَّتان (الأولى والثانية) والتكتّلاتُ التي تشكَّلت هي أبرزُ سماتِ تاريخِ تلك الحِقبة الزمنية الأخيرة لفتًا للنظر.
وإلى جانبِ أنَّ الصراعَ بين الدِّين والعلم هو أكثرُ ما شغَلَ أوساطَ المثقّفين والنخبةِ الغربيّة في العصور الأخيرة تأثرًا بهذه العوامل المذكورة آنفًا؛ فقد كانت “حركة التنوير” التي بدأت في القرن الثامن عشر ترى الإنسان مجرَّدَ عقلٍ، بينما “الوضعيةُ والمادّيةُ” اللتان أعقبتاها تَرَيَانِهِ مجرَّدَ مادّةٍ أو جسدٍ؛ ولذلك فقد توالت الأزماتُ المعنويّةُ والروحيةُ على وجه الخصوص في الغرب؛ ومن ثمَّ فإنَّ القول: إنَّ هذه الأزماتِ الروحيّةَ والاستياءَ المعنويَّ لتمثّلُ أكثرَ العناصر إذكاءً لصراعات المصالح التي شملت العالم بأسره في القرن المنصرم، وبلغت الذرى في أثناء الحرب العالمية الثانية -إنَّ قولَ ذلك- لن يكونَ نوعًا من المبالغة على الإطلاق.
وإنني لأعتقد أنَّ لدينا بعضَ القيم الأساسية في هذه النقطة يمكننا تقديمها إلى الإنسانية بصفةٍ عامّةٍ وإلى الغرب -بصفةٍ خاصّة- الذي تربطنا به علاقات متجذّرة من الناحية الاقتصادية، وبالتالي من الناحية الاجتماعية، بل والعسكرية؛ باعتبارنا نمتلك تاريخًا متميّزًا، ونظامًا عَقَدِيًّا حافظَ على أصالته، ويأتي في مقدمة هذه الأشياء التي نستطيع تقديمها مفهومُنا للإنسانية، ونظرتُنا للإنسان.
وهذه النظرة في الأساس خاصَّةً بنا نحن؛ أي إنها ليست نظرة ذاتيّة غير موضوعية؛ إنها النظرةُ الأكثرُ موضوعيةً التي تكشفُ عن حقيقة الإنسان. أجل، وكما سيعترف به الجميع، فإنَّ الإنسان كمخلوق ليس جسدًا فحسب، ولا عقلًا ومحاكمةً عقليةً فحسب، ولا أحاسيسَ فحسب، ولا روحًا فحسب، إنه كلٌّ في ذاته؛ أي إنَّه موجود مركَّبٌ بجسدِهِ المتلَوّي في شبكة كثيرٍ من الاحتياجات، وعقلِه الأشد احتياجًا من جسده حيث يجمع عليه آلام الماضي ومخاوف المستقبل، ويدفعه للبحث عن إجابةٍ لأسئلة: “من أنا؟ وما ماهية هذه الدنيا؟ وماذا تريد مني الحياة والموت؟ مَنْ أرسلني إلى الدنيا، ولأيِّ هدفٍ؟ إلى أين أذهب؟ وما هدف هذه الحياة؟ مَنْ مُرشدي في رحلةِ الدنيا هذه؟”، وأحاسيسِه التي تبحث عن الطمأنينة أكثرَ مما يبحث عنه العقل، وروحِه التي تمنحُه هويتها الإنسانية… وهكذا فإنَّ الإنسانَ الذي تدورُ حولَه كُلُّ الأنظمة والجهود يستطيعُ الوصولَ إلى السعادة الحقيقية إنْ دُرِسَ وقُيّمَ كموجود مركب بكلِّ جوانبه هذه، ووُفِّرت كل احتياجاته، وهكذا فإنَّ ترقّيه الحقيقيَّ في هذا الصدد، وتكامُلَهُ بصفته مخلوقًا؛ لا يُمكِنُ أن يتحقّق إلَّا من خلال التعليم فحسب”.
إن فتح الله كُولَنْ المتطرّق إلى أهمّيّة التعليم على هذا النحو يعتقد أن إنساننا لديه الكثيرُ من الأشياء التي يمكن أن يقدّمها للعالَم، ويعبرُ على النحو الآتي عن العامل والعنصرِ الدافعِ الداعم للحملة التعليمية التي بدأت في تركيا أوّلًا، وانتشرت في آسيا بعدها، ثم العالَم أجمع فيقول:
“يقول “سانت مارتن”: إن الثمار كلّما نضجت تصبُّ في الغرب، فجذع الشجرة في آسيا، والنبع المتفجّر من الشرق يفيض أنهارًا وأنهارًا باتجاه الغرب كي يُذهبَ ظمأَ كلِّ الموجودات”.
ولستُ أدري إنْ كان في تثبيت وتقييم هذا الغربي الذي يفوح اعترافًا نوعٌ من المبالغة أم لا! كما أنني لا أَنْتَوي التفريقَ بين الشرق والغرب أيضًا، إلا أنه ما من شكٍّ ألبتة في أنه توجد في بلدنا مُرَشِّحاتُ العقل والمحاكمة العقلية التي ستُصَفّي وتنقي مشاعرنا النابعة مما نشعر به من فراق وشوق في أعمقِ أعماقِ كياننا نحو آسيا الثاوية فيها جذورنا، وعند الدخول في هذه الأمور تتبين ضرورةُ التصرُّف في إطار إدراك النطاق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لذلك العصر والعصر الذي نعيشه، ويتم هذا عبر توحيد العقل والذهن، والمادة والمعنى على أفضل وجه وأتمِّه، والأحاسيس والمنطق مع العقل بدلًا من تلك المشاعر التي لا تلامس أقدامُها الأرض، ومِنْ ثمَّ التصرُّفُ التام في سياق الحكمة.
وفي إطار هذا الفهم الأساسي حاولتُ توجيه بعض أوجه حسنِ الظن بشخصي لصالح خدمة البلد والدولة والأمة، ودعوة شعبنا لإعانة الدولة في عملية التربية والتنشئة البشرية عبر افتتاح المدارس، فلا تتحقّق هزيمةُ الجهلِ إلا بالتعليم، ولا هزيمةُ الفقر إلَّا بالعمل والثراء، ولا التغلبُ على التشرذم والانقسامات الداخلية إلَّا بالتوحّد والحوار والتسامح، ولكنَّ كلَّ أنواع المشكلات ترجِعُ إلى الإنسان في نهاية المطاف.
أجل، إن جميع المشكلات على وجه البسيطة تبدأ بالإنسان وتنتهي به؛ ولذلك فالتعليم هو أكثر الوسائل تأثيرًا وفاعليّةً سواء بالنسبة لنظام مجتمعي سائر على نحو جيد أو متعطّل عن السير، أو به خلل بسيط، أو بالنسبة للقبر وما بعده.
وثمة مسألة أخرى تتعلّق بهذا الموضوع؛ وهي أن ثمّة عبارة منتشرة بين الشعب تقول: “لا غنى لجارٍ عن جاره”؛ فإن لم يكن لديكم ما يحتاجه الآخرون فلن يهتم بكم أحدٌ، ومن ثم فيجب أن يكون عطاؤنا للبشرية أكثرَ من أخذِنَا منها، واليومَ فإن المؤسسات التعليمية التي بثَّتها ونشرَتها وأسَّسَتْها في كلِّ أرجاء الدنيا في نشوةٍ وسعادةٍ عظيمةٍ أوقافٌ وشركاتُ قطاعاتٍ كثيرة من شعبنا قد مثَّلَها كثيرٌ من المؤسسات الخيرية، تحظى بالقبول في كل مكان، وبالرغم من الصعوبات العظيمة التي تواجهها من حيث الإمكانات المادية فقد صارت تتسابق مع مثيلاتها الغربية في فترة زمنية قصيرة، بل إنها تفوّقت عليها، ولا بد أن هذا دليل على استحالة إنكار ما ذَهَبتُ إليه”.
وبعد هذه التحليلات يجيب كُولَنْ عن سؤال: “لماذا آسيا أولًا؟” إجابةً موجزة على النحو الآتي:
“لقد تَفَتَّتَت الكتلة السوفيتية، ونالت الدول التي كانت ضمن هذا التكتل وصرنا اليوم نسميها “الجمهوريات التركية” – استقلالها واحدة تلوَ الأخرى، وكان من الممكن أن تكون هذه البلاد الشقيقة الواقعة في آسيا أوّلَ مكانٍ يجب أن تساعدَه وتساندَه بلادُنا التي تحتاج، وبشكل طبيعي، إلى تحالفات خارجيّة كي تحافظ على وجودها في عالم يتقلّص، بل والأكثر من ذلك كي تتمكن من أن تتبوّأ المكان المُشَرِّفَ اللائقَ بها في التوزانات الدولية والأمميّة، وقد كان كبار رجال دولتنا ممن على رأس الدولة آنذاك يشيرون إلى تلك الجهة؛ فنحن بحاجة إلى جماعات ضغط للحصول على دعم الدول الكبرى في التعريف ببلدنا، وحلِّ كثيرٍ من مشاكلنا العالمية، وندفع لهذه الجماعات الضاغطة مبالغ مالية لا يُستهان بها، وبدلًا من هذا فإنَّ تكوين تحالفات طبيعية والتفافنا ببيئة يُشكّلها الأصدقاء وليس الأعداء -كما هو الحال اليوم على المستوى القريب والبعيد- سيكون لصالح بلدِنا قطعًا، علاوة على أنه يمكننا التواصل مع تلك البلاد بكلّ راحة من الناحية الاقتصادية، ولا شكَّ أنَّ دخولَ مؤسّسات القطاع الحكومي ولا سيما القطاع الخاص هذه البلادَ بسرعةٍ سيكون وسيلةً لكثير من الخير بالنسبة لنا ولتلك البلاد على حدٍّ سواء، أما كان حريًا بدولتنا أن تُنجِزَ وتُسهِمَ في كل هذه الأمور؟ إنني أترك تقدير ذلك لأهل الإنصاف.
وكمسألةٍ أخرى في هذا فإنَّ آسيا هي موطننا الأصلي، ونحن نُدَرِّسُ لأبنائنا منذ سنوات عديدة في كتب التاريخ ودروسه أننا انتشرنا بالعالم انطلاقًا من آسيا؛ هاجرنا أفواجًا إثر أفواجٍ منها إلى هذا الجانب، واتجهنا نحو الغرب دائمًا… كما كانت آسيا القناةَ التي سقَتْنا الإسلام ماءً عذبًا زلالًا، وإن إعادة هذه الهجرة التاريخية التي تحرّكت من آسيا متّجهة إلى هذا الجانب قبل عشرة قرون من الزمان -إنَّ إعادتها- بواسطة فدائيّي المحبة الجُدد المكوَّنين من المعلمين ورجال الأعمال وأبطال التربية والتعليم إلى حيث أتت يعني الوفاءَ بدينٍ مستحقّ الوفاء، وكي نكتسب في هذه المسيرة التاريخية والاجتماعية وضعَ الـمُحاوِرِ القويِّ في مواجهة الغرب الذي لم نتقبله بأية حال رغم محاولتنا التكامل والاندماج معه منذ التنظيمات وحتى اليوم، والذي طُردنا واستُثقلنا فيه لتورُّعنا عن إبراز شخصيَّتِنا وهُويَّتِنا الأصيلة أمامه والكشفِ عنها، وكي تجري علاقتنا وتدور في إطار الدول المتكافئة بحيث تكونُ أنفع بالنسبة لهم أنفسهم أيضًا… كلّ ذلك مرتبطٌ بأنْ تكون أسسُ وجودنا في آسيا سليمة تمامًا، وإننا حين ننفصم عن آسيا التي هي ديار أجدادنا نُصبح بلا جذور، وبالتالي نصبح كشجرة حُكِم عليها بالجفاف والانهيار المدوِّي على الأرض”.
أ. نظرةٌعابرةٌعلى الانفتاح التربويّ في الخارج
إن أهل الأناضول الذين شجّعهم وحثّهم فتح الله كُولَنْ بهذه الأفكار والمشاعر شرعوا في القيام بحملة تعليميّة في آسيا أوّلًا، ثم في العالم تاليًا؛ وذلك بفضل بعض رجال الأعمال الذين أفرزهم الأناضول من داخله، وقد دعم هذه التعبئةَ دعمًا قويًّا رئيسُ الجمهورية “طُورْغُتْ أُوزَالْ (TurgutÖzal)” على وجه الخصوص، وكذلك “سليمان دَمِيرَالْ (SüleymanDemirel)” بعض الشيء أيضًا؛ فقد أسهم رئيسا الجمهورية هذان بفضل ما خطّاه من رسائل إلى رؤساء وقادة العديد من الدول والجمهوريات في انفراج ما كان يظهر من أزمات أحيانًا، وقد مهدت هذه الحملة التعليميّة السبيل لمبادراتٍ اقتصاديّة لصالح رجال الأعمال الأتراك، والحقيقةُ أنَّ هذه المبادرات لم تتحقّق بالمستوى الذي تحقّقت به الحملة التعليميّة؛ فتصرّفت تركيا ببطءٍ وقلقٍ أكثر من دول أخرى عديدة؛ فتخلّفت عن ركابِ غيرها في هذا الميدان، ومع هذا فقد كان المكسب الأساسي يصبُّ في صالح تركيا أيضًا على حدِّ قول الإعلاميّ “جَنْك قُورَايْ (CenkKoray)”:
“حين نالت كازاخستان استقلالها هُرعت إليها الدول الأجنبية؛ فسيطر الكوريون على صناعة النحاس، والأمريكيون على صناعة النفط، وتصدّرَ الألمان في مجال البنوك، وعلى حين سارعَ كلُّ واحدٍ من هؤلاء إلى الثروات والموارد الطبيعية هناك اهتمَّ الأستاذ فتح الله بأهم مصدر فيها: ألا وهو الإنسان؛ فالنحاس ينفد يومًا ما، لكن الإنسان هو عنصر الاستثمار الأثمن والأغلى.
فإنَّ هذا الاستثمار الذي توفّرَ لصالح شعب آسيا بهذه الطريقة حقّقَ رواجًا وقبولًا حقيقيًّا؛ فقد حظيت المدارس -بخلاف بعض الاستثناءات المحدودة- بمعاملةٍ خاصّةٍ وقبولٍ واستحسانٍ من جانب حكومات وشعوب البلاد التي أُنشئت فيها، فمن ذلك على سبيل المثال أن “صابر (صفر) مراد نيازوف” رئيس دولة تركمانستان أرسل عندما خرَّجت المدارس المفتتحة هناك أوَّلَ دفعةٍ من طلابها رسالةً عبَّرَ فيها عن شكره وتقديره الشخصي لتركيا دولةً وشعبًا” .
ومثال آخر على ذلك أنه تمّ تخصيصُ قسمٍ من مبنى قيادة الأكاديمية الحربية للمدرسة التي افتُتِحت في “تيرانا” عاصمة ألبانيا، وهذا تعبيرٌ مهمٌّ جدًّا عن الثقة المتوفّرة تجاه المدرسةِ والدعمِ المُقدَّمِ لها في الوقت نفسه، علاوةً على هذا فإن “رجب مَيْدَانِي” -الذي اُنتُخِبَ فيما بعد رئيسًا للجمهورية في ألبانيا- عَمِلَ مدرّسًا للفيزياء في تلك المدرسة.
وأما “فرائي طينج (FeraiTınç)” الكاتبة في صحيفة “حُرِّيّت (Hürriyet)” فقد زارتْ المدرسة التركية الروسية في “موسكو”، ونقلتْ أن السيد “كوزنتسوف (Kuznetsov)” -مساعد رئيس لجنة التعليم الحكومي في “موسكو” آنذاك- قال عن هذه المدرسة بكلّ نشوة وامتنان:
“إنَّ هذه المدرسة ثمرةُ حبِّ أناس يتبادلون المحبّة فيما بينهم ويرغبون في تنشئة جيل جديد من المواطنين في كلٍّ من تركيا وروسيا” .
ويمكن التعرُّفُ على أسبابِ نيلِ هذه المدارس هذا القدرَ من القبول والاستحسان من خلال مراجعة آراءِ زوّارِها من الصحافيين والكُتّاب:
ب. عواملنجاحالمدارس
هذه المدارس تُقدّم تعليمًا وتربيةً في غاية الحُسنِ والجودة، وقد ثبت هذا الأمر بحصولها على أعلى الدرجات وأرفع القلادات والأوسمة خلالَ حقبةٍ زمنيّةٍ قصيرةٍ، وذلك عن طريق المسابقات العلميّة في شتّى بقاع العالم، ناهيك عن الْتِحاق خريّجِيهَا كلِّهم تقريبًا بالجامعات، ووفقًا لرأي الصحفي “خلوصي طُورْغُتْ (HulusiTurgut)” الذي نَشَرَ سلسلةً من المقالات حول تلك المدارس استمرت ثلاثة أسابيع في صحفية “القرن الجديد (YeniYüzyıl)” ما بين 15 يناير/كانون الثاني (1998م) – 4 فبراير/شباط (1998م) فقد نافست هذه المدارس -وما تزال- مثيلاتها في تركيا في مجال المسابقات العلمية، ونظرًا لنجاحاتها فإنَّ الملحقيّات والبعثات الأجنبية في الدول التي توجد بها قد فضّلتها لأبنائها بصفةٍ عامة.
وقد أجرى “بَكِيمْ أَغَائِي (BekimAgai)” الباحث التربوي المقدونيّ المعروف عالميًّا وداخليًّا في ألمانيا، وأحد أفراد المجموعة البحثية التابعة لوقف “ولكس واجن (Volkswagen)” الألماني دراسةَ دكتوراه حول هذه المدارس، وقد قال ما نصّه:
“لقد أُحسِنَ تجهيزُ هذه المدارس إحسانًا، وهي تُقدِّم تربيةً وتعليمًا يَبُزُّ أيَّ مدرسة أخرى في المنطقة، وتُلمسُ نتائج هذا في صورة نجاحٍ عظيمٍ جدًّا في الإطار المحلّي، بل والعالميّ أيضًا”.
وهذه المدارس لا تكتفي بتقديم تعليم عالي المستوى فحسب، بل إنها -علاوةً على ذلك- تقدّم تربية في غاية الرقيّ والجَودة، ويعبّر “بكيم” عن هذا بقوله:
“إنهم كما يُعلِّمون طلابهم العلوم التطبيقيّة فإنهم إلى جانب ذلك يُربُّونهم ويؤدبونهم بأدبٍ رفيعٍ ليكونوا أناسًا نافعين للآخرين”.
وبذلك يبدأ البناء الأسري يتأسس من جديد بعد أن بدا منهارًا في أماكن كثيرة، وفي ظلِّ هؤلاء الطلاب المداومين على تلك المدارس تُلَملِمُ كثيرٌ من العائلات المتفرِّقةِ شملَها من جديد، ووفقًا لما سجّله “جَنْكْ قُورَايْ”:
“فإنهم يُنَشّئُون الطلاب ويربّونهم على خصالٍ كادت تنمحي من بلدنا مثل: احترام الكبير، ومحبة الصغير، والتسامح والصبر والخير والاستقامة “.
وعلى حين يتحدث الصحفي “علي بَايْرَامْ أُوغْلُو (AliBayramoğlu)” عن انطباعاته المتعلّقة بتلك المدارس يقول: “إنها أحدثت تغيرًا أخلاقيًّا لدى الأطفال، وغَرَسَت في الطلاب احترامًا رائعًا يعتمد على القيم التقليدية”، ويُضيف أنه أحسَّ بتكوُّنِ نظامٍ خالصٍ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ جدًّا .
وبينما يؤكّد “خلوصي طُورْغُتْ” في سلسلة مقالاته حول المدارس أن طلّابها أقلعوا عن التدخين والكحوليات؛ ينقل “محمد أَلْطَانْ (MehmetAltan)” أيضًا ما قالته سيدتان من أولياء الأمور في “موسكو”:
“نرسل أطفالنا إلى هذه المدارس لأنها تُدرِّس باللغة الإنجليزية، ولا تُدخَّنُ فيها السجائر” .
والخاصية الأخرى الأهمّ التي تميّز هذه المدارس ومثيلاتها في تركيا عن غيرها من المؤسسات التعليمية ولا توجد بهذا القدر على الأقل عند غيرها أنَّها تُشَكِّلُ وفاقًا وسلامًا اجتماعيًّا ومناخًا من التسامح والطمأنينة حيث وجدت، وهي السمة البارزة التي تتطرّق إليها بالدرجة الأولى كلٌّ منْ “نوّال سَوِينْدِي (NevvalSevindi)” و”نَازْلِي إِيلِيجَاقْ (NazlıIlıcak)” مثلًا، أمَّا “محمد ألطان” الذي زار بعضًا من تلك المدارس في روسيا فيركز على النقطة نفسها قائلًا:
“تعجز أزمات المرحلة الانتقالية أن تتسلّل إلى هذه المدارس؛ فطقوس الحبّ والاحترام هي السائدة فيها، والعوائل تعلَمُ أينَ وكيفَ يعيش أطفالها، وهم مسرورن من هذا”.
أما “بكيم أغائي” فيؤكد على أن المدارس ما هي إلا واحاتُ استقرارٍ وسلامٍ.
والنتائج التي توصل إليها كُلٌّ مِن “جَنّتْ أَنْغِينْ دَمِيرْ (CennetEnginDemir)” و”عائشة بَالْجِي (AyşeBalcı)” اللتَين أَجْرَتَا دراسة حول المدارس الموجودة في “تركمانستان” و”قيرغيزستان” تحت إشراف أ. د. “فُوسُونْ آقُّوقْ (FüsunAkkok)” بقسم العلوم التربوية بكلية التربية في “جامعة الشرق الأوسط للعلوم التقنية (ODTÜ)” وذلك عبر لقاءات مباشرة مع الطلاب والمدرسين وأولياء الأمور فإنَّها لم تكن مختلفة عن ذلك؛ فهم -أي أولياء الأمور- أيضًا يذكرون أن الأسباب الرئيسة في تسجيلهم أبناءَهم بتلك المدارس تتمثّل في نشأة الطلاب مُتحَلِّينَ بالأخلاق، صادقين، منظمين ومجتهدين، يحسنون معاملة أبويهم وأصدقائهم إلى جانب نجاح تلك المدارس وتفوقها في تعليم اللغات والعلوم الطبيعية والحاسوب .
وثمَّةَ شأنٌ آخر يجب التأكيد عليه فيما يتعلّق بالمدارس هو أن المدرّسين تربويُّون جيّدون وفدائيّون في الوقت ذاته، وهذه نقطةٌ مهمّةٌ جدًّا لفتَتْ انتباهَ جميعِ المراقبين، وأكَّدوا عليها بصفةٍ خاصّة، وتُبَيِّنُ كُلٌّ من “جَنّتْ أَنْغِينْ دَمِيرْ” و”عائشة بَالْجِي” أنَّ المدرسين والإداريين أقاموا علاقات طيّبة جدًّا بين المدرسة وبين أولياء الأمور، وأنَّ أولياء الأمور مسرورون جدًّا من هذا الأمر، علاوةً على أنّ المدرّسين يُساعدون طلّابهم دومًا، ويتصرّفون بإيجابيّة شديدة تجاه أولياء الأمور، ويلفت الباحث الاقتصادي “مصطفى أُوزَلْ (MustafaÖzel)” كذلك الانتباه إلى هذه النقطة التي تحظى بالمرتبة الأولى في انطباعاته فيقول:
“تتراوح أعمار المدرسين الأتراك ما بين 20-25 عامًا؛ فكلّهم شبابٌ ومثاليّة، يُفهم من كلّ أحوالهم أنهم قَصَرُوا يومَهم على تربية طلابهم وتعليمهم، أما رواتبُهم الشهريةُ فكانت مقصورة على قدر احتياجاتهم الضرورية، أي إنَّ ما يدفعُهم لهذا العمل ليس المقابلَ المادي، بل الفكرةُ المثالية” .
وتوضح “بَرْنَا تُورَامْ (BernaTuram)” من جامعة “ماكجيل (McGill)” الأمريكية أن المدارس التي ارتبط ذكرها بـ”كُولَنْ” تهدف إلى بناء جسور بين الدِّين والمؤسسات العلمانية في إطار مشروع المجتمع المدني، كما تذكُرُ أنَّ كُولَنْ يضطلع بدورٍ مهمٍّ في تكوّن المجتمع المدني في تركيا وانضمامه إلى المجتمع الدولي، ثم تضيف قائلةً:
“إن المقررات الدراسية المعتمدة فيها لا تقدم الإسلام وتركيا على ما سواهما؛ فالتعليم فيها علماني، إنها لا تدرس تعليمًا دينيًّا، وإنّما تُدرِّسُ تاريخ الأديان، ومن هذه الناحية يتّضح أن المدارس لا تركّز على مصالح خاصّة بالذين بَنوها، ناهيك عن أن تركز أو تضع قضايا تركيا ومصالحها القومية في الصدارة، ومع هذا ومهما كانت اللغة الإنجليزية هي لغة التعليم الرئيسة في تلك المدارس؛ إلا أن فتح الله كُولَنْ يهدف إلى جعل اللغة التركية لغةَ تواصلٍ وتفاهمٍ عالميّة، كما أنَّ المدرسين الذين تحدثتُ معهم تطرّقوا إلى أهمية إجادة اللغة التركية وحُسن استخدامها، والطلاب الذين التقيتهم في كازاخستان يعرفون التركية جيّدًا، ويمثّلُ الخريجون جسرًا ممتدًّا ما بين تركيا وكازاخستان.
المدارس تمحو التصرفات والسلوكيات غير الأخلاقية الباقية من العهود السابقة، ويتكامل النجاح المتحقق في المسابقات العلمية العالمية، ويتجانس مع عنصر الثقافة والنظام والتعليم الأخلاقي.
والنموذج التعليمي الذي تتبعه المدارسُ يعمل على تحقيق التوافق بين المفاهيم والتقاربات المتصارعة ما بين الدِّين والعقل من ناحية والتعليم العلماني من ناحية أخرى، وبين الحداثة والتقاليد، ويُلاحظ في المدرسين تضحية وتفانٍ عالٍ جدًّا، ولم تُرصد في المدارس رغبةٌ في التوسع العالمي؛ فبالرغم من الشكوك والرِّيَبِ التي تردَّدَتْ من أن الأتراك سيحلون محَلَّ النفوذ والتفوق السوفيتي إلا أن المدارس تضطلع بمهمّة بناء جسرٍ للحوار بين الدول والحضارات، بينما القِيَم الإنسانيَّةُ تتصدّر قائمة أهدافها كلها .
ج. موضوعدعمالمدارسمادّيًّاوفكرةالاقتصادلدىكُولَنْ
وكما هو حال فتح الله كُولَنْ في غير ذلك من المواضيع نجدُه -بين الحين والآخر- يُخرِجُ أفكارَه الاقتصادية للرأي العام ليقيّمها وينظر فيها، والتي حين نتناولها وندرسها بصورة كلّية ومتكاملة حيويّة نجدها -رغم أنها ليست أفكارَ متخصّصٍ في الاقتصاد- بمثابة مجموعة من المبادئِ العامّة التي تخصُّ الجانب الاقتصادي من حركته وعمله؛ فمثلًا في مقالته المعنونة بـما ترجمَتُه “التآكلات وروح الأمة” المنشورة في العدد رقم (110) من مجلة “سزينتي” التركية بتاريخ مارس/آذار من عام (1988م) يؤكّد على ضرورة إعمار تركيا بدءًا “من أكبر المدن إلى أصغر القصاب، ومنها إلى أبعد قرية فيها”، ولأجل ذلك لا بدّ من إضافة أبعادٍ جديدة على القضايا الاجتماعية الاقتصادية المتوارَثة منذ عصور، والانتباه إلى الظروف العالمية المتنامية، وإضافة أبعادٍ جديدة كذلك إلى حياتنا الفكرية وإيجاد الحلول، ويقول ما يأتي:
“لا بد من إضافة أبعاد جديدة إلى الزراعة عبر استخدام التقنية الحديثة، والبلوغ بالصناعة إلى المستوى الذي تتنافس فيه مع البلاد المتقدّمة، التي رادَت فيها بواسطة السعي والكدّ سنين عددًا، وينبغي الاستفادة من ثرواتنا سواء الكامنة منها في باطن الأرض أو التي على سطحها، وتقديمُها ليستفيد منها أهلونا، ولا بد كذلك أن تنطلق من عندنا أفواجًا أفواجًا قوافلُ التصدير متّجهةً إلى كلّ أنحاء العالم، ومهما كانت التكلفة فإنه ينبغي لعُملتنا أن تأخذ مكانها اللائق بها في أسواق المال العالمية؛ ولا بد أن تُحَقّقَ دون تأخيرٍ تلك الوعودُ المبذولةُ منذ سنوات من قبيل: “تقوية الأمة”، و”رفع مستوى الرفاهية والمعيشة لدى الشعب” .
وفي تقييم آخر له يقول فتح الله كُولَنْ:
“ينبغي لكلِّ مؤمن أنْ يَجِدَ سبيلًا للثراء؛ على أن يكون ذلك في إطار دائرة الشرع، وينبغي كذلك دمجُ الثروات إنْ لزم الأمر، ولا بد من السير نحو الاستثمار في كل أنواع الاستثمار السائدة، والمفتوحة للمنافسة في الداخل والخارج، ويلزم ألا تُنسى التأثيرات الاقتصادية في هذا الشأن من أجل احتضان الأجيال القادمة وتحويل الزمان بكلِّ جوانبه لصالحنا عبر أشخاص مربّينَ ومزودين بالعلوم الدينية والطبيعية، فكلُّ سببٍ مشروعٍ في طريق الخير وكل سببٍ يؤدي إلى ذلك الخير هو عبادةٌ” .
وعلى صعيدٍ آخر نجد فتح الله كُولَنْ يركّز على بعض الشروط الأساسية السارية بالنسبة للجميع في كل مكان وزمان؛ فوفقًا له سيكونُ دور التجارة المستقبلية وما تبشّر به من أشياء أكثرَ من التوقعات المنتظرة في المستقبل بكثيرٍ من الوقت الراهن، وكما هو الحال في كل شيء؛ فإن للعلم والتخصّص في التجارة والحرفة أهميةً عظيمةً، ومع هذا ينبغي ألا يُنسى أن هاتين الحرفتين تعتمدان أساسًا على التلمذة والتدريب الصناعي، وفي الكتب كمٌّ هائلٌ من المسائل المشروحة تكشف أنه من غير المتوقّع أنْ يتحقق المأمول والمنتظر ما لم يقِف المتعلّمُ الماهرُ والحرفيُّ المتدربُ على جَوهَرِ وجَوهَرَةِ المهارة.
وفتح الله كُولَنْ الذي يرى في ضوء بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أنَّ “ما يقضيه التاجر من وقتٍ في شؤون تجارته وهو يراعي الحلال والحرام إنّما هو محض عبادة”؛ يؤكد على أن الاستقامة والأمانة وإدراكَ روح العصر الحالي والتصرف بكل لباقة وأدب مع الزبائن هو روحُ التجارة، كما يرى أن التاجر والحرفي ينبغي له أن يكون عذبَ اللسان طلقَ الوجه متواضعًا، صادقًا في كلامه، لا يسأم ولا يضجر، ويركز كُولَنْ على نقطة أخرى مهمّة في موضوع التجارة؛ إذ يقول:
“الذين يفتحون أماكن عملهم قبل ساعة من المعتاد، ويغلقونها بعد ساعة من المعتاد يجعلون أيام أشهرهم خمسةً وثلاثين يومًا وأيام سنتهم أربعمائة وعشرين يومًا…” .
وقد أوصى فتح الله كُولَنْ رجال الأعمال المبادرين بالانفتاح على الخارج أيضًا في المجال الاقتصادي إلى جانب المجال التعليمي؛ ومن ذلك على سبيل المثال كلماته الآتية المتعلقة بالانفتاح على آسيا الوسطى:
“لقد تأخّرنا كثيرًا في الانفتاح على آسيا الوسطى، ولا سيما في المجالين التجاري والصناعي؛ فقد تعذَّر علينا أن ننجح في كلا المجالين السابقين بقدر ما وُفِّقْنَا ونجحْنا في المجال التربوي والتعليمي… ينبغي للدولة أن تتناول هذا الموضوع وتهتمّ به بشكل أعمق، أي إنَّه كان ينبغي لها أن تُنْشئَ مكاتب استشارية، وتسهم في التنظيمات القانونية، وتقدم تسهيلات وتيسيرات لمن سيذهب إلى هناك ويستثمر من رجال أعمالنا، وتبرم اتفاقيّات دولية، ولكن إنْ كانت هذه المسألةُ لا تُدرسُ على مستوى الدولة، فإننا كأمة وشعب يلزمنا أن نفعل ما يقع على عاتقنا من مسؤولية أو ما زلنا نستطيع فعله؛ فكل ثانية تمرّ هباءً في هذا السبيل خسارةٌ عظيمةٌ” .
لقد دَاومَ فتح الله كُولَنْ على نُصحِ المبادرين الأتراك في مجالي التعليم والاقتصاد على حدٍّ سواء، في سبيل الوصول إلى مثل هذه الغاية، ووجَّهَ ما يحظى به من احترام لدى الرأي العام إلى خدمة هذا الوطن، ومِنْ ثمَّ فإنَّ بعضَ الذين اهتمّوا بتوصياته وتحركوا بناء على ثقتهم به حقّقوا أنشطة في المجالين التربوي التعليمي والاقتصادي داخل تركيا وخارجها، وما زالوا يحققون وفقًا لمعايير محدّدة، ومن ثمّ فلا بدَّ أنْ يُبحث في هذه المبادرات عن تمويل تلكَ المدارسِ الذي جُعل موضوعًا للتخمينات والتكهّنات المغرضة من قِبَلِ البعض في تركيا؛ فالعديدُ من المبادرين الأتراك الراجين الفوز برضا الله تعالى وبالآخرة المفكرين في مصلحة الإنسانية أفرزوا -دون أن يكون للدولة أيُّ إسهامٍ ماديٍّ في ذلك- حركةً مِن المتطوعين تسير على الخطّ الذي جعلوا فيه التنافسَ في الخير فلسفتَهم في الحياة، ولذا فإنَّ تواجُد أناس من مختلف الأفكار بين أفراد هذه الحركة ينبغي ألا تُحيّرنا على الإطلاق.
وعلى هذا فإنَّه يمكن القول إنَّه قد بدأت مرحلةٌ من التعبئة والتعاون في التعليم التطوّعيّ، وفي الناحية الاقتصادية كذلك وإن لم تكن بقدر ما في المجال التعليمي، ويُركّز “خلوصي طُورْغُتْ” على هذه النقطة أيضًا في سلسلة مقالاته السالفة الذكر فيقول:
“إن الفِرقَ والمجموعات الصارفة جهدًا غير عادي من أجل افتتاح المدارس في الجمهوريات التركية بآسيا الوسطى والقوقاز ودول الستار الحديدي أقامت علاقات طيبةً مع البيروقراطيّين، حيث ذهبت إليهم ونالت ثقتهم في فترة زمنيّة وجيزة.
وفي تلك الأثناء كان مؤسّسو المدارس الذين ساعدوا المبادرين القادمين من تركيا إلى بلادهم للعمل يوفّرون لهم أفضل ما يملكون من إمكانيات، وكان من المتوقّع أن يبدأ رجال الأعمال هؤلاء في ربح أموال جيّدة مع مرور الوقت، فيسعون بكلِّ مودّة وعن طِيبِ خاطر لسدِّ العجز في تمويل تلك المدارس، وبإيجاز فإنَّ مموّلي المدارس الموجودة في الخارج سينتهجون المنهجَ ذاته.
وقد أُسِّست شركاتٌ للمدارس المنتشرة في خمس قارات من العالم، وراجعت هذه الشركات وزارةَ التربية والتعليم التركية بشأن المدارس التي ستفتتحها بالخارج، وحصلت على التصاريح اللازمة، وفي إثرِ ذلك برزَ مربُّون سيتولون المهمة، واختير المدرِّسون من بين الشباب خِرِّيجي أحسن جامعات بلدنا”.
د. بعض الانطباعات والتقييمات المهمّة
لقد زار كثيرٌ من الأشخاص -من داخل تركيا ومن خارجها- المدارسَ المنتشرة في شتّى ربوع العالم، وعبّروا عن انطباعاتهم وتقييماتهم لها إما كتابة أو مشافهة.
وسوف ننقل هنا بعضَ الانطباعات والتقييمات الخاصة بهذه المدارس:
نتاج المبادرات المدنيّة اللامركزية
“هذه المدارس لا تتبع تمويلًا مركزيًّا بالمرة؛ فكلُّ مدرسة تُمَوّلُ من قِبلِ محافظة أو مركز، أو من جانب أحد الأثرياء، أما المدرّسون فقد تخرجوا في جامعات تركيا مثلَ “جامعة مَرْمَرَة (Marmara)” و” جامعة بُوغَازْإِيجِي (Boğaziçi)” و”جامعة الشرق الأوسط للعلوم التقنية (ODTÜ)”، ويُدرّسون باللغة الإنكليزية، وكلّهم تقريبًا بدؤوا العملَ بالتدريس بعد تخرجهم مباشرة، ورواتبهم محصورة في قدر احتياجاتهم الضرورية، وليست لديهم القدرة على ادِّخار أيّ شيءٍ تقريبًا” .
“عَلِي بَايْرَامْ أُوغْلُو (Bayramoğlu)” [الصحفي]
ميزة ودرجة إضافية لصالح تركيا
“إنْ كان ولا بدّ من قول الحقيقة فقد كنت أظنُّ أنني سأشاهد في المدارس الموجودة في آسيا الوسطى تنظيمًا يسعى لتوسيع جماعته بواسطة التعليم الديني، وبعد جولتي فيها تغيّر حكمي المسبقُ هذا؛ إذ رأيت أن الفعاليات التي تضطلع بها هذه الحركة تصبّ في خانة تركيا وتضيف إليها نقاطًا أكثر مما تصب في خانة الحركة” .
“أَطِلْغَانْ بَيَارْ (AtılganBayar)” [الصحفي]
الأستاذ فتح الله تربويٌّ تقدميٌ
“إن الأستاذ فتح الله تقدُّمِيٌّ فيما يتعلّق بالمجال التعليمي؛ فقد تجولت في جامعة لهم ومدرستين، وأنا يراودني سؤال: أهذه المدارس مدارس دعوية إسلامية تقوم كلُّ واحدة منها على الأسس الدينية؟! إلا أنني رأيت على أرض الواقع أنها لا تمتُّ إلى التبشير بِصِلة، وشهدت على أن الأولاد الذين تربوا فيها قد تربوا تربية جيدة” .
“عُزَيْر غريح (Garih)” [رجل أعمال]
المدارس هي رؤيةُ تركيا
“لقد أمدَّ الأستاذُ الشبابَ التركيَّ المتعثّر المتلعثم بسبب اللاغاية -أمدّه- بغاية سامية، فكِّروا! إنَّ هؤلاء الشباب يخدمون براتب جزئيٍّ بسيطٍ في بلدٍ تصل حرارته صيفًا إلى أكثر من (35) درجة مئوية، بينما تنخفض شتاء إلى أقل من (65) درجة مئوية، إن شعور التعبئة والتفاني هذا حادثة نَدُرَ أنْ صادفها التاريخ، وإنني لسعيدٌ جدًّا لأنني تعرّفت على أفق كهذا وإن كنت جاوزت السبعين من عمري.
اِلتَفُّوا كلكم حول هذه الهالة من الحبّ، فواجبنا أن نواصل هذه الحملة الجميلة؛ إذ لا أحد فينا مخلد، الله ربّنا فحسب هو الأبدي الباقي.
وقد قال لي أحد السفراء السابقين في “أنقرة”:
عُين شابٌّ كان يعمل في الخارجية التركية سفيرًا بـ”أولان باتور (Ulanbatur)” عاصمة دولة “منغوليا”؛ فذهب إلى أحدِ أساتذته من ذوي الخبرة وسأله: “ليست لديّ أية معلومة عن هذه المدينة، فهل أذهب إليها؟”.
فأجابه أستاذه السفير:
“اذهب وتفحّص الأمر، فإن لم تكن الظروف ملائمة فارجع!”.
وحين نزل هذا السفيرُ التركي الشابُّ من الطائرة استقبله شابٌّ تركي مهذّبٌ قائلًا:
“أَهْلًا بكم يا سيدي!”
فلما سأله السفيرُ المندهش لهذا الموقف قائلًا:
“من أنت؟”
أجابه مُستقبِلُهُ:
“أنا منسّق المدرستين التركيّتين هنا، سمعنا بتشريفكم، فجئنا للترحيب بكم، وقد هيّأْنا مكانًا لإقامتكم، وجهزنا مكانًا للسفارة، تفضلوا وابدؤوا عملكم؛ فنحن والمنغوليون ننتظركم”.
فلما جاء عيد الجمهورية في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأوّل فكَّر السيد السفير وحارَ في الأمر؛ فليس لديه مخصّصات ولا إمكانيات، إنه في مكان أجنبي ولا يعرف أحدًا، فإذا بذلك الشاب أيضًا يُهرع إلى مساعدته؛ فيفتح قاعة إحدى المدرستين، وينظّمون مع المنغوليين احتفالات عيد الجمهورية، وعند عودة السفير الشاب ملفوفًا بالحيرة إلى تركيا راح يقصّ الأمر باكيًا على السفير السابق الذي يخاطبه بـكلمة “أستاذي”، ويسأله:
“أيّة حالةٍ روحيّةٍ هذه، مَن رَبَّى هؤلاء؟”.
إن فهم الجمال وإدراك كنهِهِ لا يمكن إلا بمعرفة معنى الجمال، فنحن وأنتم، كلنا في عصر نعرف فيه الجمال والحب، ندينُ لكم بالحبِّ، وكل الأماكن تستحيل قادرة وقوية حين تنشرون حبكم” .
“آيْدِنْ بُولَاقْ (AydınBolak)” [رجل أعمال]
المدارس مفخرةٌ
“فهذا نظام ناجح يعمل جيّدًا، ويجب على الدولة أن تدعمها؛ إن ظهرت ضرورة إلى المساعدة؛ فالمدارس تحقّق انفتاح بلادنا على العالَم وإقامة الروابط الثقافية بينها وبين العالم الخارجي” .
“سامي كوهين (SamiKohen)” [رجل أعمال]
تزرعون التسامح
“هذه المدارس تساهم إيجابيًّا في تطوّر التعاون القائم بين دولتنا وشعوبنا في المجال التربوي التعليميّ، وفي تنمية هذا التعاون بشكل متوازنٍ وشاملٍ في كلّ المجالات في صورة كُلٍّ متكامل، وفي زيادة الفهم بين الأجيال الشابة”.
“سليمان دَمِيرَالْ (SüleymanDemirel)” [رئيس الجمهورية التركية التاسع]
“إن خدماتكم ستُسطَّر في تاريخ نهضة شعبنا القوميّة بحروفٍ لا تنمحي”.
“صابر مراد نيازوف” [رئيس جمهورية تركمانستان]
“إنَّ أكبر عمل تربوي وتعليمي في العالم هو ذاك الذي يقومُ به فتح الله كُولَن ورفاقه، علينا ألا نُفسد مساعي وجهودَ هؤلاء البشر المجتهدين الأوفياء، وألا نضعَ العراقيل أمامهم؛ ففي هذه المدارس تنشأ النماذج المثقفة الجديدة، العاشقة لبلاده”.
“كُوكْصَالْ طُوبْطَانْ (KöksalToptan)” [وزير التربية والتعليم التركي السابق]
“إنَّ التقديرَ ليعجزُ أمام الإسهامات والخدمات التي تنجزها هذه المؤسساتُ الفريدةُ لصالحِ العالمِ، وأمام كلّ كوادرها التعليميّة أيضًا، فهي تُدَرِّسُ عبرَ مناهج معاصرة تمامًا وتنشِّئُ أفرادًا لمجتمعات المَعرِفَة في القرن الحادي والعشرين”.
الجنرال “خالص برهان (HalisBurhan)” [قائد القوات الجوّيّة التركية المتقاعد]
“رأيت في زيارتي أن التعليم في هذه المدارس نزيه وغير متحيّز، ويتمّ بنمطٍ علميٍّ وجادّ”.
“أَرْدِينْجْ تُورَه (ErdinçTüre)” [قائد القوات الجوّيّة التركية المتقاعد]
“إن اشتراكي في هذا الحفل -الذي تنظّمه الثانوية التركية الدولية في “كوستنجة (Köstence)”، والتي هي مدينة البحر الأسود الجميلة- في “رومانيا” الصديق المقرّب جدًّا من بلدي تركيا لَيُمثّلُ شرفًا وسعادةً حقيقيّةً بالنسبة لي”.
“كُولْ أَمْرَه آيْبَرْص (GülemreAybars)” [العميد البحري التركي المتقاعد]
“المهمُّ هو تحقيق مستوى من الجودة التعليميّة؛ فقد شاهد كثير من معارفي هذه المدارسَ، وامتدحوا التعليم المعاصر الذي يُقَدَّم؛ بل إن أبناء المسؤولين في تلك الدول يتعلّمون في هذه المدارس، لقد حظي هذا التعليم المعاصر المتسامح المنفتح على العالَم بأسره بالقبول والاستحسان في العالَم؛ حيث لا ينحاز لِبُنْيَةٍ أيديولوجيّة بعينها”.
“فياض بَرْكَرْ (FeyyazBerker)” [رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات “تَكْفَن (TEKFEN)”]
“لقد سمعت أخبارًا طيبة جميلة بحقّ المدارس التركية حول العالَم، وفيها يُقدّمُ تعليم معاصر”.
“شارق طَارَا (ŞarıkTara)” [رئيس مجلس مجموعة “أنقى (ENKA)”]
هـ..الفكرالتربويلدىفتحاللهكُولَنْومثاليَّتُهوملاحظةٌمهمةبشأنالمدارس
حين رأى الأب “توماس ميشيل” أمين جمعيّة “يسوع” لحوار الأديان وأمين اتحاد مؤتمرات الأساقفة الآسيويين للشؤون الدينية ثانويةَ التسامح الفلبينية التركية في مدينة “زامبوانغا (Zamboanga)” -التي حاربت فيها قوات الدولة أتباع حركة “مورو (Moro)” لسنوات طويلة، والتي يشكل المسلمون نصف سكانها بينما يشكل المسيحيون النصف الآخر- زارها شغفًا وتطلُّعًا إليها؛ فشاهد بِدَهشَةٍ بالغةٍ كيف أنَّ هذه المدرسة المقامة “في هذه المدينة التي انتشرت فيها حروب العصابات وحوداث الخطف والمداهمات والاعتقالات وحالات الاختفاء المفاجئ والقتل حتى صارت كل هذه الأشياء أمورًا عادية” -على حدّ قوله- تُؤْوِي بداخلها، وفي جو من التلاحم والتعاضد، أكثرَ من ألف طالب بعضهم مسلمون وبعضهم مسيحيّون، وذلك إلى جانب ما تقدّمه من تعليم وتربية عالية الجودة، ثم تجول ميشيل في “قيرغيزستان” لاحقًا وتحيَّر لمستوى التعليم في المدرسة المقامة في “بشكك (Bişkek)”، وتعَلُّمِ التلاميذ اللغة ومهاراتهم في استخدامها، وكذلك ما حققوه من نجاحات في المسابقات الأكاديمية، بل قد رأى ما هو أكثر من ذلك؛ رأى كيف أن التلاميذ الأمريكيين والكوريين والأتراك يتلقون تعليمهم سويًّا مع التلاميذ الأفغان والإيرانيين في مناخٍ رائعٍ وممتازٍ من التآلف والتلاحم أيضًا، كما لفت انتباهَه ما يتحلّى به المدرّسون من صدقٍ واجتهادٍ ووعيٍ ضميريٍّ وتناغمٍ متبادل، كُلُّ هذا جذب “ميشيل” إلى التعرّف على الفلسفة الداعمة لهذا المنظر واللوحة، ونظرًا لأن هذه المدارس تُقَدَّمُ إلى الرأي العام بشكل أو بآخر على أنها لصيقة الصلة بـ”فتح الله كُولَنْ” فقد بدأ هو كذلك يقرأ مؤلَّفات الأستاذ، فتوصل الأب ميشيل -الذي طابق بين ما قرأه في مؤلفات الأستاذ وما رآه على أرض الواقع- إلى مجموعة من النتائج تحدّث عنها في ورقة بحثيّة قدمها لندوة نُظِّمَت حول كُولَنْ في جامعة “جورجتاون (Georgetown)” في أبريل/نيسان عام (2001م) يمكن تلخيصها على النحو الآتي:
“يرى كُولَنْ أن المدرسة والمؤسّسات التي تُحصَّلُ فيها العلوم والمعنويات الواجب تلاحمُها وتكاملُها إنْ صارت متنافسةً متناحرة معاديةً لبعضِها فإنها تُمهّدُ السبيلَ لصِراعٍ قال عنه كُولَنْ نفسه: إنه يجب ألا يحدث: إنه صراع العلم والدين؛ فقد وضع هذا الصراع الذي لا طائلَ من ورائه رجالَ العلم في جانب والسياسيين والزعماء الدينيّين في الجانب الآخر في القرنين التاسع عشر والعشرين، مما تسبب في تحلُّلٍ وانقساماتٍ حادّةٍ في فلسفة التعليم ومناهجه، وإنَّ علماء التربية العلمانيين المحدثين يرون الدِّين -في أفضل نظرة لهم تجاهه- مضيَعةً للوقت، بينما يرونه في أسوإ تقييماتهم إيّاه عقبةً في طريق التقدّم، والنقاش يدفع علماء الدِّين إمّا إلى معارضة التحديث، وإمّا إلى رؤية الدِّين واعتباره أيديولجيّة سياسيّة وليس دينًا في إطار معناه ووظيفته الحقيقيّة” ، وكعلاجٍ لهذا؛ فإن كُولَنْ يقترح نموذجًا تعليميًّا يجمع في داخله بين رجالِ دينٍ مزودين ببنيةٍ علميّةٍ صحيحةٍ ورجالِ علمٍ ملتزمين بالقِيَمِ الدينية والمعنوية، ويبين أنَّه بهذه الطريقة فحسب يمكن لصراع العلم والدين المستمرّ أن ينتهي، وتظهر عبثيّة هذا الأمر على الأقل …
ويمثّل فتح الله كُولَنْ نهجًا يُعنى بالمستقبل يختلف عن الصراعات القائمة في الأوساط اليمينيّة واليساريّة والعلمانية والدينيّة على حدٍّ سواء، بل ويتجاوزها جميعًا، ويقترحه ويقدّمه للاستفادة منه، كما يعتقد أن التحديث الحقيقيَّ يمرّ من تنشئة الناس أجمعين، وهو ما يمكن أن يتحقّق فحسب عبر بناء نظامٍ تعليميٍّ جديد يقوم على الروافد الرئيسية للتيّارات التعليميّة الموجودة، ويلبي متطلّبات عالمنا المتغيّرة، وينشِئ المستقبل…
ونَهْج كُولَنْ هذا يختلف تمامًا عن المشاريع الرجعيّة الهادفة لِنَقْلِ الماضي إلى يومنا الحاضر، وهو يصرّح أنَّ النظامَ التعليميَّ المطبَّقَ في المدارس -التي تُذكرُ مقرونةً باسمه- نظامٌ لا يستهدف إعادة تأسيس النظام العثماني ولا الخلافةَ من جديد، ويؤكّد مرارًا وتكرارًا على أنَّ هذه المدارس موجّهة لإنشاء وبناء المستقبل، وبينما يفعّل هذا يُذكِّر بعبارة:
“دوام الحال من المحال؛ فلا بد من حالٍ جديدٍ وإلا فالأفول والاضمحلال” .
إن المؤسّسات التعليميّة الحديثة عمومًا تُشبه المصانع التي تُنتج بالجملة وتضخّ للسوق العالمية؛ فهي تفتقر إلى التعمّق الفكريّ والحسيّ، ووضوحِ الفكر، والميولِ المعنويّة والثراء الثقافيّ التي دائمًا ما يركّز عليها كُولَنْ، وبالتالي فإنَّ كُولَنْ يقفُ إلى جانب تعليمٍ يهتمّ بالعناصر المذكورة آنفًا، وينادي به في مواجهة هذا النوع من المؤسّسات” ، إنه يرى أنَّه:
“من الممكن أن يكون أكثرُ الناس معلِّمين، ولكن النَّزْرَ اليسير منهم يستطيع أن يكون مربيًا” .
ويقول: “إنَّ المعلّم والتربويّ كلاهما يمدّ الطالب بالمعلومات ويعلمانه مجموعة من المعارف؛ غير أن التربوي يرشد الطالب إلى التعمّق في الفكر والتأمّل واكتساب شخصيّة تميّزه عن غيره أكثر، علاوة على أنه يؤسّس الشخصيّة ويبنيها، ويساعد الطالب في السيطرة على نفسه، والتحلي بالخصال الحميدة مثل المسامحة والمسؤولية وما إلى ذلك”.
وينبغي استيضاحُ بعض المفاهيم التي يكرّرها كُولَنْ في كتاباته حول التعليم حتى لا يكون هناك مجال لإساءة فهمها؛ فمثلًا مفهوما “المعنويات أو الروحانيات” و”القيم المعنوية أو الروحية” اللذان يستخدمهما بكثرةٍ قد يتصوّر البعضُ أن المقصودَ منهما الدينُ، فإنْ كان هذا البعض حسّاسًا بشأن العلمانية فربما يعتبر هذا التأكيدُ رغبةً وحسرةً إلى تمكين الدِّين في المجتمعات العلمانية وفرضِ سيطرته عليها، في حين أن كُولَنْ يستخدم هذين المفهومين في معنى أوسع وأرحب، والمعنويات- بالنسبة له- ليست تعليمًا دينيًّا بالمعنى الضيّق للكلمة، بل إنها تشتمل على الأخلاق والمنطق والتوازن الروحي والصدق أيضًا، ولفهم ذلك يكفي النظر إلى المفاهيم الرئيسة الأخرى التي يستخدمها؛ ومن ذلك على سبيل المثال مفهوما “الرحمة” و”المسامحة” ؛ إذ يسجل هنا ما يأتي:
“إن مفخرةَ الإنسانية محمدًا  يعرِّف المسلمَ الحقيقيَّ بقوله: “المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ” .
فالمسلم هو الأجدر والأوثق بتمثيل السِّلم العالمي، ووظيفة التعليم في رأي كُولَنْ تتمثّل في جَعلِ مثل هذه الصفات التي لا تدخل في هذا النوع من قالب الكثرة طبيعةً ثانيةً في الطالب، وتهذيبِ رغباته وميوله النفسيّة.
وعلى حين يتحدّث كُولَنْ عن الطلاب الذين نذروا أنفسَهم للعيش وفقًا للقيم الأخلاقية والسمات الإنسانية فتحلّوا بالفضيلة؛ يتحدّث عن الدساتير الأخلاقية العالمية التي تعلّمها من الإسلام بصفته مسلمًا، وهو لا يقصد المسلمين فحسب بما يقوله؛ إذ يَدرُسُ في تلك المدارس المقترن ذِكرُها باسمه طلابٌ من غير المسلمين أيضًا، دون أن يُطلَبَ منهم أن يبدِّلوا دينَهم على الإطلاق.
ويتحدّث فتح الله كُولَنْ دائمًا عن “القِيَمِ الثقافية والتقليدية” أيضًا، وهناك البعض يعتبرون دعوته إلى الاهتمام بالقيم الثقافية والتقليدية دعوةً إلى العودة للمجتمع العثماني قبل الجمهورية، ويتّهمونه بالرجعية. نعم، إنه يرى من الخطء أن يُنحَّى الماضي جانبًا ويُستخفّ به لِمَا فيه من حِكَمٍ متنوّعة، بل لا بدّ من الاستفادة منه بكلّ تأكيد، إلا أن استعادةَ الماضي بحذافيره مجدّدًا خيالٌ لا يُمكن تحقّقه، فإن كلّ محاولةٍ في هذا الشأن محكومٌ عليها بالفشل الذريع، وتنمّ عن ضيقِ أفق صاحبها.
أجل، فكما أن كُولَنْ لا يرتضي رفضَ الماضي جملةً واحدةً، فإنه يرى محاولاتِ إعادة إنشائه بكل ما فيه مجدّدًا ضربًا من العبث، ومن هذه الناحية فإنه يرفضُ اتّهامه بالرجعية رفضًا قاطعًا” .
إن فكرَ كُولَنْ لا ينشغل بالتيارات السياسية في تركيا ولا بالنقاشات الدائرة حولها، إنه مشغول بالتعليم الذي مِن شأنه بناء المستقبل؛ فهو يبحث عن المصلحين في كلّ مكان، أي إنَّه يرغبُ في تربية شخصيّاتٍ مزوّدةٍ بمنظومة القِيَمِ التي تُلِمُّ بكلّ جوانب الإنسان المادّيّة والمعنوية، وينتظر التغيرات والإصلاحات التي ستُحدِثها في المجتمع، والتعليم المشغول به كُولَنْ يعتمد أساسًا وبالدرجة الأولى على تحوّل الفرد وتغيّره؛ فهؤلاء -بالنسبة له- لا بدّ وأن يتخلّصوا من التفكير المحدود والمجتزَإ، وأن يتحلّوا بمحاسبة النفس والانضباط، فمثل هؤلاء الأفراد دون غيرهم هم من يستطيعون الإسهام بشكل ثابت ودائم وإيجابي في تقدّم المجتمعات ونهضتِها.
ويرى كُولَنْ أن المدرسة ليست مجرّد مكانٍ يكتسب فيه الطلاب العلومَ والفنون ويحصّلونها، بل يراها معمَلًا يسألون فيه عن كلّ ما يتعلّق بالحياة، ويجتهدون لِفَهْمِ معاني الأشياء، ويُدْرِكون فيه العلاقة بين هذا العالم والعالم الآخر في إطار إيجابي، والأكثر من ذلك أنه يتحدّث عن المدرسة في بعض كتاباته مستخدمًا مصطلحاتٍ تبدو دينيّة، وينظر إليها وكأنها مكانٌ مقدّس لفعاليات وأنشطة مقدّسة فيقول مثلًا:
“المدرسة تُرسل حزم العرفان على الحوادث الحيوية فتضيئها، وتهيّئ لطلّابها القدرة على فهم البيئة من حولهم، وهي في الوقت ذاته تفتح السبيل أمامهم ليكتشفوا الأشياء والحوادث بسرعة فائقة، وتسوق الإنسان إلى إدراك التوحيد في الكثرة، والاستقامة في التأمل، والتكامل في الفكر؛ فالمدرسة بهذا المعنى مثل المعبد، وقَيّمُو هذا المعبَدِ هم المدرسون”.
إن نموذجًا تربويًّا تعليميًّا يتناول الدراسات العلميّة على نحوٍ متداخلٍ متلاحمٍ مع بناء الشخصية والوعي الاجتماعي والمعنويّات النَّشِطَةِ ربما يراه النُّقّاد نوعًا من المثالية المُفْرِطَة، وربما يرونه وهمًا وخيالًا، غير أنه يمكننا القول: إنَّ النظام التعليمي الذي رسمه كُولَنْ يُطبَّقُ في هذه المدارس، ورغم وجود قسم من الاختلافات في المستوى بينها، فإنَّ المدارس تبدو وقد حقّقت قدرًا عظيمًا من آمال كُولَنْ” .

فتح الله كُولَنْ مُرَبّيًا للنفس
من الضرورةِ بمكانٍ أن نعلمَ بأنّ فتح الله كُولَنْ لم يزعم في أيِّ وقتٍ قطُّ أنه مرشد أو شيخ، لا من حيث المفهوم ولا من حيث المقام الخاص بالتصوف، إنه ليس منتسبًا بأيّة طريقة من الطرق الصوفية، غير أن هذا لا يعني أنه أدانَ الطريقة والتصوُّفَ ورفضَهما، والنقطة التي يجب الانتباه إليها هنا هي أنَّه بالرغم من أنَّ تربية النفس أساسٌ في الإسلام إلَّا أنه “لا يلزم الانتساب إلى طريقة ما بشكلٍ قطعيٍ كي يتحقق هذا”، ولكي نفهم الموضوع فهمًا أفضل فمن المناسب أن نذَكِّرَ مجدّدًا بالآية الكريمة التي كنا نقلنا معناها في الفصل السابق بينما كنّا نقف على وظائف الرسل، ولا سيما سيدنا رسول الله : ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/151).
وكما صرّحت به الآية الكريمة وأشرنا إليه سابقًا؛ فإنَّ أهمّ وظائف الأنبياء تنقيةُ أذهانِ الناس من الأفكار والخرافات والقناعات الخاطئة من جانب، ومن جانب آخر تطهيرُ قلوبهم وحيواتهم وأنفسِهم من الذنوب والآثامِ وكلِّ أنواع الحقد تطهيرًا تامًّا، وقد تعذّر على مرِّ التاريخ أن يتمثّل فردٌ واحدٌ تيكَ الوظائفَ الواردة في هذه الآية الكريمة؛ إذ عيشت بدلًا من هذا حالةٌ من إعادة توزيع الأعمال والمهمّات؛ فبينما تحمَّل العلماء مهمّةَ تشكيل أذهان الناس وأفكارهم وتكوينها، تحمَّلَ أهلُ الحكمة مهمَّةَ تعليم الناس الحكمةَ وما خفي من أسرارٍ وراء ستار الأشياء والحوادث، وأسبابها القدريّة، أما مهمّةُ تطهير قلوبهم وتربية نفوسهم فقد تحمّلها المرشدون الروحيّون، والحقُّ أنه ظهر في التاريخ كثيرٌ من العلماء والمُربّين والمرشدين العظام قاموا بهذه المهمّات الثلاث مجتمعة، وقد انتقل الأمر اعتبارًا من القرن السادس عشر بصفة خاصّةٍ إلى تيّارات متباينة، حاولَتْ -على نحوٍ أَضَرّت فيه ببعضها أحيانًا- الوفاءَ بواجباتها تحت مظلّة المدرسة الشرعية والتكيّة، بيد أن فتحَ الله كُولَنْ رغم أنه لم يكن في الأساس طرَفًا في هذا التوزّع من جديد إلا أنه انتقدَ المدرسة الشرقية ومنهجها في تربية النفس، وتَرْكَها تدريس العلوم الطبيعية، والتكيةَ أيضًا وإقصَاءها العلمَ جانبًا، لكنه نظر نظرةً إيجابية إلى كلٍّ من المدرسة والتكيّة طالما أدّتا وظائفهما كما يجب عبر التاريخ، بيد أنه يركز -بحساسيّةٍ شديدة- على أهمّيّة تربية “إنسان كليٍّ وكامل” في يومنا الحاضر يجمع في كيانه وذاته منهجَ التكيّة في تربية النفس والهيجان والعشق، وعلمَ المدرسة الشرعيّة في أعلى مراتبه، وعلوم المدرسة الحديثة والاتّصاف بصفة الإنسان الكليِّ؛ كما سيتبيّن في هذه الدراسة كلٌّ في موضعه، ولذلك فإنه يولي التصوُّفَ وتربيةَ النفس أهمَّ الأماكن والمواقع في الفهم الإسلامي في إطار معناه ومحتواه الأصيل، وليس في إطار المصطلح الذي اتخذه تاريخيًّا بالمعنى الضيق.
منهجُالصحابة
إن العلماء والمفكّرين الذين لا ينحازون إلى الفصل والمباعدة بين المدرسة الشرعية والتكيّة والمدرسة الحديثة أو بين العقل والقلب والروح، بل ويعالجونها مجتمعةً في كُلٍّ متكاملٍ يُرجِعُون قضيّةَ تربية النفس إلى فئتين اثنتين هما: “منهج الصحابة” و”منهج بعض أولياء الله”، ويرون أنه لا بد أنْ يتمّ تقيّمُ العقل والقلب والروح مجتمعة ثلاثتها في منهج الصحابة؛ حتى إنه يمكن القول إنه لا مجال لتقسيم وتفرقة من هذا النوع، ولا بد أن الإنسان يُدرسُ ويعالج ككيان كامل، وفي هذا المنهج لا يُقتل بُعدُ النفسِ “الأمارة” بواسطة غير الفروض من العبادات كالنوافل و”رياضة النفس”، أي بُعدُها الداعي إلى الشرّ والأهواء والرغبات؛ بل إنَّ جهادًا ضدَّ هذا البعد يستمرُّ حتى الموت، وبه يترقَّى الإنسانُ دومًا، وقد لا يدرك الإنسان وهو في خِضَمِّ هذا الجهاد أنه يترقّى؛ فربما لا يحظى بخوارق العادة المسماة “الكرامة”، والواقع أن هذه الأمور ليست أساسًا؛ إذ المهمّ هو الوفاءُ بأحكام الإسلام بكل شروطها العامة في إطار التوجّه إلى الله تعالى توجّهًا تامًّا تنتظم فيه كلُّ المشاعر مع القلب والذهن وهذا ما يُسمّى “طمأنينة القلب”، والانتباهُ التامّ والخشيةُ والخضوعُ والحفاظُ على الاستقامة على هذا المنهج؛ فمثلًا يرى الأحنافُ أنَّ للصلاة اثني عشر فرضًا نصفُها شروط ونصفها الآخر أركان، ويوجد إلى جانب هذه الشروط أيضًا ما يمكننا أن نطلق عليه شروطَ الصلاةِ الداخليّةَ اللازمةَ لتحصيل الفيض والبركة منها؛ ألا وهي الخشوعُ والخضوعُ والإحسانُ كما ورد في أحد الأحاديث النبويّة الشريفة، أي أداء الصلاة تحلّيًا بوعي أننا نرى الله تعالى، وأنه تعالى يرانا وإن لم نكن نراه نحن، إنَّه أداؤها بوعيٍ يستطيع أن يُثنيَ الإنسانَ عن ارتكاب كلِّ أنواع الشرور والآثام، ونفسُ الأمر مطلوبٌ بالنسبة لغير ذلك من العبادات أيضًا.
والإخلاص رأسُ العبادة جميعها؛ أي أداء كلّ عبادة من العبادات من أجْل الله تعالى فحسب، ولمجرد أنه  أمر بها دون انتظار أيَّةِ منفعةٍ وفائدةٍ من وراء ذلك، بالإضافة إلى أنَّ التقوى والزهدَ -الذي هو عدم تعلُّق القلب بالدنيا ولا بأيِّ شيءٍ من متاعها- وطلبَ رضا الله  في كلّ قولٍ وتصرُّفٍ وفكرٍ، والرضا بكلِّ ما يُقَدِّرُه ؛ والوصولَ إلى اليقين في الإيمان -أي الإيمان الحقيقي- وإلى الأفق الإيماني المُعتَمِدِ على التزام العقل والقلب والضمير والاقتناع التام، والتحليَ بجميع الفضائل ومحاسن الأخلاق، وكذلك الأمورَ الواردةَ في أساسِ الدِّين واستهدافها أمرٌ في غاية الأهمّية بالنسبة لمسألة تربية النفس، ولا يشترط اتّباع طريقةٍ بعينها من أجل تربيةٍ نفسيّةٍ حقيقيّةٍ وجادّةٍ تشتمل على كلّ هذه الخصائص أو الأبعاد.
فكما أنَّ أبسطَ أنواعِ التعليمِ والتربية لا يتحقّق دون معلِّمٍ أو مُرَبٍّ؛ فإنَّ التعليم الصعبَ الذي يصقل الإنسان ويجعل منه إنسانًا بمعنى الكلمة لا يتحقّق بسهولةٍ دون وجود مرشدٍ وموجّه، ولأجل هذا فإنَّ القرآن الكريم يأمُرُنا في سورة الفاتحة التي تُقرأ أربعين مرّة في الصلوات يوميًّا -بما في ذلك السُنَن- بالدعاء قائلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ثم يُعرّفُ ذاك الصراط أو الطريق المستقيم عقب ذلك، ونظرًا لأن فهمَ الجميع هذا الطريقَ الذي يمكننا أن نعتبره تمام الدِّين فهمًا سليمًا كما يجب وإدراكهم إياه بأبعاده كلها ليس ممكنًا فإن القرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى مجموعة من المرشدين بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (سورة الفَاتِحَةِ: 1/7) ويُوضِّح في آية أخرى مَنْ هم أولئك الذين أنعم عليهم فيقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سوة النساء: 4/69)، فالصديقون هم المرشدون المتمسّكون بالدين حقّ التمسُّك المصيبون في كلِّ أفعالهم، البعيدون كل البُعْدِ عن الخداع والمكر والحيلة والكذب؛ والشهداء هم مَنْ يَبدون وكأنهم يرون الحقائق التي نؤمن بها نحن غيبيًّا دون أن نراها، الواقفون على حقائق الأشياء والحوادث، الذين يشهدون على حقيقة الإسلام بحيواتهم؛ والصالحون هم من سَلِمت وصَلُحَت تمامًا كلُّ تصرفاتهم ومعتقداتهم وأقوالهم، الذين يبتغون الإصلاح والبعيدون لأقصى درجة عن الفتنة والفساد؛ ولذلك فإنَّ السيرَ دون مرشدٍ ولا دليلٍ من أجل تربية النفس في إطار الدِّين الهادف إلى الارتقاء بالإنسان من مستوى الإنسان الكامن إلى مستوى الإنسان الحقيقي الكامل صعبٌ جدًّا، لكن تحقّق هذا لا يعني ضرورة وجود تيّارٍ مستقلٍّ، أو نظامٍ آخر سواء سُمِّيَ بـ”الطريقةِ” أو غيرِ ذلك من الأسماء، فالتصوُّفُ وإنْ كان قد وُجد روحًا ومعنًى في عصر سيدنا رسول الله  أفضل القرون التي عيش فيها الإسلام، ثم في عصر الخلفاء الراشدين فعصرِ التابعين، ثم عصر تابعي التابعين؛ إلا أنه لم يوجد بشكلِهِ الحالي كنظام آخر مستقلٍّ كما هو عليه الحال في يومنا؛ فمنهجُ الصحابةِ ليس تجمُّعًا في مكانٍ ما على منوال “الطريقة”، وإنما هو المنهج الذي يتناول الإنسان كلّيًّا ويتبنّى تربيتَه في غمار الحياة والحوادث.
وكذلك الأمر بالنسبة لفتح الله كُولَنْ فهو نَصِيرُ منهجٍ على هذا النحو، كما أنَّ إرشاداته وإضاءاته في هذا الموضوع تُشَكِّلُ أهمَّ جوانبِ شخصيّته وحركته وعمله.
تربيةُالنفسأوحركةالوصولإلىالكمالالروحي
ينظر فتح الله كُولَنْ من زاوية الإنسان أوّلًا إلى تربية النفس التي فيها جانبٌ أو بُعدٌ تعليميّ وتهذيبيّ؛ فالإنسان -في منظورِه- كائنٌ مجهّز بأحاسيس علويّة، ذو استعداد للفضيلة، عاشقٌ للأبديّة والخلودِ، فأكثر الناس بؤسًا من ناحية المظهر يحمل في جوانحه حبًّا للخلود وعشقًا للجمال وإحساسًا بالفضيلة، وطريقُ السمو بالإنسان والارتفاع به نحو الخلود يكون بتنمية هذه الاستعدادات والقابليات عنده” .
وطبيعيٌ أنَّ الإنسان ليس كائنًا يمكن فهمُه والتعريف به ببضع كلماتٍ بسيطة؛ فهو -وفقًا لما يراه كُولَنْ أيضًا- كائنٌ من الصعب معرفته والإحاطة به، واختلافه وتميُّزه يُعلن عن نفسه منذ مجيئه الدنيا، فكلُّ مخلوقٍ حيٍّ سواه حين يخطو أولى خطواته في الدنيا يخطو وكأنّه رُبِّي في عالم آخر؛ فيأتي وهو على معرفةٍ بقوانين الحياة، والأصحّ أنَّه يُرسَل هكذا، أما الإنسان فيأتينا محرومًا من المعرفة والمعلومة الضرورية من أجل الحياة رغم أنه أروع وأكمل المخلوقات، وهنا -أي في الدنيا- يتشكّل كلُّ شيءٍ يتجاوز النظام الفطري لوجودِهِ الحيواني، ويتحقّق ذلك في ظلّ العقل والذهن والإرادة والحرّيّة والحسّ والكشف الداخلي، وبهذه الصورة يصل الإنسان إلى تكامُلِه الداخلي والخارجي، وإلى ذاتيّته أيضًا عبر هذا السبيل فحسب؛ أي إنَّ الإنسان يتكامل ويسمو بالتعلُّم والإيمان والعيش فحسب، فيرقى ويصبح إنسانًا حقيقيًّا بكلّ ما للكلمة من معنى .
ويستمر كُولَنْ في بيان آرائه التي سردها في مقالات ولقاءات مختلفة حولَ الإنسان وتربيته المعنوية وتربية النفس وتهذيبها فيقول:
“إن للإنسان جانبين هما: الملك والملكوت؛ ويمكن تسميتهما بأسماء أخرى، وقد أطلق بعضهم عليهما الملائكي والشيطاني أو الجسدي والروحاني أو المادي والمعنوي أو النفسي والوجداني، وسعوا لشرح الحقيقة نفسها بعبارات مختلفة.
والأفضل تناول الجانب المعنوي والماديّ من الإنسان في صورة آليّتين مختلفتين، وتقييمهما في ضوء ذلك؛ ولنُطلق على المعنويّ اسم “آليّة الوجدان”، وعلى الآخر “آليةَ النفس”.
فبينما يُشكِّلُ آليةَ الوجدانِ القلبُ والروح والسر والخفي والأخفى واللطائف الربانية المتعلقة بعالم الأمر والإرادة والإدراك والشعور والحسّ والمشاعر؛ تُشكّلُ آليةَ النفس الغرائزُ والنزوات والأهواء والحقد والبغض والغضب والعناد… هذه المشاعر التي وُهِبت للإنسان لغاياتٍ وحِكمٍ معيّنة… وهاتان الآليتان تعملان غالبًا على النقيض، غير أنَّ آليّة النفس تغدو إيجابيّةً إنْ تغلّبت عليها آليّةُ الوجدان، ثم تتحوّل إلى آليّةٍ تعمل على رفعة الإنسان ورقيّه.
نعم، يمكن أن تصير آليةُ النفس نافعةً للإنسان حينما يجتاز مرتبة النفس الأمّارة -وفقًا لتصنيف الصوفية- إلى مرتبة النفس اللَّوَّامة فالـمُلهَمة فالمطمئنّة فالراضية فالمرضية فالصافية، ولأجل هذا فإنه من النقص والخلل تناول الإنسانِ من جانبه المعنويّ فحسب، واعتباره مجرّدَ آليّة للوجدان فحسب؛ إن الولاية الحقيقية هي ولاية الصحابة؛ وقد صبغ الصحابة آلية النفس بـ”صبغة الله”، ووضعوا خاتمًا من أختام الولاية حتى على المشاعر السلبيّة لدى الإنسان.
ولنتناول الشهوة مثلًا: إن هذا الشعور يغدو منبعًا محضًا للشرّ إن تمّ تفعيله من الناحية المتعلقة بنفسه فقط؛ لكن هذا الشعور أُضفيَت عليه في نهج الصحابة كيفيةٌ تجعله بعدًا من أبعاد الولاية؛ أي إن الشهوة حينما توضَع في الحلال يُثاب الإنسان حتى على علاقته مع أهله؛ وقد عجب الصحابة حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ذلك، فتساءلوا: “يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟”، فأجابهم الرسول إجابةً منطقيّةً، وفطريّةً بقدر منطقيّتها قائلًا: “أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ” ؛ إذًا تركُ الحرام يُكسب الإنسان ثوابَ القيام بأمرٍ واجب؛ وهذا يعني أن الإنسان في استطاعته أن يفوز بالجنة بهذا الشعور الخاصّ بآلية النفس.
ولنا أن نعد جميع المشاعر الخاصة بآلية النفس وسيلةً للشعور بأحوال الجنة؛ أي كما يستطيع الإنسان بالأحاسيس والمشاعر الخاصة بآلية الوجدان أن يشاهد بعض الأبعاد الخاصة بالجنة ويعايشها، فبإمكانه كذلك أن يُحسّ ويدرك بعض الأحوال الخاصة بالجنة بواسطة بعض الأحاسيس الخاصة بآلية النفس المزكّاة، ويبدو أن هذا أحدُ أسرار وحكم إبهاج الجنة للروح والجسد معًا؛ وفي حديث القرآن عن خلق آدم عليه السلام من تراب وطين وصلصال وغير ذلك إشارة إلى بعض المواد التي تكشف ماهية الإنسان؛ وإلا فمن القصور حصر تفسير هذه المواد على أنها التراب والطين والصلصال التي نعرفها.
وهاك شعور الغضب لدى الإنسان، إنه شعور يُفسد الإنسان إن بقي على حاله، وربما يحوّله إلى فرعون جانٍ ملطّخ الفكر والمشاعر واليدين والعينين بالدماء، غير أن الإنسان إن استخدمه في غايةٍ نبيلةٍ، أي إن دخل مثلًا في نزاع من أجل الدفاع عن دينه وعِرضه وشرفه ووطنه بالشعور نفسه وقَتلَ مَن أمامَه فهو غازٍ، فإن قُتِل فهو شهيد؛ فغضبٌ على هذا النحو مقبول عند الله مثل “الحلم” أو أكثر… وإذا كانت الجوانب الترابية ترفعُ الإنسان إلى هذه الدرجات إن عولجت جيّدًا، فلكم أن تتخيّلوا ماذا يُمكن أن يحدث إن أحسنَّا استخدام آليّة الوجدان.
أجل، يمكن للإنسان بلوغ مستوى الملائكة في أيّ وقت شاء ولو بخصائصه الترابيّة، بل إنه قد يفوق الملائكةَ عندما تبدأ آلية الوجدان عملها؛ ذلك أنه لا شيءَ يدفع الملائكة إلى الشر، فإرادتهم تتجلى في اختيارهم عملًا من الأعمال المعروضة المرضيّة عند الله، أمّا إرادة الإنسان فهي مكلفة بالاختيار بين الحسن والرّديء، ونظرًا لأن “الغُنْم بالغُرم” فإن اجتيازَ الإنسان تلك المعضلات التي تواجهه يُعدّ وسيلةً وطريقًا ليكون أفضل من الملائكة.
بالوجدان يجد الإنسان ذاتَه وربّه؛ ولأجل هذا فإن مئات الناس بدءًا من عظماء الإسلام كالإمام الرباني والإمام الغزالي ومولانا جلال الدين الرومي وبديع الزمان سعيد النورسي، وصولًا إلى كثير من المفكّرين الغربيّين تناولوا الوجدان إما بالكشف وإما بالحدس، وتوقّفوا كثيرًا عند تلك الخاصيّة؛ وإنني لأستخدم بصفة خاصة عبارة “الكشف والحدس” هنا؛ فالأولياء يعلمون خصائص الوجدان كشفًا، أما الفلاسفة فيعرفونها حدسًا، وقد اتّفق الفريقان على أن الوجدان لا يكذب.
ويُدرج الأستاذ بديعُ الزمان الوجدانَ في مؤلفاته الأولى بين البراهين الرئيسة والأساسية التي تدلّلُ على وجود الحق تعالى ؛ غير أنه لا يرى الوجدان دليلًا موضوعيًّا واضحًا بالقدرِ الذي يفهمه الجميع؛ لذا تجده في كتابه “الكلمات” اقتصر من هذه البراهين على ثلاثة: الرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن، وكتاب الكون .
أجل، لا يستطيع كل إنسان أن يفهم لغة الوجدان الخفية؛ ولأجل هذا لا يُعَدّ دليلًا موضوعيًّا، غير أنه أعظمُ دليلٍ وأقوى برهانٍ عند من يفهم لغتَه؛ فلا قِبَلَ لأية معلومات أو مكتسبات على الإطلاق أن تُشعِر الإنسان بما يُشعِره به وجدانه.
ففي الوجدان نقطة استناد ونقطة استمداد: بهما يُدرِكُ الإنسان عجزه وفقره، ويعتمد بهذا الإدراك على الله، فيطلب ما يطلب منه تعالى؛ وما دام لدى الإنسان حسّ “طلب المدد”؛ فهذا يعني أنّ هناك من سيَمُدُّه، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان منحُ الإنسان هذا الحسَّ نوعًا من العبث، ولا عبث في الكون ألبتة، فلا شك أن هناك مقابلًا لكلّ شعور لدينا، إذًا إنّ ثمّة مقابلًا لكل من نقطتي الاستناد والاستمداد الكامنتين في الوجدان، بيد أن من لم يصغ إلى وجدانه ولو مرّةً واحدةً في حياته، يتعذّر أن يشعر أو يحسّ بهذا؛ وإن الشعور قسم تابع لآلية الوجدان، غير أنه لا يُعنَى بقيمته الشخصية قيمةً قائمةً برأسها؛ وحين ينضمّ إلى الإرادة والحسِّ والقلبِ يصبحُ وكأنه وجدانٌ مستقلٌ بذاته.
إن الوجدان صوت إلهي سماوي يصدع ويجهر وحده دائمًا بالحقّ والحقيقة؛ مثله في ذلك مثلُ كل شواهد وجود الحق التي لا تصمت في أي وقت أبدًا؛ بيد أن هذا منوط بالوجدان الذي يدخل في إطار تعريفنا نحن للوجدان، وإلا فإنه من المستحيل ألبتة انتظار النتائج نفسها من وجدان خضع لآلية النفس، وانسحق تحت وطأتها.
أجل، تصوّروا إنسانًا تحوّل برمَّتِه إلى عاشقٍ للشهوة والحقد والغضب والمنصب والمقام؛ إنّه بذلك يخضع في كلّ شؤونه لتأثير تلك المشاعر السلبية التي أحاطت بروحه، فالوجدان لدى مثله مكتوفُ الأيدي عاجزٌ عن التأثير، وأمثال هؤلاء ليست لديهم أية معلومات عن آلية الوجدان؛ لذا فإن إدراكهم معنى الوجدان وغايتَه الأسمى من كل الغايات أمرٌ غير ممكن.
وثمة أمرٌ آخرٌ مهمٌ نشير إليه هنا:
يقول “كانط” في كتابه المسمى “نقد العقل المحض”: إن الله يُعرف بالعقل العملي، لا بالعقل النظري، فإن التصرفاتِ الحسنةَ، والأعمالَ الحسنةَ سرعان ما تتحوّل إلى طبيعة في الإنسان، وتبلغ به نقطة لا تُبلغ بالعلم المجرّد. أجل، إن المعرفة والمعلومات المجردة لا ترفع الإنسان إلى هذا المستوى ألبتة، فمن حُرم التطبيق والعمل يعجز قطعًا عن الإحساس بما يجب عليه الإحساس به في ضميره مهما قرأ من كتبٍ وأسفارٍ.
أما ما يجب على الإنسان عملُه فهو الأعمال التي استحسنها الدين ووصفها بـ”الصالحات”؛ وإعمالُ آلية الوجدان واستثمارها ذو قرابة قريبة جدًّا من تطبيق مفهوم “الصالحات” في الحياة” .
وهكذا فإنَّ عمليّة سلوكِ الإنسان طريقًا كهذا ووصولَه إلى الإنسانية الحقة تُسمَّى “تربية النفس” أو “حركة بلوغِ الكمال الروحي” وهي تُحتِّمُ على الإنسان أن يكون على وعي بنفسه وبما فَعَلَهُ في المقام الأول؛ فهو حين يدركُ عجزه واحتياجه الحقيقي وأنه لا يكتفي بنفسه ذاتيًّا، ويصلَ إلى حكمةِ مجيئه الدنيا دون أن يُؤخذَ رأيُهُ، ومِنْ أبوين لم تُترك له حُرية اختيارهما، وبِلَونٍ وبنيةٍ جسمانيّة وشخصيةٍ خارج اختياره، وفي مكان وتَوْقِيت حُدِّدَ دون سؤالِه، ورحيلُه عن الدنيا في مكان وزمان حُدِّدَ واختير بعيدًا عن استشارته أيضًا؛ فهذا يعني أنه خطا أُولى خطواته في سبيل تحقيق هذه الحركة والعمل، فيشعرُ نفسُهُ بعد هذا بضرورة معرفتِه خالقَهُ ومرشدَه في الدنيا، وكيف ينبغي له السير في رحلتِهِ الدنيويّة هذه، وسيواصل بفضل هذا الشعور مسيرتَه وطريقتَه عبرَ وسائل متعدّدة كالتأمُّلِ والتعلُّمِ، وتحويلِ ما تعلَّمَهُ إلى تجارب مفيدة من جانب، وممارستِه الحياةَ بوعيٍ وشعورٍ، وإدراكِه كلَّ فكرةٍ وتصرُّفٍ، ومراقبتِه نفسه دائمًا ومساءلتِه إياها، ورجوعِه عن أخطائه مباشرةً بمجرّد إدراكه إيّاها، والبُعدِ عن كلِّ شيءٍ حرَّمه الله، وتنفيذِ كلِّ ما أمر به تعالى، والتواضعِ والصدقِ والشكرِ والصبرِ والذكرِ والعشقِ والشوقِ من جانبٍ آخر، وهذا أصعب جانبٍ بالنسبة لتربية الإنسان أو تعليمِه، ونظرًا لأنه يمثّلُ أيضًا أصعبَ النضالات التي يخوضها في الدنيا بنفس الشكل؛ فقد وصفه سيدنا رسول الله  بالجهاد الأكبر.
وهكذا فإنَّ فتح الله كُولَنْ يتناول عمليَّة تهذيب النفس في هذا السياق ويحقّقها بالدرجة الأولى في نَمَطِ الحياة المثاليّة، ونموذجِ المعيشة الذي طرحه، وعلاقتِه العميقة بالله التي تُشكِّل شخصيّته وسِمَتَه وتنسابُ من نَظَراتِهِ إلى المعاني المرتسمة على مُحيَّاه، ومن تبسُّماته إلى حركات يديه وطريقة مشيته وأسلوب حديثه، وتُوجّه كلَّ عناصرِ لغة الجسد الأخرى، وتسري إلى قلوب كلَّ من يرونه ويسمعونه ويعرفونه بصورةٍ مؤثِّرةٍ وشعورٍ وعِشْقٍ، ثم بأحاديثه ومقالاته؛ فلقاءاتُه ومقالاتُه هذه تجري في نطاقٍ يمكنه أن يشمل الإسلامَ تمامًا بداخله بدءًا من معرفة الله تعالى بالشكل اللائق وصولًا إلى محبّته ، ومن العبادات التي تُشكِّل أركان الإسلام كالصلاة والصيام والزكاة والحجّ إلى الأوصاف الخاصة التي هي لبُّ العبادات وخلاصتها، وكل واحدة منها فضيلة وحالة مثل التقوى والإخلاص والإحسان، ومِن سُبُلِ الحماية في مواجهة الذنوب والهَرَمِ المعنوي إلى سُبُل الخلاص من الصفات السيّئة كالعُجب بالذات والسمعة والرياء.
“إن أعظم هموم إنساننا اليوم هو النقصُ في علاقته وصِلَتِهِ بالله جل جلاله، وإذا كان الأمر كذلك وجبَ عليه أنْ يلجأ يوميًّا إلى كلِّ وسيلةٍ تضمن تلك العلاقة والصلة، ويراجعَ دومًا وباستمرارٍ الطرق المؤدّية إليه تعالى، وإلا فإنَّه لا بُدَّ من هدم وتدمير كلِّ ما يُبعدُنا عنه تعالى هدمًا نهائيًّا حتى وإنْ كان تكيّة أو زاوية!” .
هكذا يقول فتح الله كُولَنْ؛ فيضع بذلك معيارًا ومقياسًا للصلة بالله تعالى؛ إذ يرى أنه ينبغي للإنسان “ألَّا يحزن على ما يفوته، ولا يفرح بما يجده” حتى تقوى علاقته بربه، لأن الفوز والخسارة كلاهما وسيلة من وسائل الامتحان، علاوةً على أننا لا نستطيع أن نجزِم أيهما لنا أو علينا في الآخرة؛ فربّما أن لحظاتنا الحزينة والمهمومة تتسبب -مقارنةً بأوقاتِنا السعيدة- في أن ننال قدرًا أكثر من الجزاء والمكافأة في الآخرة؛ لذلك يلزم أن ننتبه إلى أن يتوافقَ كلُّ ما نفعله مع رضا الله تعالى، ومِن ثمَّ فإنه ينبغي أن يُفرِحَنا ويَسُرُّنا اضطلاعُنا بالأعمال التي تبلغنا رضا الله وتُكسبنا مرضاته .
يهتمُّ فتح الله كُولَنْ لأقصى درجة بالصلة بالله، ويربط كلَّ قولٍ وفكرٍ وتصرُّفٍ بمرضاته تعالى، ويُرجِعُ كلَّ نجاحٍ وتوفيقٍ إليه سبحانه، وباختصار إنَّه يُرجع الأمر كلَّه إلى إدراك الصلة بين العبد وربِّه ووعيها بشكل جيِّدٍ جدًّا وقبولِ النفس لها، ويرى ذلك قضيّة الإسلام الأولى، ويعتبر العبادة شرطًا أصيلًا لا يمكن الاستغناء عنه إلى جانب الإيمان والعلم من أجل الوصول إلى هذا المستوى، ووفقًا له فإنَّ معرفةَ الله أمرٌ متوقّفٌ على المستوى المرتبط بالعبادة في جانب منه؛ إذ لا تتحقّق معرفة الله بالشكل الواجب إلا بالعبادة، ويلفت الانتباه إلى النقاط الآتية فيما يتعلّق بهذا الأمر قائلًا:
“لا نستطيع العيش مدى الحياة بتحويل مرآة القلب إلى الربِّ مرّةً واحدةً فحسب، والمدد الرباني والذوق الروحاني الذي نحصل عليه بتجلّيه في تلك اللحظة، ومن ثم يجب الانفتاح الدائم على تجلّياته سبحانه.
كما أنَّ الأشياء التي تكفي الإنسان في صِغره لا تكفيه عند بلوغه، فإننا كذلك لا نستطيعُ التطوّر ولا النموَّ ما لم نكن منفتحين دائمًا على الرب بحسب مستوانا الفكري والروحي.
يجب تناول العبادة بشكلٍ موسَّع جدًّا؛ فالصلاة عبادة، والصوم عبادة، والحجّ عبادة؛ حتى إنَّ كلَّ شيء يُفعلُ طاعة لله تعالى وفي الخطّ الذي ارتضاه الإسلام وصحّحه عبادةٌ” .
وفي موضع آخر أيضًا يُذَكِّر كُولَنْ هذا التذكير بالغ الأهمية:
“الإنسان مؤمن بما في قلبه من إيمان، وليس بما في ذهنه من ازدحام المعلومات، ولهذا السبب فإنَّه بعد أن يقطع المسافة التي توصل إليها عبر أدلة الأنفُسِ والآفاق، لا يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام في سبيل الترَقِّي والسموّ ما لم يستطع التخلّص من تلك الأمور، فعلى الإنسان أن يطرح كلَّ هذا خلف ظهره، ويسيرَ مباشرة في طريق القلب والوجدان النوراني تحت أطياف نور القرآن، كي يتمكَّن من الوصول إلى النور الذي ينشُدُه ويبحث عنه” .
وكما مرّ سابقًا؛ فإن فتح الله كُولَنْ الذي يرُكّز بحساسيّة على العبادات وفي مقدّمتها الصلاة والزكاة بل والإنفاق بمعنى أوسع وإطارٍ أشمل، وعلى الصوم والحجّ، كذلك يلفتُ الانتباه إلى أمور معيّنة تتّصل بالعبادات كلّها؛ فالإنسان يلزمه أن يراقب نفسَه ويحاسبها دائمًا في عباداته كلّها كما هو مطلوب منه في أفكاره وتصرّفاته جميعها، وعليه كذلك أن يتفحّص نفسه ونيته بصفةٍ دائمةٍ، فيُفكِّر فيما يجب عليه فعلُه فيفعله، وما يجب عليه تركه فيتركه، كما يرى أنَّه يجب على الإنسان حتى وهو في أكثر أعماله اللائقة بالقبول ألا ينسى لحظةً واحدةً أنَّه قد يُهزَم، وأنَّ النفس والشيطان يوسوسان له، وبالتالي فعليه أن يجد لذلك نوعًا مناسبًا من المراقبة والتدقيق.
وفي هذه النقطة يلفتُ كُولَنْ الانتباهَ إلى موضوع آخر في غاية الأهمّيّة؛ فإلى جانب تأكيده على ضرورة أن يكون الإنسان حسَّاسًا يقِظًا إلى هذا الحدّ فيما يتعلّق بعباداته وأعماله الشخصية؛ يؤكدّ بصفة خاصّة على ضرورة أنْ يُفكِّرَ الإنسانُ فيما يتعلَّق بالآخرين بالشكل نفسه، ويبين أنَّه من الخطإ أن يُسيء الظنّ بهم، فيقول:
“إنَّ للنفس دورًا في التفكير بحقِّ الآخرين بنفس الشكل، وإساءة الظنِّ في عباداتهم، وهذا يعني سُمًّا زعافًا قاتلًا -نسأل الله السلامة- وانخداعًا مرعبًا مخيفًا، ومن المحتمل أن الآخرين أدركوا مبكّرًا ما حاولتم أنتم إدراكه والوصول إليه؛ إلا أنكم
لا تدرون عن ذلك شيئًا” .
النجاة من الرياء،وتكامل القول والفعل
أكثرُ شيء ذَكَّر به فتح الله كُولَنْ ونبّه إليه في هذه النقطة هو الرياء وكيفيّة النجاة منه؛ فيقول:
“يقال إنَّ كل إنسان قد يقع بداية في الرياء، وقد يصحبُ الرياءُ الدخولَ من باب العبوديّة، غير أن العبوديّة لا تستمرّ مع الرياء؛ فكلّما قطع العبدُ مسافةً وتقدّم في طريق الإخلاص كلَّما زال الرياء عنه ولم يبقَ له أثر في نفسه”.
كما يُتابعُ حديثه عن الرياءِ وسبُلِ الخلاصِ منه فيقول:
“لا يسعى الإنسان ولا تتكوّن بداخله محاولة لتحقيق الإخلاص دون أن يتعرّف على الرياء ويدرك ماهيته؟ فإن كان الإنسان يُرائي وهو لا يدري استحالَ عليه تحقيق الإخلاص، فكما أنَّ معرفةَ النفس بابٌ يؤدّي إلى معرفة الله، فإنَّ تعرُّف الإنسان على معنى الرياء يتحقّق في إطار سعيه ونيّته إداركُ الإخلاص وتحقيقُه؛ فيدخل من ذلك الباب ويصل تدريجيًّا إلى الإخلاص، وربما يفعل الإنسان ما يفعله بمحضِ التصنُّعِ في البداية دون أن يُدرِكَ معناه ولا محتواه ولا عمقه، وإنما يفعله لمجرد الأمر به فحسب، وبالتالي فإنَّ بعض التصرّفات التي ربما نراها في أول الأمر نوعًا من أنواع الرياء قد تبدو طبيعيّةً عاديّةً، إلا أنَّ الإنسان يسيطرُ على نفسه في نهاية الأمر ويُخضِعُها للمراقبة والمتابعة إمَّا لوصوله إلى أفق معرفة معين بالنسبة لذاتِ الحقِّ جلّ جلالُهُ وعمّ نَوالُه وتقدّست أسماؤه وصفاتُه، أو لِسَبَبٍ آخر، ويشرع في تصرُّفاتٍ مخلصةٍ مسافرًا في عالم الإخلاص؛ فيبحث دائمًا، ويستقِلُّ ما يجده فيبحث مجدّدًا ليستزيد إخلاصًا، ويمرّ بهذا الشكل -وحتى آخر لحظات عمره- ربما من ألف مرتبة من مراتب الإخلاص، إلا أنه يظلّ يطلب “الإخلاص” ويتلوّى توقًا وشوقًا إليه، إلى أن يكونَ دعاؤُه كلُّه إخلاصًا؛ فينام ويقوم طالبًا الإخلاصَ من الله متضرّعًا إليه بقوله: “اللهم ارزقني الإخلاص”، حتى إنه إن نسيَ طلبَ الإخلاصِ في أحدِ أدعيته فسرعان ما يعود يطلبه وينشده قائلًا: “اللهم ارزقني الإخلاص”، فكما أنكم كلما رغبتم في المرور من تحت قوس ألوان الطيف هربَ وابتعد عنكم كلما سرتم وجريتم؛ فإنَّ الأمر عينَه بالنسبة للعبودية الخالصة المخلصة؛ إذ إنها عشق لا يُدرك بسهولة، فتظلُّ تستركضُ الإنسان خلفها، وتستطلبه إياها، نسأل الله أن يوفِّقَنا في هذا السباق آمين!” .
ويشير كُولَنْ إلى أن عصرنا يبدو في جانب منه وكأنه عصر رياء، فيقول:
“لم تُشاهد مراءاة بقدر ما هو موجود في عصرنا منذ أن خُلِقَتِ الدنيا؛ لأن العوامل التي تدفع إلى الرياء في يومنا الحاضر كثيرةٌ جدًّا، فالكلّ يقع في شِبَاكِ نوعٍ من الرياء؛ حيث يقعُ البعض فيه بكتاباته، والبعض بحديثه، والبعض بكثرة مطالعته الكتب، والبعض بعِلْمِهِ بالسِّيَرِ الذاتية والمصادر، والبعض بشبكةِ علاقاته الواسعة وما شابهه، وعلاوة على هذا فهناك الجوائز والطرود والتصفيق والمدح والتسابق والماراثونات والاعتزاز الشخصي والاعتزاز الجماعي والاعتزاز بالقومية… وفي ساحة أخرى التكريماتُ والكرامات والكشف والإنطَاقُ بالحق وتنبُّؤُ حدوث الأشياء مسبقًا… وهناك الكثير والكثير، حتى لكأنَّه ليس هناك من أحدٍ يضع الله في حسبانه؛ إذ تنسب كل أنواع التوفيق للإنسان، ويفتخر الإنسان بكثير من الانتصارات المغتصبة التي ليست من عمله…”.
ثم يحذر قائلا:
“الواقع أن كلَّ قولٍ وفعلٍ مُرائٍ كذبٌ ونفاقٌ، فالله يفيض بالإحسان أما البشر فإنهم ينسبون إحسانات الله إلى أنفسهم بدلًا من استخدامها في الوصول إلى الله، ويجعلونها حجابًا بينهم وبين الله، إن كل ما نملكه من الخير والملكات والنجاحات هو من عند الله تعالى، لكن الإنسان الجاحد المنكر الأنانيَّ يجعل من كلِّ هذا سببًا لنسيان الله في وقتٍ أدعى له أن ينجذب حتى وهو في أصغر النِّعَمِ، فيقول: “اللهم إنه منك، اللهم إنه منك!” .
وثمة أمرٌ آخر مهمّ يؤكّد عليه كُولَنْ من أجل حياةٍ قلبيّةٍ سليمةٍ؛ ألا وهو تكامل القول والفعل وتطابقهما، فيُذكِّر بأن أكثر ما خاف منه سيدنا رسول الله  بالنسبة لأمّته هو نفاق العَالِم ودهمائية المنافق، ويقول:
“المسلم ليس إنسانًا جدليًّا، إنه إنسانٌ يسعى ليَكون كتابًا يتحرّك على الأرض بتصرّفاته وتحركاته أكثر من أقواله وكلماته، فرسول الله  وخلفاؤُه الراشدون لم يسعَوا في أيِّ وقتٍ قطُّ إلى زخرفة القول وتنميقِهِ، بل سعوا لأن يكونوا قدوةً لمن حولهم بتصرُّفاتهم وأفعالهم.
وثمة بُعْدٌ آخر من أبعاد تكاملِ القول والفعل وتطابقِهما ألا وهو القدرة على تحقيق وَحْدَةِ البداية والنهاية، ومقصدي من هذا: أن سيدنا رسول الله  لم يُغيِّر طوال حياته قطُّ سلوكَه المتواضعَ النزيه الذي تحلّى به منذ البداية، فهل كان النبيُّ  هكذا وكان صحابته على خلافه؟ كلا وألفُ كلا!… فمن أسلموا قلوبهم لقضيَّةٍ مقدَّسةٍ ينبغي لهم ألا يستغلّوا ما يحظَونَ به بسبب تلك الدعوة من تقديرٍ وفضل؛ وعليهم أن يعتبروا ولو حتى مجرّد غرس شجرة في حدائقهم استفادةً من الدعوة خيانةً، فعليهم أن يفعلوا مثلما فعل رسول الله وصحابته الأجلاء؛ ويرحلوا عن هذه الدنيا كما جاؤوها في إطار تكامل وتطابق بين المبدإ والمنتهى” .
القلب السليم
يركز فتح الله كُولَنْ على ضرورة سلامة القلب من أجل حياة معنوية سليمة وصحيحة، ويؤكّد على أهمّيّة سلامته مستدلًّا بهذه الآية القرآنية الكريمة: ﴿يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/88-89)، ويُشبِّه كُولَنْ القلبَ السليمَ بالقِدْرِ البخاريّة فيقول:
“كما أن القِدْرَ البخاريّة لا تُسّرِّب شيئًا خارجها أبدًا إلى أن تَصْفِرَ؛ فالقلب السليم كذلك أو يجب أن يكون كذلك؛ فالواقع أن الرحمة وإحسانَ الظنِّ بالجميع يضعُ الإنسان بطريقة أو بأخرى في قالَبِ سلامة القلب، ويكفي أن نسير نحن في هذا الطريق”.
وعقب ذلك يُذكِّرُ كعادته دائمًا بشيء آخر فيقول:
“ينبغي للإنسان ألا يرى عيوب الآخرين على الإطلاق، وعليه أن يتصرّف كنائبٍ أو مُدّعٍ عمومي تجاه نفسه، ومحام بالنسبة للآخرين، انظروا إلى الأخلاق والكرم الإلهي؛ إنَّ المولى يمنح حقَّ الحياة حتى لمن يَكْفُرُون به وينكرونَه، ويرزقهم رغمَ كلِّ ما يبدُر منهم، انظروا إلى تجلِّي عدالته يوم القيامة أيضًا؛ فهو يعفو عمن تَبُزُّ حسناتُه سيّئاتِهِ، وهكذا فإنه ينبغي -نزولًا عند فلسفة “تخلقوا بالأخلاق الإلهية”- رؤيةُ الجوانب الإيجابية لمن حولنا دومًا، والتغاضي عن جوانبهم السلبية إن وجدت؛ ففي ظل هذا فحسب نستطيع الفوز بالقلب السليم” .
اتّقاء الرِّدَّةِ والخوف من العاقبة
يُذكِّرُ فتح الله كُولَنْ دائمًا بضرورةِ أن يكتنفَ الإنسانَ شعورُ القلَقِ تجاه عاقبته؛ وأن يتساءلَ في سرّه هل سيُخْتَمُ لي بخاتِمَة الإيمان أم لا؟! وكما أن هذا التذكير يشملُ القلقَ من العاقبة بمعناه العام؛ فإنه يستهدف اتِّقاءَ المسلمين الرِّدَّةَ؛ ولهذا يقول، على سبيل المثال:
“لقد حدث مع أولي العزم من الرسل -وهم سادتنا: محمد وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح  أجمعين- أن ارتدّت طائفةٌ من قومِ كلٍّ منهم وإن كانت قد وقعت حالاتٌ من الردة حتى بين مَنْ عاشوا الجوّ والمناخ الذي عاشه الرسل في الماضي؛ فبدهيٌّ حصولُ نظائرها في هذا العصر الذي لم يُدرِكْ أو يتذوَّقْ أربابه لذَّةَ العيش في طمأنينة، ولم يصطبغ بالصبغة النبوّية؛ ولذا فعلى الجميع أن يقلق بشأن عاقبته”.
ويعرض فتح الله كُولَنْ النقاط الآتية كأدوات للوقاية من الرِّدَّة:
“القلق الدائم حيال الخاتمة، والحذر التام من اعتبارِ الإنسان نفسَه في مأمن.
شدّة الخوف من الله.
اتباعُ الشريعة الفطرية؛ أي مطابقة الدعاء الفعلي للدعاء القولي، والانشغالُ الدائمُ بالعبادة والطاعة، والبعدُ عن مَوَاطِن الذنوبِ والآثامِ وما نُهِيَ عنه.
مداومةُ مطالعةِ -وليس حفظُ- المؤلّفات المتعلِّقة بالإيمان، وتدارسُها.
التعاونُ مع الأصدقاء وملازمتُهم في حلقات العلم وتجنُّب الوحدة، والحرص الدائمُ على تذكُّرِ دساتير السلوك مثل: ﴿كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (سورة التَّوْبِةِ: 9/119) و”فَإِنَّمَا يأكلُ الذئبُ من الغنمِ القاصيةَ” والعملِ بها.
تخصيصُ نصفِ اليوم على الأقلّ لخدمة الله تعالى إلى جانبِ الوظيفة والعمل الرسميّ.
والأمر الأهمُّ هو التزامُ بابِ الحقّ تعالى؛ فمن يَلْتَزِمْ البابَ مخلِصًا صادقًا يرجى من الله أن يغفر له ذنوبه، ومن ثَمَّ فإنه ينبغي للمنزعجينَ من ذنوبهم المتضرّرين منها أن يُهْرَعُوا إلى خدمة الدين؛ فهذا أعظمُ الاستغفار، وللخائفينَ ممّا حولهم البحثُ عن الأمان في الخدمة .
العبوديّةُ الحقّة ومعاييرالمحاسبة والمراقبة من أجل حياة قلبيّةٍ سليمةٍ
يُقَدِّمُ فتح الله كُولَنْ مجموعةً من المعايير الثابتة وحزمةً من نماذج المراقبة والمحاسبة بغيةَ الوصولِ إلى العبوديّة والحياة القلبيّة الحقَّةِ وحمايتِها، وهاكم بعضًا منها:
مرَّ الفاروقُ عمر  برجلٍ بنى بيتًا من طابقين، فقال له: “الموت أقرب منك!” فما الذي تُبيّنُه لنا وتشرحه هذه العبارة؟
ينبغي للإنسان -إلى جانب ضرورة تربّحه وكسبِه المالَ للإنفاقِ على عائلتِهِ والتصدُّقِ في سبيل الله- ألّا يُعلِّقَ قلبَه بالدنيا، ولا يُمسِك أو يكنز ما يفيضُ عن احتياجاته الضروريّة.
إن كان لدينا فائض عن حاجاتنا الضروريّة من مالٍ ومتاعٍ وغيره فلا بدّ من التصدُّق به وبَذْلِهِ في خدمة دِيننا وشعبنا وبلدنا والإنسانية ابتغاء وجه الله تعالى.
لا بدَّ من معرفة قيمة كلِّ نعمةٍ من النعم؛ حتى وإنْ كانت إدراكَ الظِّلِّ في طقسٍ حارٍّ، وضرورة إدراك ما تُلقيه النعم على العاتق من مسؤوليّات، وأنْ تنزِلَ كلُّ نعمة نستفيد منها كالصفعة على رقابنا تُنبِّهُنا.
يأتي الإنسانُ هذه الدنيا مرّةً واحدةً، ويُمنح فرصةً واحدةً للقيام بالواجبات والوظائف التي ينبغي له الوفاء بها، وهو إزاءَ هذه الفرصة اليتيمة إما رابحٌ أو خاسرٌ، فإن ضاعت منه تلك الفرصة لم ينفعه ندمُه على ما ضيَّع قطّ؛ ولا رغبته أن ﴿ارجعونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، وإنما يُقال له: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (سورة الْمُؤْمِنُونَ: 23/99-100) .
ويُقدِّم كُولَنْ مبادئَ أخرى للمحاسبة والمراقبة على النحو التالي:
أداء العبادات بإخلاص.
البحث عن وجود أيِّ خَلَلٍ أو تقصيرٍ حتى في أكثر العبادات التي أديناها بوعي وحساسيّة.
استحقار النفس وازدراؤها، وملازمةُ شُكْرِ الله تعالى على نعمة الإيمان وأَنَّنا لم نكن كفّارًا في الأقلّ.
إنَّ مَنْ يُحسِنُونَ تنميقَ العبارات ويُجيدون الحديثَ بين الناسِ يحظَون بحُسْنِ ظنِّ الناس بهم، والمهم هنا هو أن يُقنع الإنسانُ نفسَه بنفسِهِ بأنه في الحقيقة لا يعني أيَّ شيءٍ، وإلا وقع في خطرٍ عظيمٍ إنْ ظنّ نفسَه شيئًا ما واغترّ بها” .
ينبغي للإنسان أن يكون حسَّاسًا ومتنبهًا دائمًا لهَبَّاتِ الغرور والكِبرِ، وأنْ يعرفَ كيف يكبح جماحَ نفسِهِ بمحاسبته إياها ومراقبته الدائمة لها، وإن أقصرَ الطُّرُقِ إلى ذلك نسبةُ كلِّ الخيراتِ المُنعَمِ بها علينا إلى المنعم الحقيقي وهو الله ، والتصديقُ بهذا والاعترافُ به وإعلانُه.
إنَّ الغرورَ خواءٌ يشعرُ به صِغارُ الناس الذين لم يخبُروا أنفسهم ويتمكّنوا منها؛ فلِكُلِّ إنسان نافذة يرغب في أن يظهرَ ويُطِلَّ منها في الحياة الاجتماعية، فبينما قِصارُ القامة يسعى كلٌّ منهم بالوقوف على أطراف أصابع أقدامه كي يظهر بمظهرِ طويل القامة فيفضحُ قِصره ويُظهِرُ نقصَه بفِعله هذا؛ نجد طوال القامات يَنثَنُون ويَنحَنُون اجتهادًا منهم كيلا يبدوا طوالًا. أجل، إن دليلَ العظمة التواضعُ والتصاغُر، ودليل الضعفِ والدناءَةِ الزهوُ والتكابرُ.
تكون لدى ضِعاف النفوس عقدة نفسيّة، يكون الغرور علامةً عليها، فلا ينبغي للمؤمن الذي يحظى بكمٍّ هائلٍ من ألطاف الله ونِعَمِهِ أن تكون لديه مثلُ هذه المشاعر” .
اللياليوالدموع
يركّز فتح الله كُولَنْ -إلى جانب الدعاء والاستغفار الدائم- على التهجّد وذرفِ الدموع في الليل خاصّةً، وقلّما تجد على مرّ التاريخِ مربّيًا نفسيًّا ركّزَ على هذا المحورِ قدرَ تركيز الأستاذ كُولَنْ عليه، وعن الدموع يقول:
“إنَّ الدموعَ تعبيرٌ وبيانٌ عن لحظةٍ تَلُفُّ الروحَ فيها أحاسيسُ ساميةٌ علويّة لفًّا تامًّا؛ فتصهر القلب وتنفي عنه الرغباتِ الحقيرةَ والخبثَ، وتُثير فيه مشاعرَ كالهيبة والخوف والاحترام والحبّ…
الدموع لآلئُ هذا العالم الفاني الجديرةُ بالبقاء، التي تشبه برقيِّها رقيّ السحاب، وتطوفُ في رحابِ رحمة الله… والبحثُ عن أخبارِهِ في كلِّ مكانٍ، ثم الذوبانُ كالثلوجِ عند انفراجِ كلِّ ضيقٍ وانحلالِ كلِّ عقدة… والفيضُ والجريانُ، والندمُ والبكاءُ… أيُّ سعادةٍ وأيُّ متعةٍ ولذَّةٍ يمكن أن تكون أصدقَ وأخلصَ من هذه؟!”.
البكاء من أجل اللقاء والوصال، ثم فرحًا باللقاء والوصال… هذا البكاء ليس بكاءَ يتيمٍ ولا قانِطٍ… هذا البكاءُ ينبع ويتأتّى من العجز عن المعرفة التامّة، من العجز عن الوصول إلى الجوهر، أو من نشوة الوصال، أو من هيبة الوقوف في حضرة الله، إنه لذيذٌ عَذْبٌ حيث ينتهي بنزول الرحمة؛ فلا خسران في هذا البكاء لأنه في سبيل الوصال وإرشاد الآخرين إلى ما وصل إليه.
لــــــــــو خـــــررتَ خـــــــريـــــــــــــــــــرَ الـــــمـــــــــــــــــــاء
وانهمرت عيناك مثل أيوب بالدموع والبكاء
لــــــــو وقــــــفـــــــــتَ لــــــــه عـــــــلــــــى الـــــــبــــــــــاب
وفــــديــتــــه بــــالــروح والـنـــفـــــس والأحـــبـــاب
وعملت بأمره، أما يُجــزل لك الثــواب؟
ولم يقتصر تركيزُ كُولَنْ على البكاءِ على بضعِ مقالاتٍ فحسب، فلقد أظهرَ في العديد من لقاءاتِهِ وأحاديثِهِ تركيزًا مُلِحًّا، حتى إنه من الممكنِ القولُ: إنه إنسانٌ غريبٌ عبّر -ولا سيما في لياليه التي لم يذُقْ فيها النومَ- عن عشقِهِ وقلَقِهِ وشوقِهِ وأَمَلِهِ ومعاناتِه بواسطة دموعه وهو في حضرة الله، وسعى وهو بين الحشود والجموع أن يُذهِبَ وحدةَ ووحشةَ نفسِهِ بأنسيّة “مُعين المحتاجين”، ونجده في توجُّعاته الداخلية النفسية التي استطاع إفراغها في كتاباته بواسطة الفنون البلاغية من مجازٍ وكنايةٍ وجناسٍ وتوريةٍ يُصَوِّرُ الليلَ على النحو التالي:
“تُمثِّلُ كلُّ ليلةٍ من الليالي أداءً لا ينمحي من الذاكرة حيثُ ازدحمت فيها كلُّ عناصرِ الفنِّ والشعر مع مشاعر الجمال والأمل والعزيمة والإيمان الجاثمةِ على صدر الأحلام كالمياهِ الهادئةِ الراكدةِ في كلِّ الجهات، وعجّت فيها المصابيحُ المتلألئة هنا وهناك، والأحلامُ التي تلوح فتَلُفُّ الأرواحَ، والبذورُ تبدو وكأنَّ كُلًّا منها عالَمٌ خفيٌّ من الأسرار تعمَّقَتْ وألغزَتْ فيه أطيافُ السماء أكثرَ فأكثر، وأصواتُ المياه وصيحاتُ الطيور والحياةُ والوجودُ على نحو أكثر… وهناك المزيدُ من صنوف الجمال والحسنِ نَثَرَها على وجه الطبيعة اللهُ النورُ الموجودُ الحيُّ القديرُ، يستيقظ كلُّ واحدٍ منها في غرّة الليل كالبَذْرَة النابتة، ويختمر في أعماق الليل البهيم، وينمو راضعًا من صدره الحنون فيتطور ويظهر للعيان، وأرى أن موسيقى الحياة الحقيقيّة تُلَحَّنُ في الليلِ دائمًا، وفيه أيضًا تتردّد، وتجدُ نغمتَها في أحزن ساعاته، وتتولّدُ من أشدِّ المناظر المتوهَّمة في اللحظات التي يُخيِّم فيها الظلامُ على النور، ومن الأشكال المتخيّلة التي كوّنتها تلك المناظر والمشاهد.
أجل، إنَّ الليل فرقةٌ موسيقيّةٌ ساحرةٌ رائعةٌ إلى حدٍّ بعيدٍ يُلحِّنُ فيها القلقون والمهمومون قلَقَهم ومعاناتِهِم، ويتغنّون فيها بمزامير القلب؛ فالأصوات الصادرةُ عنها تعرج إلى السماء في نَفَسٍ واحد فتنتشِرُ في الآفاق، ولكن ما أغرب أن يكون معظم المتدثّرين بستار الليل لا يسمعون هذا الصوت، ولا يفهمون شيئًا مما يحدث حولهم… لا يسمعون ولا يفهمون؛ لأن عيونَهم غير وفيّة، ونياتِهم ميتةٌ، وأفكارَهم معوجّةٌ، وقناعاتِهم منحرفةٌ، إن الشعورَ بالوجودِ مرهونٌ بأن تملأَ المناظرُ والمشاهدُ الجميلةُ العيونَ والقلوبَ وتنفذ إلى الأرواح، وإنّ الإحساس به مرهونٌ بمعرفةِ الأشياء والتكاملِ معها، والتفتيشِ عن كلّ شيءٍ بمعايير القلب العارفِ، والتيقُّظِ والتنبُّهِ الدائمين، إنّ هذه الأرواح العارفة والحسّاسة تتعقّب كلَّ شيء بعنايةٍ تامّة؛ سعيًا منها أن تُدرك كلَّ المعاني التي يُعبِّر عنها الوجود، وتُقيِّمُ وتستفيدُ من الحقائق التي توصّلت إليها في مناخ الوجدان المنير؛ فتصِلُ من خلال هذا الطريق المنير إلى عوالمَ وأفكارٍ جديدة وتخبُرُ أبعادَها تمامًا، وتصلُ إلى متعٍ تُوازي متعَ الجنان، والوجودُ كلُّه في نظرهم بمثابة لسانِ حالٍ ناطقٍ وشارحٍ ومثيرٍ مُهَيّجٍ يفيضُ بالمعاني والأحاسيس” .
الوقايةمنالذنوبوالآثام
من المهم جدًّا أن يجتنبَ الإنسانُ الذنوبَ في حياته الروحية، ويحافظَ على المستوى الذي اكتسبه -مع ضرورةِ اجتناب المنافسة على الدرجات وقطع المسافات وما شابه ذلك- ويترقّى إلى درجاتٍ أعلى وأسمى، وكثيرًا ما يُذكّر فتح الله كُولَنْ بهذا الأمر، ويُقَدِّمُ توصياته حوله؛ فنجده في موضوع الوقاية من الذنوب مثلًا يلفت الانتباه إلى ضرورة أن يُطبَّقَ الإسلام في يومنا الحاضر تطبيقًا جيّدًا، ويشير إلى أنَّ فاعلَ ذلك يشبه من يمسك جمرةً في يده أو من يسير على الجمر الملتهب انطلاقًا من الحديث النبوي الشريف القائل: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ” ، لأنه يرى أن الرغباتِ المفطورةَ في طبيعتنا والنفسَ والنزواتِ البدنيةَ -التي يُغذِّيها الجوّ العام المحيطُ بنا- قد رَفعت ذيلَها ذا الغدّة السامّة كما العقارب؛ تسعى أن تلدغنا، غير أن كُولَنْ يسوق بشارةً في هذه النقطة فيقول:
“لمّا كان المغنمُ على قدرِ المغرمِ؛ كان علينا أن نُفَكِّرَ في المزايا التي ستُكسبُنا إياها كثرةُ الصعاب، فنروِّحَ عن أنفسنا، بل إننا نفرح ونُسرُّ؛ لأننا حين نستطيع تجاوزَ هذه العقبة ونتغلب عليها يكون رِبحُنا كبيرًا بقدر تلك النسبة والكمّيّة أيضًا”.
ثم يوصي من أجل الوقاية من الذنوب بما يلي:
أولًا: اتخاذُ أعلى درجات الحيطةِ والحذَرِ في المشي على مثل هذه الأرضية الزلقة والخطيرة من جميع الأوجه؛ فكما يتمّ المشي بكلّ حذر في الأراضي المزروعة بالألغام أو في مدينة للأعداء، يجب التدرُّعُ بالحذر نفسه أيضًا عند التجوّل في الأسواق والشوارع اليوم.
ثانيًا: لا بُدَّ قبل الخروج إلى الشارع والأماكن المليئة بالذنوب والآثام من تفحُّصِ واختبارِ مشاعرنا وأحاسيسنا وتغذيتها بالغذاء الروحي، ومحاسبة النفس، والدخول في مثل هذا الجوّ الروحي.
ثالثًا: عدم بقاء الإنسان وحيدًا، ولا سيما في البيئات التي تروج فيها الذنوب، بل الخروج دائمًا مع صديق أو أصدقاء يُساعدُ ويَحفظُ حيويّةَ الروح ويقظَتها.
رابعًا: عند خروجنا إلى الشارع علينا أن نصحب معنا دائمًا وبقدرِ الإمكان عناصرَ التذكير والمراقبة كالكتب والمجلات والأوراد والأذكار فهذه المواد تكون سترًا يحجبنا عن الآثام ووسيلةً للمراقبة والتذكير الدائم.
خامسًا: عندَ اقترافِ أيِّ ذنبٍ أو الوقوعِ في أيِّ خطإٍ يجبُ على الفورِ الندمُ وإعلانُ التوبة حتى لا يُفسح للذنب أيُّ مكان؛ إذ يجب أنْ يكون قلبُ المؤمن أقلَّ القلوبِ حملًا للذنوب، ولا يَسْمَحُ للذنبِ بالاستيطانِ فيه أبدًا، وكلما تأخّرت التوبة كلّما اسودّت الأرواح وتهيّأت سبلُ الذنوب والآثام الأخرى وسَهُلَ اقترافها.
سادسا: صلاةُ التهجّد هي نورُ عالم البرزخ، وهي من أسرع العوامل في محوِ السيّئات، لأنك تتوجّه فيها إلى ربك في أحلكِ ساعات الليل المظلم البهيم تدعو وتتضرّع بقلبٍ يُراوِحُ بين الخوف والرجاء، فسيلقى بإذن الله قبولًا حسنًا من الله تعالى.
سابعًا: حين يغفر الله تعالى لنا زلَّاتــنا وأخطاءَنا التي وقعنا فيها بين كل صلاتين إذ نقف بين يديه في الصلاة نعلن له عبوديَّتَنا بكلّ خشوعٍ وخضوع، علينا أيضًا أن نسعى إلى كسب رضاه بالنوافل والتهجّد.
الحفاظعلىالشدّالمعنويفيمواجهةالألفةوالتعوّد
يسوق فتح الله كُولَنْ على النحو السابق بعضًا من توصياته بشأن الوقاية من الذنوب، ويُردفها بمجموعة أخرى من الوصايا حتى لا ينزلق أحدٌ في الألفة والتعوّد، ويحافظَ على حياته الروحية وصحوةِ قلبه ونشاطِه وشدِّه المعنوي؛ ويخصّ الألفةَ بكلامٍ في غاية الأهمّية فيقول:
“أقصد بالألفة أن يتعوّد الإنسان على شيءٍ؛ فلا يأبه بالأشياء البديعة والخارقة التي يراها عن يمينه وشماله ومن خلفه ومن أمامه، فأيَّةُ مسألة تكون حيّة وجاذبةً عند أوَّل تعرُّفٍ عليها وإحساسٍ بها؛ إلا أنها بعد مرور مدة من الزمان ترتَسِمُ في أذهاننا بخطوطها وأنماطها الباهتة مجرَّدَ حكايةٍ عاديّةٍ، وسرعان ما تظلُّ هكذا وتستحيل أولى اضطراباتنا الروحية، وموجاتُ الحماس، ورقّةُ القلوب، بل ودموعُ العينين إلى محضِ خيال، وتغدو الأمور الجادّة والمهمّةُ في حياتنا تؤدَّى بشكلٍ دون مضمون، ويسيطر على الروح جفافٌ وضعفٌ وسطحيّةٌ لا نفوذَ إلى الجوهر واللُّب والمعنى حتى إنَّ القلوب تصبح غليظة فظّةً تمامًا، ويتبلَّد شعور الإنسان وأحاسيسه”.
بعد هذا التصريح يلفتُ فتح الله كُولَنْ الانتباهَ إلى أن الخدماتِ المبذولةَ في سبيل الله تعالى فحسب ومن أجل الدِّين والأمة والوطن والإنسانية إنما هي بمثابةِ درعٍ واقٍ مهمٍّ في مواجهة الألفة، وأن الإنسان يكون دائمًا محطَّ مَدَدٍ إلهيٍّ بسبب خدماتِهِ الدائمة، ويُذَكِّر بأنَّ ذلك يحمي حيويّته ويحافظ عليها، ويقول:
“أيًّا كان من لا يسعى سعيًا بهذا المعنى فمن المحتمل بالنسبة له دائمًا أن يتحجّر قلبه، وتجفَّ عيناه، ويفقدَ الجذب الميتافيزيقي والحيوية الداخلية بسبب الألفة، وبالتالي يتردّى في خدع الشيطان ووساوسِهِ؛ فتتسلّلُ الذنوبُ إليه تترى”.
ومن أجل حمايةِ الحياةِ القلبيّةِ والروحيّة والحفاظِ على الشدِّ المعنويِّ من الضياع يورد فتح الله كُولَنْ بعد ذلك ما يأتي من الوصايا بشكلٍ موجزٍ:
لا بدَّ من قَتْلِ الأنانية وسَحْقِ فكرة الـ”أنا”.
الإرادةُ أعظمُ أمانةٍ مُنحَها الإنسان؛ وبالتالي فلا بدّ له من الوفاء بحقوقها، وتوجيهها إلى ما خُلِقَت له.
لا بدَّ من التخلّي عن الولَعِ بالنفس، والتضييقِ عليها بالجوع والعطش والحرمان من الرغبات والأهواء.
إنَّ معرفةَ الله تعالى تجعلنا نتخطّى كلَّ الأهواء والرغباتِ وما قد تُزَيّنُهُ لنا النفسُ من متعٍ كاذبةٍ زائفةٍ، وتمكِّننا من التغلُّبِ عليها؛ وبالتالي فلا بدّ من التعمُّقِ في معرفة الله.
ينبغي لكلِّ إنسانٍ أن يتعمّقَ ويُغرِقَ نفسَه في التفكُّرِ والتأمُّلِ كلَّ يومٍ أكثر من سابقه، ويجمع كالنحلة تمامًا رحيقَ المعرفة من كتاب الكون المفتوح أمامنا، ويتَّبِعَ الطريقَ الرحبَ الفسيح الذي مهّده الأنبياءُ ثمّ الأولياءُ؛ فيُكسِب الروحَ في ظلِّ هذا الطريق مزيدًا من الحياة، وتُصبح كُلُّ خُطوةٍ تُخطى في هذا السبيل مصدرَ قوَّةٍ جديد. أجل، فبينما ينبغي ألّا ينفكّ مبضعُ الكتاب والسنة عن يدِ وجدانِنا فيستأصل أورامنا المعنويّة؛ ينبغي في الوقت نفسِه أن لا تَبْتَعِد المؤلّفات للمرشدين والمجدّدين الذين تختلف أساليب تَطْبِيبِهِم على حسب العصور، وكذا الحقائقُ الخالدةُ التي تشتمل عليها هذه المؤلفات المصنّفةُ على أنّها أدويةٌ ومراهم لا نشكُّ بأنها ستُطبِّبُ جروحَنا المعنويّةَ في أقصر وقتٍ ممكنٍ.
لا قِبَل لإنسان خلو من المعلومات أن يتأمّل ويتفكر؛ فالإنسان يصل إلى تراكيب وصيغ جديدة بقدر ما لديه من معلومات؛ فيستخدم هذه التراكيب والصيغ كمقدمة لأحكام وتراكيب جديدة؛ فتحصل في عالمه التأملي والفكري استمرارية وتعددية في الأبعاد، وبالتالي فإنه تلزم كثرة المطالعة والقراءة والتزود بالمعلومات والمعرفة بانتظام.
ولا بدّ كذلك من تحقيق الاستقامة حتى في الخيال، فكلُّ صورةٍ تلتقطها كاميرات عيوننا، وكلّ صوت يتنامى إلى مسامعنا، وكلّ عمليّةِ تذوُّقٍ تقومُ بها ألسنتنا، بل وحتى بعض الأشياء المؤثّرة في البدن؛ كلُّ ذلك يمهّد السبيل في مخيلتنا لخيالات خاصّة بها، ولهذا السبب يلزم الانتباهُ التامُّ إلى المناظر والملامح الداخلة ضمن الخيال الذي يمكن استخدامه في الخير والشرِّ على حدٍّ سواء من أجل دفعه إلى جهة الخير.
ضرورةُ تذكُّرِ الموت باستمرار وعدمِ تناسيه أو الغفلة عنه؛ فقد ورد في الحديث النبوي الشريف: “أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ” .
أهمّية القيام للتهجّد والبكاء والتضرُّعِ وسطَ أستار الليل الفاحم؛ فقد قال رسول الله : “عَينَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَينٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَينٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله” ، ومن ثمَّ فالدموع من هذه الناحية تعدل أنهار الجنان، وقد كان رسولنا  يعوذ بالله تعالى: “مِنْ عينٍ لا تدمع، ومِنْ قلبٍ لا يخشع”، أما التهجد فإنّه المصباح المُنير في الليالي الظلماء.
بالنسبةِ لمن لا يستطيع الزواج؛ فعليه بالصوم والعبادة كي يكبحَ بعضَ نزوات النفس وشهواتها، وليُبادِر بالزواجِ حالما تتوفّر له الإمكانيّات اللازمة لذلك عملًا بالحديث الشريف: “مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ (أي الزواج أو مُؤَن الزواج) فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ” .
ضرورة التعرّف على حيوات الصحابة الكرام ومَن خلَفهم من العظماء، والسعي من أجل العيش مثلهم.
الخوفُ والقلقُ الشديدُ من ارتكاب الإثم والنفاق.
تجنّبُ العُزلةِ والانفرادِ بالنفسِ، بل يجبُ علينا ملازمة الأخيار وأن نتّخِذَ صديقًا يوجِّهنُا إلى الصواب ويُوصِينا بالخير دائمًا؛ إذ يأمُرُ القرآن الكريم بمرافقةِ الصالحين الصادقين الذين يُطابِقُ فعلُهم قولَهم، “فاصحبْ مَن ينهضُك حالُه ويدلُّك على الله مقالُه”، ناهيك عن أنَّ الإنسان بمفردِهِ لا يستطيعُ كي يحقِّقَ العدالةَ أن يُقاوِمَ التياراتِ المخرِّبةَ وسُيُولَ الذنوب الجارفةَ، كما أنَّ ثَـمَّـةَ رحمةً في مجالسة الأبرار والأخيار وأداء العبادات معهم، وقبولًا واستجابةً في الدعاء الجماعي، إلى جانبِ كون الاتحاد والاجتماع وسيلة مهمّة لدفع المصائب والبلايا، فالله تعالى يَرعَى الأيديَ والقلوبَ السماويّة السامِيةَ التي تتضرّع إليه.
الاستماع إلى الناصحين أيضًا من الوسائل والحلول الواقية من خطرِ الألفة والتعود وهي كذلك واسطة لترقيق قلوبِنا، وللتّصدي لوساوس الشيطان وضغوطِ الذنوب والآثام.
ينبغي حماية كُلِّ حواسّنا الظاهريّة، فالإنسان الذي يغُضُّ طرفَهُ عن الحرام لا يتعرّض لأيّة خسارةٍ مادّيّةٍ أو معنويَّةٍ.
الإنسان العاطل الذي لا يشغل نفسَه بشيء يعيش عُرضةً للذنوب، ويمنح الشيطانَ فرصةَ التسلُّلِ إليه، لذا فلا بدَّ من الانشغال والعمل الدائم في سبيل نيل رضا الله تعالى، فالإنسان الصادق المُنتج النافع المجتهد الذي يخدم بحقٍّ وإخلاصٍ يحافظ على نشاطه وحيويّته دائمًا، ولا يقع أبدًا فريسةً للغفلة والحياة الشيطانية” .
انبلاجالأحاسيس
يقدّم فتح الله كُولَنْ الوصايا السالفةَ الذكر كوصفةٍ طبّيّةٍ لتجنُّبِ اقتراف الذنوب ولصِيانَةِ الحياة القلبية والروحية وحماية حيويَّتِها، ومن ثَمَّ الحفاظ على الشدِّ المعنويّ، ويركِّزُ انطلاقًا من الهدف نفسه أيضًا على الكيفيّة التي يُمكن بواسطتها تطوير الأحاسيس لأجل حياة الروح، ويوصي في هذا الشأن بما يأتي:
تتطوّر الأحاسيس وتَرقى بالتفكُّر والتأمُّلِ في الجنة والنار والصراط وما شابهها من أمور، وبالتأملِ أيضًا في مبدإ الحياة ومنتهاها عبر النظَرِ والتدبُّرِ في الأنفس والآفاق كذلك.
يُمكن أن تتحقّق معرفةُ الله تعالى بالعبادات والعمل إلى جانب الإيمان، وإنْ كان الإيمانُ قد فُرِضَ على النفس بشكلٍ نظريٍّ؛ فإنَّ الإنسان يستطيع بالعملِ والعبادةِ الإحساسَ بحقيقته وبجانبِهِ الباطنيّ إحساسًا تامًّا، وبالتالي فإنَّ انبلاجَ الأحاسيس وتطوُّرَها يتطلَّب العملَ الصحيحَ الدائم؛ ولذا فالمحافظةَ المحافظةَ على قيام الليل، وإياكم وإهمالَ تلاوةِ القرآنِ الكريمِ والأورادِ والأذكارِ، كما يلزم أن تُؤدّى العبادت -وفي مقدِّمتها الصلاة- بِــنِـــيَّــةٍ خالصةٍ صادقةٍ حتى تتطوَّر الأحاسيس ويتخلَّصَ القلبُ والروحُ من رِبقةِ البدن وأسرِه، ناهيك عن أنَّ المداومةَ على كلِّ هذا شرطٌ أساسيّ.
ضرورة تجنُّبِ الذنوب والابتعادِ عن المذنبين بكلِّ الوسائل؛ إذ يقول الإمام الشعراني: “لو جالَستُ تارك الصلاة برهةً من الوقت لم أتذوّق متعةَ الصلاة أربعين يومًا”، كما أن تنفيذَ الأوامر والاستعداد للآخرة من الأمور التي يجب التركيزُ عليها.
مهمٌّ جدًّا ترديدُ أسماء الله الحسنى؛ فذكرُهُ تعالى على نحوِ “يا كاشفُ” ربما يكون وسيلةً لانفراجِ ستارةِ الألطاف والنِّعم، والمداومةُ على ذكر أسمائه “الغفار والغفور والتواب” وسيلةٌ بالغة الأهمية من أجل انفتاحِ أبواب رحمته، أما بالنسبة لعدد ذلك فإنه يتغيّر وفقًا لطالب الرحمة والمغفرة… إلخ؛ فهذه الأعمال ترتبط بعضَ الشيءِ بالاستعداد والملَكة، علاوةً على أن الأهمّ في هذا كُلِّه هو سلامةُ القلب.
لا بدَّ من أن يكون المالُ والطعامُ حلالًا صِرفًا، فهذا عاملٌ مهمٌّ ومؤثِّرٌ جدًّا في انبلاج الأحاسيس وتطوُّرِها.
كذلك زيارةُ المقابر والمستشفيات تؤثِّرُ بقوّةٍ في انكشاف الأحاسيس وانبلاجِها إذ تذكّرنا بالنعم التي مُنحناها وأنها ستزول يومًا ما” .
التوازنُبينالقلبوالبدن
قبل أن نَختِمَ هذا الموضوع في إطار هذه الدراسة نرى فائدةً في إلقاء نظرةٍ على المعايير التي وضعها فتح الله كُولَنْ فيما يتعلَّق بالتوازن بين القلب والبدن:
“إنَّ الحياة الحقيقيّة مرتبطةٌ بدرجة إدراك حياة القلب والروح، والأرواحُ المحظوظةُ التي تعيشُ في هذا المستوى الرفيعِ للحياة وتدركُ عُلوَّها ترى الماضي خيمةً وسُدَّةَ حكمٍ للأجداد، وترى المستقبلَ طُرقًا ممتدَّةً نحو حدائق الجنة، وتستمرُّ في العَبِّ من مياه الكوثر التي تفجّرها في وجدانها إلى أن تُوَدِّعَ هذه الحياة الدنيا.
وبعد كلّ هذا فإنه يمكننا أن نَصِفَ بطلَ الحقيقة بأنَّه:
“رجلٌ يستطيع مجابهة كلِّ الدواهي ومقاومتِها ببدنِهِ وبأعصابه الفولاذيّة، أما فِكرُه وعقلُه فقد مزَجَ في بوتقةٍ واحدةٍ معارفَ عصره ومفاهيمَه بالحقيقةِ الأزليّة وصهَرَهما معًا، أي إنَّه يُشبه عالِمًا كيميائيًّا يُنشئُ في كلِّ آنٍ تركيبةً جديدةً، أما ملكاتُه الروحيّة والقلبيّة فهي بنفسِ نكهة القابليّاتِ والمَلَكَاتِ التي نشأت فيها وترعرعت ملكاتٌ من أمثال “مولانا جلال الدين الرومي” و”يونس أمره”، أي إنَّه في النهاية قلبٌ ناضجٌ عارفٌ، يستطيع -بينما يرى نفسه إنسانًا وفردًا عاديًّا بين الناس- أنْ ينسى بل يضحّي بلذّاته وحظوظه من أجل خيرِ الآخرين وسعادتهم” .
تلالالقلبالزمردية
يمكن الاطلاع على منهج فتح الله كُولَنْ في تربية النفس بشكل شامل في كتابه الذي يتشكل من أربعة أجزاء، ويتكون من مقالاتٍ كتبها منذ سنوات في مجلة “سِزِنْتِي”؛ حيث جُمعت ونُشرت في صورة كتابٍ تُرجِمَ الجزءُ الأول منه إلى العربية بعنوان “التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح”؛ إذ يتناول فتح الله كُولَنْ في هذه السلسلة من المقالات البعدَ الروحي والمعنوي للإسلام في إطار المفاهيم والمصطلحات.
وهو يرى القلبَ مرآةَ المعرفة الإلهية، ومركزَ الشعورِ والإحساسِ والتعقُّلِ وقوَّةِ الإرادة، وحقيقةَ الإنسان الواقعيّة، المسؤولَ أمام الله تعالى، المكلَّفَ بالمسؤوليات والمهمّات، المعاقبَ والمكافأ، الساميَ بنور الهداية، المكرَّمَ والمستحقرَ في الوقت ذاتِهِ، ووفقًا له كذلك فإنَّ القلبَ هو عين الروح، والبصيرةَ نظرُ القلبِ بحسب عالمها الذاتي، والعقلَ روحُ القلب، والإرادةَ ديناميَّتُه الذاتيةُ، والإيمانَ بالله ومعرفةَ الله ومحبةَ الله والمتعةَ الروحانيةَ -التي نشأت من هذه الثلاث- سببُ وجود القلب وغايتُه.
القلبُ موضعُ نظر الله ؛ أي إنَّ الله  ينظر إلى قلب الإنسان ويعامله وفق قلبه كما جاء في الحديث الشريف ، ذلك لأن القلب يشبه القلعةَ الحصينةَ بالنسبةِ إلى كثير من المزايا الحياتيّة للإنسان كالعقل والمعرفة والعلم والنيّة والإيمان والحكمة والقُربة، فإن كان القلب حيًّا قائمًا كانت هذه المشاعر حيَّةً، وإنْ خَرِبَ وانهَدَّ ببعض المُهلِكات تعسّر دوامُ حياتيّة هذه اللطائف الإنسانية، وقد لفت الصادق المصدوق الأنظارَ إلى مكانة القلب في جسم الإنسان وأهمّيَّتِهِ بقوله: “أَلا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ” .
والجانب الأهم من هذا هو دلالةُ القلب إلى الحق تعالى بما في ماهيّته من احتياجٍ إلى نقطتي الاستناد والاستمداد، وذلك بما يورد على وجدان الإنسان دومًا ما يعرِّفه ويوضِّحه كتابُ الوجود مفصّلًا بلسان الحاجة والاستجابة، حتى إن الانتباه يُلفَتُ إلى هذا البُعد اللاهوتي للقلب بالحديث الشريف الذي يقول: “إِنَّ لِله آنِيَةً مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَآنِيَةُ رَبِّكُمْ قُلُوبُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَأَحَبُّهَا إِلَيْهِ أَلْيَنُهَا وَأَرَقُّهَا” .
الإيمان روحُ القلب وحياتُه، والعبادةُ دمُه الجاري في عروقه، أما التفكُّر والمراقبة والمحاسبة فأُسسُ بقائه، ومَن لا إيمان له فقلبُه ميتٌ، وموصدة أبوابه في وجه الغيوب… وإنّ قلبَ المحرومِ من العبادةِ لفي شِرَاكِ الموتِ يكابدُ أمراضًا لا رجاءَ منها… أما إن كان فيمن يفتقر إلى التفكُّر والمحاسبة والمراقبة فمتعرِّضٌ لشتى أنواع المهلكات والمخاطر، ولا أمان له .
هكذا الأمر؛ فـ”تلال القلب الزمرّديّة” دراسةٌ تتناول جميعَ العناصر اللازمة لحياة القلب وحيويّته، ومؤشّراتِ حيويَّته وما يكتسب بفضلها من حالةٍ ومقامٍ وفضائلَ؛ وبتعبير آخر: إنها دراسة تتناول حياة الإسلام المعنويّة الروحية في إطار المفاهيم؛ لكنها لا تتناول هذه الحياة كعِلمٍ مجرّدٍ، بل إنها دراسة تشرحها باعتبارها حياة معنوية أو جانبًا روحيًّا معنويًّا من الإسلام التي هي تجربة وحالة وحياة معاشة.
إن “تلال القلب الزمردية” تُؤَطِّرُ للأمر من زاوية، بينما تزيل الأُطُرَ كلها من زاوية أخرى؛ ومن حيثُ أن الحياة المعنوية الروحية ذات بُعدٍ باطني في عمومها؛ وكما أن تجاوزَ المسافات نحوَ هذا المسارِ في غاية الصعوبة والخطر، فمن الواجبِ تناول هذا البعدِ في أُطُرٍ معيّنة، لأنه لمّا كان الباطن أو طريق المعنى مفتوحًا على مصراعيه للانحراف أو الخطإ لما له من العديد من الخصوصيّات فقد كانت قواعد الشريعة هي الحدودُ والأطُرُ التي تنيره بالأنوار الغامرة، وتمنعه من الانحراف، وعلى مرّ التاريخ استحال العلمُ التام بهذه القواعد أحيانًا، وأُقصيت عن التدبُّر والتأمُّل تأثُّــــرًا ببعض الآراء أحيانًا، بينما أُهملت في الأحيانِ الأخرى؛ ولذلك فقد ظهر في ساحة التصوِّف العديدُ من المذاهب الباطنيّة الضالّة، بينما الطوائف أو المذاهب التي ضلّت بفعل مؤثرات عدة اختارت طريق التصوُّفِ أساسًا لها، وهكذا فإن “تلال القلب الزمردية” تشير إلى حدود الحياة المعنوية الروحية أو الطريق المعنوي كي تستطيع هذه الحياة أن تسير ضمن حدودِ وأُطُرِ القواعد الإسلامية دون أن تسمح بحدوث أيِّ نوع من الانحراف والنشاز، وتظهر هذا الطريق بأصله المنير كما الشمس.
إن “تلال القلب الزمردية” بينما تؤطِّرُ بهذا الشكل وترسُمُ حدودَ الحياة المعنوية الروحيّة من جانبٍ، تُزِيلُ -كما سبق بيانه- الحدودَ والأُطُرَ من جانبٍ آخر؛ فطريق الباطن أو التصوّف كثيرةٌ منازلُه، ومراتِبُهُ بِعَدَدِ من آمنوا من البشر بدءًا من أعظم الخَلْق سيدنا محمد  إلى أصغر مؤمن على وجه الأرض، علاوة على أنه -أي هذا الطريق- منفتحٌ للجميع من إحدى النواحي والجهات، كما أن له كثيرًا من المسالك والمسارات التي استطاع السير فيها عددٌ قليلٌ من الناس، فمثلًا يمكننا اعتبار منهج محيي الدين بن عربي أو مسلك “وحدة الوجود” واحدًا من أهم تلك المسالك والمسارات، وهناك الكثير أيضًا من الخصوصيّات الأخرى التي ينحصِرُ فهمُها ورؤيتها على من يستطيع السير في هذا الطريق فحسب؛ فهذه الخصوصيات الموجودة لدى “منصور الحلاج” و”السهروردي” المقتول -على سبيل المثال- قد أَوْدَت بحياة كلٍّ منهما لأنها اصطدمت بحدود الشريعة في الظاهر، في حين أن تلال القلب الزمردية تستطيع أن تتناول جميع هذه الخصوصيّات في إطار سَعَةِ الحياة الروحيّة المعنويّة وفضائِها الفسيحِ، وكذلك في إطارِ المعاييرِ والضوابطِ الشرعيّة التي هي بمثابة حدودِ هذا الطريق المحيطة به إحاطةَ السورِ بالمِعْصَمِ.
“تلال القلب الزمردية” تُعَرِّفُ بالله تعالى بمصابيحِ المعرفةِ، وتقدم شَهْدَهَا أو بالصفاتِ والأسماء الإلهيّة مثل “الأحديّة والواحديّة” و”الأول والآخر والظاهر والباطن”، وهذا الأمر يتسبب في أن تتبلور وتظهر فيها علوم الكلام والتصوُّف والحكمة في صورةِ كلٍّ متكاملٍ على نحو علم المعرفة، وتقدّم إلى جانب ذلك كُلًّا من العلاقة بين الخالق والمخلوق التي تتراءى بالرموز والعبارات الملغَّزة الصعبة الفهم لدى محي الدين بن عربي وأمثاله، وخريطة التجلّي الإلهي بصوره كلّها، بالإضافة إلى أنها ترسمُ الخريطة الميتافيزيقية التي يمكنها تسليطُ الضوء على الكون وطبيعتِهِ الفلكيَّةِ باستخدام هذه المفاهيم، ومفاهيم أكثر اختلافًا مثل “العوالم العلوية” على حدٍّ سواء، وإلى جانب هذه المفاهيم فإن “تلالَ القلب الزمرّديَّة” تتناول -من جانبٍ آخر- تناولًا متعمّقًا وبكلّ الأبعاد العلاقةَ بين الإنسان والله تعالى في الإطار الكوني بصفةٍ خاصّة عبر مفاهيم مثل: “النجباء والنقباء والأوتاد والقطب وقطب الأقطاب والغوث”، وبمفهوم “الإنسان الكامل” الذي رَكَّز عليه خاصَّةً ممثِّلُو طريق الباطن أيضًا مثل “عبد الكريم الجيلي”، وتعرف الإنسان بأنه خُلِقَ في “أحسن تقويم” وأنه “خليفة الله في أرضه” وتُصَوِّرُ العلاقةَ بين الله والإنسان بأدقِّ نقاطِها وأمورها.
وثمة جانب آخر مهمّ لـ”تلال القلب الزمرّديّة” بقدْرِ أهمّيّة خصائصها التي حاولنا الوقوفَ عليها آنفًا؛ ألا وهو تقديمها الحياة المعنوية الروحية التي تُشكِّل جوهر الإسلام، وبالدرجة الأولى جوهره الذي يُعاشُ كلُّهُ في إطار منهجِ الصحابة، ويُحَسُّ ويُجرَّب ويُستَشْعَرُ به، ثم باعتباره نظامًا في غاية الأهمّيّة بشكلِهِ الذي اتّسَمَ به عبرَ التاريخ، وأغلب الاحتمال أنه سيسودُ في عالم المستقبل إلى جانب الدِّين أمورٌ قد تصطدم بالدين مثل العقلِ والعِلمِ والتقنيّةِ والبيان والرخاءِ، وستقطع التكنولوجيا المسافاتِ إلى حدٍّ قد يكون من الصعبِ حتى التنبُّؤُ به، فـ”تِلال القلب الزمرّدية” في هذا السياق يُقدّم المدرسةَ العرفانية الإسلامية في إطار الشموليّة والتكاملية المعرفية الإسلامية على أنها طريقٌ سليم وآمن ويستندُ إلى قاعدة صلبة تكفلُ عدم الانزلاق.

فتح الله كُولَن ْمِعْمَار فكريّ
إن الفكر التربوي لدى فتح الله كُولَنْ لا يتألّف من الخدمات التعليمية “الرسميّة” المتمثّلة في المدارس ودورات الإعداد والتأهيل للجامعة التي يوصي بها ويشجّعُ على إنشائها، فهو يتناول الإنسان ككلٍّ بجميع ملكاته العقلية وقلبه وروحه وضميره وبدنه، ويعطي الأوّليّةَ في هذا الكلِّ إلى الروح ثمّ العقل أيضًا بالدرجة نفسها، أو بدرجةٍ أقلّ، وبالرغم من حرصه على التربية البدنية؛ فقد اقترب إلى التعليم من ناحية العقل والروح بالدرجة الأولى، ويمكننا رؤية هذا بوضوح في عبارته:
“يعرف الجميع تقريبًا ما يتعلّق بالتربية البدنيّة، ولكن مَنْ يعرف قيمة التربية الفكرية والعاطفية -التي هي الأصل- قليلٌ جدًّا، بينما ينشأ في التربية الأولى إنسان الجسد والعضلات، وينشأ في الثانية إنسان الروح والمعنى” .
وظيفةالوعظ والمحاضرات
نجح فتح الله كُولَنْ في الامتحان الذي عقدته رئاسة الشؤون الدينية عام (1959م)، وحُقّ له أن يعمل إمامًا؛ فبدأ يمارس الإمامة في مسجد “ذي الشرفات الثلاث (ÜçŞerefeli)” في محافظة “أدرنه (Edirne)”، وكان كُولَنْ ذو البنية النشطة الحيوية والحسّاسة لأقصى درجة -باعتباره إنسانًا يحبّ الاستماع أكثر من الحديث، والقراءةَ أكثر من الكتابة- يَعِظُ في هذا المسجد قبل صلاة الجمعة في تلك الفترة التي عمل فيها، ثم يذهب إلى جامع “السليمية” ليستمع الخطبة، ويصلي جمعته هناك، وكان يستثمر راتبه في شراء الكتب والمجلّات، فيهدي إلى الآخرين معظمها بعد أن يقرأها، ويقضي أيّامه ببضع لقيمات يقيم بها أَوَدَه.
ويتمتّعُ فتح الله كُولَنْ بِبُنْيَةٍ وشخصيّةٍ حسّاسة للغاية في مواجهة الأخطاء، تُقدِّرُ الأمور حقَّ قَدرِها، وتتواصلُ مع الناس ذهنيًّا وقلبيًّا؛ ولذا فإنها تُعتبَرُ جَانبًا من أهم جوانب حياته التي تتطلّب بحثًا مستقلًّا، ومن هنا فقد عُرف أساسًا -وفي المقام الأوّل- بمواعظه ودروسه الإرشادية قبل أن يُعرف بحملته التعليمية التي تملَّكَها الشعبُ والرأي العام بمدارسها الخاصة والدورات التأهيلية للجامعات الموصى بها من قِبَلِه، فقد وعظ حتى أثناء أدائه الخدمة العسكرية في “إسكندرون” عام (1962-1963م) أيامَ الجمعة في أحد جوامع المدينة بإذن قائده، وبعد أن أدى خدمته العسكرية واصل حياته الوظيفية في كلٍّ من “أدرنه” و”قِيرْقلَرْ أَلِي (Kırklareli)”، وبنقله إلى “إزمير” عام (1966م) بدأ مرحلةً جديدةً من حياته؛ فكان يعمل مديرًا ومدرِّسًا في نفس الوقت في معهد “كَسْتَانَه بَزَارِي (Kestanepazarı)” في “إزمير” من جانب، ويَعِظُ في جامعه (أي جامع كستانه بزاري) من جانب آخر، ومنذ ذلك اليوم وما تلاه صار يُعرفُ بحياتِهِ الوعظية التي سيواصلها في كل من “أَدْرَمِيتْ (Edremit)” و”مَانِيسَا (Manisa)” و”بُورْنُوَا (Bornova)” في “إزمير”، ثم في منطقة “إِيجَه”، وصارت تركيا كلها تعرف الواعظَ الشهير باسم “الشيخ فتح الله”، كما صارت تسجيلاتُ مواعظِهِ متداولةً بين جماهير الناس.
حَلُّ”أسئلة العصر المحيرة”
لم يكتف فتح الله كُولَنْ بالوعظ في المساجد فحسب في تلك السنوات؛ فقد خرج للوعظ في المقاهي في أولى سنواته بـ”إزمير”، ثم بدأ في إلقاء سلسلة من المحاضرات والمؤتمرات بدءًا من منطقة “إِيجَه” ومرورًا بالخارطة التركيّة كاملةً، وقد تناول في محاضراته هذه مواضيع عدة مثل: العلاقة بين القرآن والعلوم الطبيعية، والعدالة الاجتماعية في الإسلام ونظرية التطوّر، كما كان يُجيب عن أسئلة طلابِ الجامعة بصفةٍ خاصّةٍ في الجامع عقب الصلوات أحيانًا، وفي أحد المنازل أحيانًا، وفي البراري أحيانًا أخرى، وحين ننظر إلى مواضيع مواعظه ومحاضراته والأسئلة المطروحة عليه وندرسها نفهم الجانب الحركي والعملي في شخصيّة كُولَنْ أكثر فأكثر، وكذلك نظرتَه إلى الإسلام، وعلى أيِّ المواضيع ركّز باعتباره مربّيًا تربويًّا، ومن بين المواضيع الرئيسة التي شدّد وركّزَ عليها عدَّة أسابيع أحيانًا أدلّةُ التوحيد (أدلة وجود الله ووحدانيته)، ثم سلسلةُ عقيدة الحشر والبعث التي استمرّت شهورًا وجُمعت في كتاب بعنوان “نفخة البعث(ÖlümÖtesiHayat)” وكذا تربية الطفل التي استمرت شهورًا أيضًا، وقد جُمعت في كتاب بعنوان “من البذرة إلى الثمرة”، وكذلك الحياة الأسرية وما شابهها، أما في مواعظه التي استأنفها فخريًّا عام (1989م) فقد تحدث فيها عن سيدنا رسول الله  بكل جوانبه على مدار عامٍ كامل، وجُمعت مواعظه هذه في كتاب بعنوان “النور الخالد محمد  مفخرة الإنسانية(İnsanlığınİftiharTablosu: SONSUZNUR)”، أما في مواعظه التي اضطلع بها أعوام (1990-1992م) فقد تناول مواضيع أكثرُها من قبيل معرفة الله ومحبته، ومعرفة الرسول  والصحابة الكرام، وإنسان الإرادة والروح، وحقوق الوالدين، والأخوة والرحمة والصبر…
وكما عُرض آنفًا فقد نُشِر قسمٌ بسيط فحسب من أجوبة فتح الله كُولَنْ التفصيليّة حول أسئلة العصر كطبعةٍ أولى مختصرة، ثم نُشِرَت لاحقًا في أربعة مجلدات بعنوان “أسئلة العصر المحيّرة (AsrınGetirdiğiTereddütler)” ، وقد جاء كلُّ واحد من هذه المجلدات في الصفوف الأولى من قائمة أكثر الكتب مطالعة ومبيعًا في تركيا، وهاكم بعضًا من تلك الأسئلة التي طرحت عليه، وأجاب عنها:
كيف يقال إنه سبحانه في كل مكان مع أنه واحد أحد؟
يُقال إن الله خلق كل شيء.. فمَن -حاشا لله- خلق الله؟
لِمَ لَمْ يخلق الله تعالى الناس سواسية، وكان فيهم الأعمى والأعرج؟
يتساءل البعض لماذا لا نرى الله في هذه الحياة؟ كيف نجيب هؤلاء؟
يقولون: إن الله تعالى تكفل بالرزق، فما لنا نرى أناسًا في بعض الدول يموتون من الجوع والقحط اللذين استغرقا خمسين أو ستين يومًا؟
يقال إن الإنسان عندما لم يستطع إيضاح وتفسير بعض الظواهر الطبيعية اخترع فكرة الدين، فهل تقدُّم المدنية يزيل الحاجة إلى الدين؟
يقال إن الاسلام دين يلائم العقل والمنطق، ولكنه يستند إلى النصوص وهذا يستوجب التسليم والإذعان، فكيف الجمع بينهما؟
ألا يمكن أن يكون القرآن من كلام رسول الله  ؟ إن لم يكن كذلك فكيف يمكن البرهنة على هذا؟
كيف يستطيع ملك الموت وحده القيام بقبض أرواح العديد من الذين يموتون في لحظة واحدة؟
ما هي “وحدة الوجود” وهل توافق عقيدة أهل السنة؟
لِم حُرِّم زواجُ الأخ بأخته وقد كان حلالًا لأولاد آدم وحواء ؟
هل وجود “الأثير” حقيقة؟ إن كان موجودًا فما هو؟
لماذا يصرّ الشيطان على الكفر وهو يعلم أن مآله إلى جهنم؟
هل هناك علاقة بين “الإيدز (AIDS)” و”دابّة الأرض” التي تعدّ من علامات يوم القيامة؟
هل يمكن لقاء الخَضر ؟
كيف وصل الإنسان إلى قارة أمريكا؟
ما الفرق بين أسماء الله تعالى وصفاته؟
ما حقيقة التوسل؟ وما المشروع منه والمحظور شرعًا؟
هل الشفاعة حق؟ ومن له أن يَشفع؟ وإلى أي مدًى؟
هل لجهنم دور في إصلاح وتهذيب أهلها؟
ما السبب الكامن وراء إصرار بعض المحافل العلمية على نظرية داروين رغم ظهور بطلانها وانكشاف عَوَارها؟
ما الخصائص التي لا بدّ من مراعاتها عند تعلمنا للدين وتعليمه لغيرنا، وما الذي يجب أن يكون عليه منهجُنا في التبليغ؟
هل يمكن أن تحدِّثَنا عن جهود ومساعي النبي  والمسلمين الأوائل الرامية لإنقاذ إيمان غيرهم؟
كيف نتصرف تجاه إخوتنا المسلمين الذين تهاونوا في خدمة دينهم وأمتهم، وفقدوا نشاطهم وانفعالهم في القيام بأفعال الخير؟
إلامَ يكون الشدُّ المعنويُّ عند المؤمن؟ وكيف يجب أن يكون؟
هل يمكن أن تشرحوا لنا كيف نحافظ على جيلنا ضدّ عمَليات التخريب التي يقوم بها المفسدون؟
كيف نستطيع صيانة أنفسنا من أخطار الحياة ونزوات الشباب؟
ما السبب في انتشار الإلحاد كل هذا الانتشار؟
ما الذي يجب ذكره أولًا للمُنكِر والمُلحِد، وكيف؟
هل توجد مشارب ومدارس مختلفة في الإسلام؟ وهل حدث مثل هذا الخلاف بين الصحابة الكرام؟ وما الفكر الذي يوحّد بينها؟
لقد انتشر في أيامنا الاستعانة بالعلوم الحديثة في شرح الإسلام، كيف تنظرون إلى هذا الأمر؟
كيف يمكننا أن نعوّد إنساننا على القراءة؟
ما الذي ينبغي للإنسان من تهيئةٍ فكريّةٍ عند المثول في حضرة مولاه ؟ وما الذي يتوجب عليه وهو في هذه الحضرة الإلهية؟
كيف يكون حالنا إزاء فتن آخر الزمان؟ وكيف نحمي أنفسنا؟
ما معنى الجهاد؟ وهلّا تفضلتم بتعريف الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر؟
في أوقات فراغنا يُلقي الشيطان في قلوبنا كثيرًا من الشبهات والشكوك وتصبح إرادتُنا أُلعوبةً في يد مشاعرنا حتى نحسّ بأن صبرنا عن المعاصي قد بدأ ينفد، فبماذا توصوننا؟
ما المعيار الذي يجب أن تكون عليه أزياؤنا وأثاث بيوتنا؟
ما الذي يجب أن يكون عليه مقياسُ العَفْوِ والسماحِ عند المسلم؟
هذا غيضٌ من فيضِ الأسئلة التي طُرِحَتْ على الأستاذ فتح الله كُولَنْ في أماكن مختلفة وأجاب عنها تفصيلًا، وعلاوةً على هذا أيضًا فقد وُجِّهَتْ إليه في أوقات مختلفةٍ أسئلةٌ تتضمّن مواضيع تتعلّق بالظروف الراهنة نوعًا ما، وقد جُمِعَت الأجوبة المفصَّلَةُ التي أدلى بها عن تلك الأسئلة أيضًا في سلسلة “الموشور” التي نُشِرَت في تسعة أجزاء حتى الآن (2015م).
هذا وهناك أسئلة أخرى انتلقت مع أجوبتها إلى الكتب، وكانت إجابات كُولَنْ عن الأسئلة التي تطرح عليه في أثناء الدروس والمواعظ واحدةً من مناهج وأساليب بنائيَّتِه الأذهانَ والعقول.
وكان فتح الله كُولَنْ إلى جانب طبيعته المتواضعة الخجولة لا يتحدّث ما لم يُوجّه إليه سؤال، وربما يكون السبب في هذا استحالة تحديث من لا يتلقّون من البشر، ولا يشغفون إلى المعرفة، ولا يهتمّون بالتأمّل والتعقّل، كما كان يهتمّ بمبدإ الإرشاد، ومن ثمّ بالمخاطب، بقدر اهتمامه بتوضيح السؤال وبيانه، يعني أنه يجب أن يستفيد طارحو السؤال وغيرُهم من المستمعين على حدٍّ سواء من الإجابة بقدر ما يجبُ توضيح السؤال، وأن يَحُلّوا بتلك الإجابة إحدى قضاياهم، علاوة على أنه يجب أن يؤثِّر هذا الجوابُ في حيواتهم القلبية، ومن هذه الناحية فقد تأتي الإجابة أحيانًا على النحو الذي يُحقق أعظمَ فائدة لسائله وغيره من المخاطبين، وليست إجابةً تقابل ما في السؤال بالضبط فحسب، وإلى جانب هذا فكثيرًا ما يقول فتح الله كُولَنْ ما يريدُ قولَه لمخاطبيه منطلِقًا في هذا من أحد الأسئلة المطروحة عليه، وقد لا يكون لهذا علاقة مباشرة بالسؤال؛ إلا أن ثمّة رسالة معيّنةً يقدّمها عبر تلك الإجابة، فيُقدّم حلولًا للنوازل، ويُذَكِّرُ بشيءٍ ما، ويحذِّر من آخَر.
يتحدّث فتح الله كُولَنْ بحذرٍ ودقّةٍ شديدة في مواعظه وأحاديثه وإجاباته على حدٍّ سواء، وقدرتُه على الخطابة حقيقة يُقِرُّ بها الجميع، ومع أن هذه القدرة هبةٌ من الله دون شكٍّ فهي مَلَكَةٌ نُمّيت وقُوّيت بالعمل عليها وتطويرها؛ ففتح الله كُولَنْ الذي كان يتحدّث بسرعة في صغره اكتسب قوَّتَه الخطابية الموجودة لديه أصلًا بفضل تعليمه نفسَه بنفسِه فنَ الإلقاء والحديث، هذا أولًا، أما ثانيًا فلأنّه نفسه كان يستخدم الكلمات والمصطلحات في مكانها الصحيح، سواء في خطاباته أو كتاباته، وهو كإنسان ملمٍّ باللغة والبلاغة كان إذا ما شعر واقتنع بأنه استخدم كلمة خاطِئَةً سرعانَ ما يُغيِّرها ويُصوّبها، وخلافًا لذلك كان إذا ما استنتج أن ما استخدمه من كلمة أو جملة أو ما عبر عنه من فكرة ربما يخطئ المستمعُ إليها فهمَها تحدَّث مع ذلك الشخص حديثًا خاصًّا في وقتٍ لاحق، وأوضح له الأمر، فيزيل الفهم الخاطئَ المحتمل.
وكما يهتمّ كُولَنْ بإقناع العقل ينتبِهُ كذلك إلى القلوب ويهتمّ بأن تنال نصيبَها من الطمأنينة، وأن تَحصُلَ الملكاتُ الإنسانيةُ الأخرى أيضًا على غذائها اللازم لها، وذلك بحسب الموضوع المطروح في أجوبته عن الأسئلة المقدمة إليه سواء في مواعظه في المساجد أو في أحاديثه، وإن تباين ذلك واختلفت درجاته.
ويكثر كُولَنْ من استخدام الفنون البلاغية مثل التلميح والاستعارة والكناية والتورية، وهو بهذه الطريقة يُحمّلُ الكلمة معانيَ متعدّدةً ومختلفة إضافةً إلى وظيفتها الأصليّة، علاوةً على أنه يصوغ الكلمات التي دخلت اللغة التركية في المجال التقني في صورة مفاهيم، ويُحسن استخدامها، كما أنه يتميّز بأسلوبه وتضمينه المنظومات والأشعار في كتاباته وأحاديثه، ونظرًا لميزاته الأسلوبية فإنّه أحيانًا ما ينبِّه ويحذِّر من أمر بكلمةٍ قد يظنّها الكثيرون نوعًا من المجاملة، ولهذا السبب فربَّما يُفسَّر كلامه تفسيرًا مختلِفًا من قِبَلِ بعض مستمعيه من حين إلى آخر، ولتجَنُّبِ الخطإ في هذا الموضوع ينبغي فهمُ ووعيُ بنائِه الفكريّ ووجهة نظره وأسلوبه ولغته بمقاييس معيّنة على الأقل.
لا يجيب فتح الله كُولَنْ على أيّ من الأسئلة التي طرحت عليه تحريريًّا، وبالطبع لم يكن يعرف مسبقًا أيّ الأسئلة ستطرح عليه، فكان يجيب عن الأسئلة بطريقة ارتجاليّة.
وهو مطّلع وضليعٌ في العلوم الإسلامية وأصولِها مثل: التفسير والحديث والكلام والفقه، وهو يُدَرِّسُ هذه الموادّ كلَّها على نحوٍ خاصٍّ ، وهناك طلّابٌ نشَّأهم وربّاهم في تلك المجالات؛ فكُولَنْ صاحب التجربة والمعرفة العميقة في التصوّف أيضًا القائلُ: “انقضى عمري في دراسة السُّنة المطهرة”؛ مُطلعٌ على فلسفة الشرق والغرب، كما أنَّه يملِكُ معلومات موسوعيّة عن مبادئِ العلوم الطبيعية والأسُسِ التي تقوم عليها، فهو باختصار يُمثّل نقطةَ تقاطُعِ أو ملتقى العَالِمِ والعَارفِ والمثقّفِ.

فتح الله كُولَنْ كاتبًا وشاعرًا
فتح الله كُولَنْ هو -في الوقت ذاته- كاتبٌ منتظمٌ في الكتابة، وغالبيّة كتبه وإن كانت تتألّف من المواعظ والدروس والمحاضرات التي ألقاها والأجوبة التي قدّمها ردًّا على تلك الأسئلة المطروحة عليه، إلا أنَّ لديه أعمالًا خطَّها بنفسه، إنَّ كُتبه مؤلَّفةٌ إما من المقالات أو الأشعار أو الحِكَم التي كتبها بيده وإما دروس ومحاضرات سُجلت ثم فُرِّغت فصيغت بأسلوب كتاب أي حُولت من أسلوبٍ خطابيّ إلى أسلوب أكاديميّ ثم راجعها بنفسه قبل نشرها، وفي كل كتبه انتهج منهجًا وترتيبًا معينًا، فمثلًا في كتاب “تلال القلب الزمردية” الذي تشكل من المقالات التي كتبها في مجلة “سِزِنتي” شهريًّا عالج الحياة القلبية والروحية للإسلام في إطار مفاهيمها ومن خلال مصطلحات الصوفية على ترتيب معيَّن، أما الكتب التي تشكلت من الدروس والمواعظ فهو يخطط لها أولًا –وأحيانًا يذكر منهج وخطة الدروس للمستمعين في أول درس- ويحدد الموضوعات التي سيتكلم عنها مرتبًا ثم يطبّق هذه الخطة درسًا بعد درس كأنه يكتب كتابًا .
إنَّ المقالات التي كتبها بأسلوبٍ أصيلٍ بقدرٍ عالٍ وخاص به شخصيًّا تُنشر بانتظامٍ في مجلات: “سِزِنْتِي (Sızıntı) [الرشحة]” -المجلّة العلمية الأدبية الأخلاقية التي ما زالت تصدر منذ الأول من شهر يناير/كانون الثاني عام (1979م) وحتى اليوم- و”يَنِي أُوميتْ (YeniÜmit) [الأمل الجديد]” -المجلّة الدينية العلمية الأخلاقية الثقافية الفصلية التي تصدر منذ عام (1988م)- و”يَغْمُورْ (Yağmur) [الغيث]” -المجلّة الثقافية الأدبيّة الفنّيّة الفصلية الصادرة منذ عام (1998م) وحتى اليوم-.
وأما ما تُرجِمَ من هذه الأعمال إلى الإنجليزية فقد صدر أوّلًا في مجلة “تراستر (Truestar)” في إنجلترا اعتبارًا من عام (1993م)، ثم في مجلة “فونتاين (TheFountain)” الفصلية التي تصدرها “لايت إينك (LightInc)” في أمريكا، في حين أن ما تُرْجِمَ إلى الألمانية نشر في مجلة “دي فونتين (DieFontäne)”، بينما نشر ما تُرْجِمَ إلى الروسية في مجلة “نوفيا غراني (NoviyeGrani)”، ونشرت الترجمات العربية في مجلة “حراء” الدورية التي تصدر كلّ شهرين.
ويمكن القول إن فتح الله كُولَنْ أحدَثَ أمرين في الأدب التركي، بل وفي الأدب العالمي- وهو إنسان لم ينتبه إليه المطالَبون بالانتباه- أحد هذين الأمرين حديث تمامًا، والآخر حديث بأسلوبه وكيفيّته ومنهجه الخاص به حتى وإن كانت له نظائر وأشباه في التاريخ، أول هذين الأمرين استنطاقُه الصور، وقد بدأ أول ما بدأ في أعدادِ مجلة “سزينتي”، وهو يعني: وضعَ عبارةٍ تحت كل صورة، ورسالةً تتوافق مع تلك الصورة ومعيارًا وفكرة وتقييمًا ما، وهذا أكثر دلالة وإفادة للمعنى من مقالةٍ تُكتب مرارًا وتكرارًا في موضوع واحد، وهي باعتبارها منهجًا أكثر تأثيرًا وحيوية .
والمنهج الآخر هو أنه يقدّم أفكاره ورسائله العلمية والفكرية في صورة “حِكَم” قلّ وجودُ مثيلها في التاريخ، ويستخدمها من أجل توجيه وتصويب الأحاديث والاعتقادات والأفكار والسلوكيات بحيث يمكننا أن نسميها “الشرحَ المُركَّز”، ونماذجُ هذا الأسلوب الفني الذي نراه في أعداد “سزينتي” كلها تقريبًا قد جُمعتْ في كتاب بعنوان “الموازين أو أضواء على الطريق” اقتبسنا منها نصوصًا مهمة في هذه الدراسة التي بين أيديكم.
وأشعار فتح الله كُولَنْ وشاعريته موضوعٌ يجب الوقوف عليه وإجراء دراسات حوله أيضًا؛ فهو يَعرف العربيّة والفارسيّة معرفةً جيّدة إلى جانبِ إلمامه بالعثمانية وفنون الأدب، وهو أديبٌ -وإن لم ير نفسه هكذا- يحفظ ما يزيد عن ألف بيتٍ من الشعر ما بين تركي وعربي وفارسي، ولا يعرف البلاغة مجرد معرفة سطحية بل يُتقنها ويُدرِّسها وعلومَها، ويعرف أدباءَ الشرق والغرب المهمّين، ويعرف الفلاسفة أمثال “سارتر” و”كامو” بشكل جيد، ولم ينزلق قطّ في منازعات ومناقشات فكرية مثل “الفن لأجل الفن”، أو “الفن لأجل المجتمع”؛ فصاغ ثمار عقله وترانيم قلبه التي لم يستوعبها النثرُ شعرًا منذ طفولته، ومنها صدر كتاب بعنوان: “ريشة العزف المكسورة (KırıkMızrap)”.
وهو يرى أن الشعر لا بدَّ وأن يشدو بنظامِ الوجود بما فيه من جبال ووديان وجُرف وبحارٍ وبراري ومنحدرات وتلال وأزهار وأشجار وأحزان وأفراح، ونظامِ العالم البشري ونغمتِه التي تبدو معقّدة، والوحدةِ في الكثرة، وهذا ما عبّر عنه الإمام الغزالي بقوله: “ليس في الإمكان أبدعُ مما كان” وعلى حدِّ تعبير “كُولن” فإنَّ:
“الشعر ليس سوى التعبير عن الجمال والتناسب المتواري في روح الكون، والتَّبسُّم المرتسم على مُحيّا الوجود، والحالة الرقيقة في الأرواح الشاعرية المرهفة الحسِّ؛ فالشعر هو”النغمة” المُستشعرة في الطريق إلى استكشاف العوالم الأخرى، أو أنه أنَّاتُ الجهد والطاقة المبذولة في هذا السبيل، والشعر مع أنَّه صوت متعدّد الأبعاد يصعب فهمُه وهو خاصّ بمناخٍ مبهمٍ بكثيرٍ من جوانبه، وكأنه الغسق في الطرق المُجَازَةِ، وكأنّه الأسرارُ في الفكر لأنّ موضوعَهُ الحديثُ عن ذلك الموجود المجهول، وإنّ العيون تصل إلى الضياء الحقيقي في مناخ الشعر الحقيقي، فتقصُرُ المسافات، وتبلغ الأرواح عزمًا وشوقًا لا ينطفئ” .
ووفقًا لكُولَنْ فإنه “لا بدّ من أن يكون كلُّ شيءٍ محسوسٍ ومعتقَدٍ في الشعر قابلًا للتصوّر، وأن يكون متاحًا إخضاعُ التصوّرات فيه للمحاكمة العقليّة دون هدرٍ، وينبغي لهذه العناصر الخفيّة التي تبدو في صورة نسائم تهبّ في عالم الشاعر الداخلي أن تتمكّن من حماية وجودها وحيويّتها حتى تلك اللحظة التي تصبح فيها هواءً يمكن تَنَفُّسُه بواسطة الكلمات والعبارات، ولا بدّ لتلك الرسالةِ المستعصية على الكلمات أن تنعكس على الأرواح في صورة أنَّاتٍ” ، ولهذا فإن الشاعر الحقيقي هو ذلك الشخص العالمي الذي يتجاوب مع الخالد تجاوبًا لا ينقطع، ويَثْمَلُ مع ما وراء العالم المادّيّ، الواقف على نظام الأشياء وما وراء الحجب، المدرك للأرواح من ناصيتها وأعماقها، الذي يعطي كل شيء قيمته ومكانته الحقيقية؛ سواء من حيث الشكل أو من حيث المعنى، يستطيع -حتى وإن بدا بسيطًا في أسلوب كلامه- مخاطبةَ الناس على اختلافِ مستوياتها بفضل قدرته على أن يُلبِسَ كلَّ معنى لباسَه اللائق والخاصَّ به؛ ومِن ثَم فإنَّ الورود تتفتّح واحدةً تلوَ الأخرى في كلماته ومصاريعه وأبياته ومقطوعاته؛ وكما أن من يُقَيِّمُون كلَّ شيء وفقًا للنظرة الظاهرية للعقل الدنيوي؛ كتشبيه أحد رعاة الحيوانات البحرَ حين يراه للمرّة الأولى بمرعى جميلٍ، حتى وإن حسبوا عباراته بركةَ ماءٍ ضحلة، فإن شعره في الأساس يشبه محيطًا لا تُدرَكُ نهايته مهما غِيصَ فيه، ولا يُعثر على قاعه، يمنح الدرّ والمرجان لكل جهد مخلص.
وجميع مؤلفات فتح الله كُولَنْ تقريبًا من أكثر الكتب قراءةً في تركيا، وباختصار يمكن القول إنَّ فتح الله كُولَنْ يتمتّع بجمهور من القراء على مستوى العالم نَدَرَ ندُّهُ لكاتبٍ آخر، وكتبُه من أكثر الكتب مطالعة.
وقد تُرجمت بعض كتب الأستاذ فتح الله كُولَنْ التي نشرت حتى الآن إلى عديدٍ من لغات العالم في مقدمتها بالطبع الإنجليزية، ثم العربية والألمانية والفرنسية والروسية والإسبانية والصينية والأندونيسية واليابانية والأردية واليونانية والألبانية والرومانية…[تسعة وثلاثون لغة في أواخر (2015م)] ونشرت في تلك اللغات، وما زالت تُتَرْجَمُ.
وقد أجرى “أيوب جان” حوارًا مفصّلًا مع فتح الله كُولَنْ نَشَره بعنوان “جولة في الأفق (UfukTuru)”، بينما نشرت ما أجرته معه من حوار “نوّال سَوِينْدِي” بعنوان “لقاء مع فتح الله كُولَنْ في نيويورك (FethullahGülenileNewYorkSohbeti)”، ونشر “محمد كوندم” أيضًا حواره مع كُولَنْ باسم “أحد عشر يومًا بصحبة كُولَنْ (Gülen’le 11 Gün)”، وخلافًا لهذا فقد سُجّلت تسجيلًا حيًّا باستخدام خاصّيّة الفيديو مواعظه ودروسه التي ألقاها حسبةً في محافظات مثل: “أنقرة” و”إسطنبول” و”إزمير” ما بين (1989-1991م)، وعُرِضَت بعد الحصول على تصريحٍ رسميّ بالنشر والعرض، كما سُجِّلت على أشرطة صوتيّة مواعظُه ودروسُه ومؤتمراتُه التي ألقاها بينما كان موظّفًا رسميًّا بالدولة ما بين (1973-1980م)، ونُشِرَت أيضًا بعد الحصول على تصريح رسميّ بذلك .

التسامح والحوارفي حركة وعمل فتح الله كُولَنْ
إن حركة فتح الله كُولَنْ من أجل التسامح والحوار حركةٌ ينبغي تناولها ودراستها في بُعدين اثنين:
أحدهما: البُعدُ المجتمعيّ، أي عملية التسامح والحوار داخل المجتمع التركي أولًا والعالمَ ثانيًا.
والثاني: البُعدُ الدينيّ، أي عملية التسامح والحوار بين أتباع الديانات المختلفة في تركيا وفي العالَم بأسره.
1- التسامحوالحوارعلى مستوى المجتمع التركي والإنسانية
ثَمَّةَ فائدةٌ في إلقاء نظرةٍ على نسيج المجتمع التركي بأبعاده التاريخيّة الحديثة أوَّلًا حتى يتسنَّى لنا التقييمُ التامُّ العادل لِدعوة التسامح والحوار المنادي بها فتح الله كُولَنْ داخل المجتمع التركيّ الذي فسدَ سِلْمُهُ الداخليّ إلى حدٍّ ما:
أ. بلّورة متحطّمة
ظهرت تركيا عام (1923م) كدولة قوميّة عقب تكرُّرِ سيناريوهات انهيار الدولة العثمانية، إلا أن حداثة الجمهورية -التي هي بمثابة استمرار للحداثة العثمانيّة غير أنها تبدو أكثر اتجاهًا من سابقتها للغرب- قد زجّت بالمجتمع التركي في غياهب استقطابٍ وانقسامٍ من شأنه أن يتَّسِعَ ويتطوّرَ مع مرور الزمن؛ ففي جانبٍ منها توجد طبقة النخبة التي سمّاها أحدُ وزراءِ الداخليّة السابقين “اتفاقًا مقدَّسًا”، بينما في الجانب الآخر توجدُ جموعُ الشعب وعامَّتُه، وقد كانت الهُوّةُ بين هذين الطرفين واضحةً وجليَّةً جدًّا؛ فمعارضةُ طرفٍ للدين بصفة خاصة وازدراؤه الطرف الآخر مَثَّلَ أهمَّ أسباب تلك الهوّة السحيقة والفجوة العميقة، حتى إن “فتحي أوقيار (FethiOkyar)” الذي حاول تأسيس “الحزب الحر (SerbestFırka)” كحركة لتحقيق التوازن في المجتمع عندما وصل “إزمير” امتلأت الشوارع والأزقّة بآلاف الناس، وفي هذا الزحام مات طفلٌ تجاوز العاشرة من عمره منسحقًا تحتَ أقدام المارّة نتيجةَ الازدحام، فاحتضن جسدَه أبوه وصرخَ في فتحي أوقيار قائلًا: “أنقِذْنا! هذه أُولى ضحايانا!”، فكان “شوكت ثُريّا (ŞevketSüreyya)” -ناقل تلك الحادثة- يتساءل قائلًا: “ممَّن كان الشعبُ ينتظر أن يتخلَّصَ وينجو؟ ألم تُنقذ تركيا قبل ستِّ أو سبعِ سنوات؟”.
وبينما كان اتفاق نخبة تمثل فئةً قليلةً جدًّا يتربع بهذا الشكل على قِمَّةِ الهَرَمِ من جانبٍ؛ يصبح -مِنَ الجانب الآخر- كلُّ واحدٍ من الاختلافات العرقيّة والمذهبيّة العاديَّةِ الموجودة في البلد مشكلةً وعُرْضَةً للاستغلال وإحداث اضطراباتٍ وشائعاتٍ نظرًا لوصف الدولة القوميّ المتشدِّد والمنغلِقِ على نفسه، وكما هو معلومٌ فإن الحكمَ الجمهوريَّ جاء رفضًا للماضي إلى حدٍّ كبير، ولا سيما قيامه في أول الأمر خاصّةً على طرحٍ “قوميٍّ” بحت، بيد أن النظام ينبغي له أن يحتضنَ جميع مواطنيه متحلِّيًا بشخصيّةٍ سامية أو أكثر شموليّة، لا سيما في زمنٍ راهنت فيه القوى العظمى على الاختلافات العرقية، ومن ثم فليس من الصحيح بتاتًا أن يتبنّى سِمَةً وسياسةً قوميّة متشدِّدَةً، علاوةً على أن تناول الفكرة القوميّة كمبدإ أساسٍ بغضِّ النظر عن أبعادِها التاريخيّةِ والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وإهمال القواسم المشتركة، وعدمَ النزول إلى أساسِ المشكلة… -وإنْ بدا أحيانا وكأنه يمنع بمجموعة من التدابير المقنِعَةِ إثارةَ الجروح النازِفَةِ وتحريكَها- لا يتجاوز كونه إبقاءً عليها باعتبارها أمورًا كامنةً دَفِينَةً، والواقع أن تلك الجراح ظلَّتْ تنزفُ ولم تندملْ قطُّ، ومن ذلك مثلًا المشاكل العِرْقِيَّة التي تنامت تناميًا مُرعبًا مخيفًا ظهر في صورة إرهاب “حزب العمال الكردستاني (PKK)” الجاري منذ ما يقرب من ثلاثين سنة في جنوب شرق الأناضول.
إن شخصيّة النظام التي تحدَّثْنا عنها أخذت مواقف معادية للدين؛ بحيث ضيَّقت على الصادقين الملتزمين دينيًّا؛ فوصَفَتْهم بالرجعيّة والتخلُّفِ أحيانًا، أضف إلى ذلك تزامُن هذا مع الاضطرابات الاقتصادية مما تسبّب في اتِّسَاعِ هوّة الاستقطابات والانقسامات في البلاد، وقد شملت هذه الانقسامات الساحةَ السياسيَّة أيضًا مع انتقالها إلى فترة التعدُّدِيَّةِ الحزبيّة، واتخذت لها غلافًا فكريًّا؛ فتفاقمت بصورةٍ أكبر في ظلّ مواقف مسؤولي الأحزاب المتناقضة غير المتآلفة، ومهَّدت الفوضى المدعومة من الخارجِ على أيديهم سبيلًا مناسبًا تمامًا لضياع موارد البلاد وإنهَاكِ إمكانياتِها وتشتُّتِ شبابها، تمامًا كما حدثَ في حقوبٍ سابقةٍ من تاريخ تركيا، وكانت أسباب كلِّ هذه السلبيّات كامنةً في الأعماق، فكان لا بدَّ من البحث عن الحلِّ في مجالات التعليم والثقافة والاقتصاد وتنشِئة النسل وتربيته، بيد أنه لما عجزَ المسؤولون عن اتّخاذ الخطوات اللازمة في هذا الشأن بدأ الجيش يتدخّل كيفما يحلو له ويريد، وإن كانت ثَمّةَ فوائد مؤقّتة قد تحقَّقت من وراء هذه التدخُّلات التي استمرت تحدث بصورة روتينية وبشكلٍ دوريٍّ مع كلِّ عقدٍ من الزمن فمن الصعب جدًّا إنكارُ أن أدوارَها السلبيَّة مثل إنهاكِ الجيش وتعميقِ الانقسامات الاجتماعيّة كانت أكثر بكثير من إيجابيتها .
وكان الاختلاف والتمايز السُّنّيُّ العلويُّ في تركيا مشكلةً أخرى من شأنها أن تؤثّر في البلد كَكُلّ، وأن تطفو على السطح في أيِّ وقتٍ أو زمان، كما وقع في أحداث مدينة “مَرْعَشْ (Maraş)” و”جُورُومْ (Çorum)” ، حتى وإن لم تبدُ في نفس المستوى والدرجة مع كل هذه السلبيات؛ فجذورُ هذا التمايزِ والاختلاف ضاربةٌ في أعماق التاريخ، ولا سيما أنَّ الصَّفَويّين في إيران دائمًا ما عزفوا على هذا الوتر الحسّاس في تركيا؛ إلى أن تعمّقَ وقامَ بدورٍ خطيرٍ في “التمرّدات “جَلَالِيّة” ، وقد توارى هذا جزئيًّا مع إخماد تلك التمرُّدات، وزوال حكم الصفويين في إيران، إلا أنه حافظ على وجوده الكامِن.
وقد أثر هذا إلى جانبِ عصيان “دَرْسِيمْ” -الذي وقعَ في العصر الجمهوريّ- في علاقات المواطن العلوي بالنظام الجمهوريّ الجديد، وعند دراسة الحركات اليسارية التي شكَّلت جانبًا من الفوضى فيما بين عامي (1968و1980م) وبعضِ المنظمات الإرهابية التي لا تزال تمارس جرائمَها، وكذلك الأحداث الجماعية مثل ما وقع في “مَرْعَشْ” و”جُورُومْ (Çorum)” في تلك الفترة، وحادثة فندق “سِيوَاسْ/مَدِيمَاقْ” عام (1993م) دراسةً دقيقةً متفحِّصةً؛ تظهرُ مدى حساسيّةِ هذه المشكلة ويتبيّن كيف أُريدَ أن يتحوّلَ الاختلاف السنيّ العلوي في تركيا إلى مشكلة جذريّة باعتباره نقطةً معرَّضَةً للاستغلال.
وقد زِيدَ على هذا المناخ الذي عرَّجنا عليه سريعًا التناقضُ والتضادُّ بين دُعاة العلمانية ومناهضيهم من جانبٍ، ومن جانب آخر فكرة العلمانية المتشدّدة ومناهضة العلمانية لا سيما بعد عام (1990م)، وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي رأت بعضُ القوى العالمية الإسلامَ واعتبرته قطبًا معاديًا لها، وعندها لاقى هذا التناقض والتضادُّ دعمًا خارجيًّا ودون شـكٍّ داخليًّا من أذناب تلك القوى؛ مما أدخلَ البلادَ في آتونِ مناخٍ جديد للصراع؛ زاد بشكلٍ كبيرٍ من وتيرةِ ارتكاب جرائم القتل المجهولة الفاعل! -التي لا شكَّ في كونها من تدبير القوى الراغبة في تعميق هذا الصراع لدى بعض فئات الرأي العام على الأقلّ- وكذلك المظاهرات والتجمُّعات التي نُظِّمت متذَرِّعةً بتلك الجرائم، وباختصار فإن الإمكانيات العظيمة التي حَبَا القَدَرُ بها تركيا على طَبَقٍ من ذهبٍ إبّان نهاية العِقدِ الأوّلِ من القرنِ العشرين إنّما أُهدِرَت بسبب إرهاب “حزب العمّال الكردستاني” ومشاكلَ يمكن حلّها بكلِّ راحةٍ وسهولةٍ كالمشاحناتِ السياسية العقيمة في الداخل، والأحقادِ والمناوشاتِ الشخصيّةِ وتصفيةِ الحسابات الداخلية والاختلاساتِ وما تعانيه الحكومةُ ووحداتُها التابعة لها من تصدُّع، والتوترات المختلقة المراد إثارتها مثل التوتُّر السّنّيّ العلويّ، والعَلْمَنَةِ ومناهضتِها، وجرائم القتل مجهولة الفاعل ومشكلة الحجاب،
وبينما كان تعاونٌ تساهم فيه بشكل متبادَلٍ جميعُ الجمهوريّات التركيّة التي نشأت حديثًا في وسط آسيا بعد تفكُّكِ الاتّحاد السوفيتي يمكن له أن يجعل من تركيا دولة قويّةً في الداخل ومفخرةً لجميع المواطنين الأتراك في التوازن العالمي عبرَ حِقبةٍ زمنيّةٍ وجيزة؛ إذ بعقارب الساعة تسير في عكس اتّجاهها الطبيعيّ، بل وتعذَّرَ تحقيقُ تعاونٍ اقتصاديٍّ مع هذه الدول، وتوتَّرت كذلك علاقاتُ تركيا مع دول المنطقة، وظهرت ملامحُ وتوجُّهات جديدةٌ في العلاقات الخارجيّة.
ب. أُسُسُالتسامحِوالحوارِ
إنَّ أكثر ما يلزم عمله في زمانٍ تفسَّخَ فيه نسيجُ المجتمع على هذا النحو هو تصالحُ الشعب والدولة، ولا سيما في ربوعِ العالم الإسلامي؛ إذ يدعو فتح الله كُولَنْ دعوةً عالميّةً لإقامة حوار بين كلِّ طبقاتِ المجتمع تتمثّل في أن يقبل كُلٌّ غيرَه ويحترمَه، ويصوغ هذه الدعوة في:
“قبولِ الجميعِ الجميعَ على اعتقادِهِ ونمطِ حياتِهِ وجنسِهِ ولونِهِ ولغتِهِ ومهنتِهِ وثروتِهِ ومكانتِهِ في المجتمع ومنصبِهِ وعملِهِ دون تفريقٍ أو تمييزٍ بسبب هذه الأمور، بل وقبولِهِ بفكرِهِ ووجهةِ نظرِهِ وفلسفتِهِ وأسلوب معيشته”.
وإن كان فتح الله كُولَنْ أطلق هذه الدعوة عام (1994م)؛ إلا أنه يمكن تلمُّسُها ورؤيتُها كموضوعٍ أساسٍ دائمًا ما تناوله في كتاباتِهِ وخطاباتِهِ، بل وفي حياته كلها، ومن ذلك مثلًا ما نجده في كتابه “الموازين أو أضواء على الطريق” الذي طُبع في أربعة أجزاء للمرة الأولى عام (1986م)، ثم جُمِعَ في جزءٍ واحدٍ لاحقًا؛ إذ يقول:
“ينبغي للذين يحاولون أن يُصلحوا العالم أن يُصلِحوا أنفسَهم أوّلًا. أجل، عليهم أن يُطهِّروا قلوبَهم أوّلًا من الغلِّ والحقدِ والحسدِ إلى جانب استقامتِهم في السلوك وفي التصرُّف وبُعدِهم عمّا لا يليق بهم؛ وبهذا فقط يستطيعون أن يكونوا قدوةً لمن حولهم.
الذين يبتغون إرشاد الناس وتنويرَهم، والذين يبذلون جهدَهم في سبيل سعادة الآخرين، ويمدُّون أيديهم إليهم لإنقاذهم من ورطاتِ الحياة الكثيرة هم أصحابُ القلوب الكبيرة الذين فهموا أنفسَهم وهم في المجتمع الذي يعيشون فيه كملائكةِ الرحمةِ وملائكةِ الحفظِ والصيانةِ، يتصارعون مع مصاعبِ المجتمع ومصائبِه، ويتصدَّون للرياح وللعواصفِ ويُهرَعون لإطفاء الحرائق، وهم على أهبةِ الاستعداد لكل طارئ.
أبطالُ المحبة فقط هم الذين يستطيعون إنشاءَ عالمِ المحبّة والنور والسعادة في المستقبل… أبطالُ المحبّة على شفاههم بسمةُ المحبّة، وقلوبُهم عامرةٌ بالمحبّة، ونظراتهم تُشِعُّ بالمشاعر الإنسانية، يغمزون للكل غمزةَ محبّة… ويرون في شـروقِ الشمس وغروبِها وفي بريقِ النجومِ وخفوتِها رسـائلَ محبَّـةٍ” .
وتلك الأسطر الآتية التي سطّرها فتح الله كُولَنْ تحت عنوان “المسامحة” -والتي كنّا اقتبسناها سابقًا أيضًا- محمّلةٌ بالحبّ والتسامح من أوَّلها إلى آخرها؛ أسلوبًا ومعنًى، وهي صوتُ قلبٍ نَذَرَ نفسه لخدمة الآخرين:
افتح صدرك للجميع، افتحه أكثر ما تستطيع ليكن كالبحر، ولتمتلئ أنت بالإيمان وبمحبة الإنسان؛ فلا تُبْقِ خارج اهتمامك أيَّ قلبٍ حزينٍ إلا وقد مَدَدْتَ إليه يدك!…
صفِّقْ للأخيار بسبب خيرهم وفضلِهم، وكنْ ذا مروءةٍ تجاه المؤمنين، وكنْ لينًا تجاه المنكرين إلى درجةٍ تذوبُ معها أحقادُهم ونفورُهم، وكن دائمًا كالمسيح  في سماحته وفي أنفاسه التي كانت تحيي الموتى بإذن الله!..
ادفع السيئة بالحسنة، و﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/199) فكل إنسان يعكس طبيعتَه وأخلاقَه بتصرُّفاته وسلوكِهِ، أما أنتَ فاختَرْ لنفسك طريقَ المسامحة، وكن كريمًا عالي الشِّيَمِ حتى تجاه من لا يعرفون قواعدَ السلوك وأسُسَ الأخلاقِ!…
أهم ما يميِّز القلبَ الذي يجيش بالإيمان هو أنه يُحبُّ الحبَّ ويعادي العداوة، أما الذي يكره الجميع وينفر منهم فهو إما شخص أسلَمَ قلبه للشيطان أو أنه مريض نفسيًّا، أما أنت فليكن شعارك هو حب الإنسان والإنسانية!…
مع كلِّ حَذَرِكَ؛ إياكَ إياكَ أن تسقطَ بين أنياب نفسِكَ وسيطَرَتِهَا ولو مرَّةً واحدة، ولا تحكِّمها في أية قضيّة ذلك لأنَّ الجميعَ سواكَ -في نظر هذه النفس- متَّهَمُون، وكلّ شخصٍ آخر هو شخصٌ غير سويٍّ وغيرُ جيّدٍ، وهذا الاعتقاد حسب قول الصادق المصدوقِ  يُسَبِّبُ هلاكَ صاحِبِهِ، إذًا فكن صارمًا تجاه نفسِكَ ولَيِّنَ الجانبِ تجاهَ الآخرين قدرَ استطاعَتِكَ.
انتبه إلى أنماط السلوك والتصرُّف التي تُحَبِّب الآخرين إليك، ولا تنسَ أن هذه الأنماط من السلوك هي أيضًا ستُحَبِّبُك إلى الآخرين.
اتّخِذْ من معاملةِ الحقِّ تعالى لك مقياسًا لكي تتصرَّفَ على ضوئه مع الناس، عند ذلك تكونُ مع الحقِّ وأنت مع الناس، وتتخلّص بذلك من نوعي الوحشيّة .
ومنذ اليوم الأول وفتح الله كُولَنْ يرُكِّزُ ويشدِّدُ على المسامحة أو التسامح والحوار الدائم في المجتمع وإيثار الآخرين على النفس، وعلى حدِّ تعبيره: “التخلّي عن مُتَع الحياة رغبةً في إحياء الآخرين”، ويَعتبر هذه الخصال المهمَّة أسسَ الحياة الاجتماعية المصيرية، وكما تطرّقنا إليه عند تناول “رؤية فتح الله كولن للإسلام (الفصل الأول)” و”فتح الله كولن رجل الحركة والفكر (الفصل الثالث)”، فقد كانت مواضيع وخصال مثل الحبّ والرحمة وتقدير قيمة الإنسان واحترامه والتواضع وأعمال الخير من الأمور التي وقف عليها ورَكَّزَ بحساسيةٍ كبيرةٍ إلى جانب تلك الأمور أيضًا، ومن هذه الناحية فإنه لا بد أن تُعتبر حركةُ الحوار والمسامحة التي بدأها فتح الله كُولَنْ أواسط عام (1994م)، وما ذُكر آنفًا أيضًا، والدعوةُ التي أطلقها في هذا الموضوع -أن تُعتَبَرَ- بمثابةِ إهداء حُلّةٍ إلى المجتمع ظَلَّ يُطَرِّزُها منذ زمنٍ طويل، وإنها لكذلك بالفعل.
ج. الفعالياتوالتقييمات
سَرَتْ دعوة التسامح والحوار التي أُطلقت من قِبَلِ فتح الله كُولَنْ و”وقفِ الصحفيين والكُتّاب” إلى طبقات المجتمع كلِّها، وبينما كانت ألمانيا خلال حقبةٍ وجيزةٍ تنبعثُ مجدّدًا وتظهرُ على الساحة الدوليّة كعملاق عالميّ بعد أن خاضت الحربين العالميتين الأولى والثانية وانهارت فيهما، وتستقطب العمالةَ من تركيا ومن دُول أخرى دون أن تمرَّ عشرون سنة على انهيارها في الحرب العالمية الثانية؛ كانت اليابان إحدى الدول التي هزمت في الحرب نفسها تظهر على الساحة العالمية كعملاق عالمي آخر أيضًا… والواقع أن تلك الدعوة كانت مهمة جدًّا بالنسبة لتركيا التي سقطت في وضع لا تُحسد عليه عالميًّا، وإنها وإن كانت قد أنجزت بعضَ الأشياء الجميلةِ الجديرة بالتنويه دون ريبٍ إلا أنها على مدى آخر ستةِ أو سبعةِ عقودٍ من الزمان أصبحت مسرحًا للشعارات والاحتفالات أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، ومن ثم فلقد رغب فتح الله كُولَنْ في تمدُّدِ دعوة التسامح والحوار وانتشارها حول العالم كلِّه كما تتمدَّد الأمواج في البحر، خصوصًا وأنها كانت في فترةٍ دارَ الحديثُ فيها عن “صراع الحضارات”، بل وربما أُعِدَّت الخطط لصنعه مسبقًا، وقد لاقت هذه الدعوة استحسانًا كبيرًا من قطاعات المجتمع التركي كلها مع وجود بعض الاستثناءات القليلة جدَّا؛ لدرجة أن عديدًا ممن انخرطوا في الحركات اليساريّة في زمن ما، بل وحتى من شاركوا في أعمال فوضوية فيما مضى شاركوا في فعاليات هذا الحوار أو ساندوه إما صراحةً وإما تلميحًا، وكان كل واحد من بينهم؛ سواء مَنْ أقرّوا قائلين: “لقد فهمنا؛ إنَّ الدِّين ليس أفيونًا ولا مُخَدِّرًا، بل على العكس تمامًا إنه بمثابة رابطةٍ تربط الجموعَ ببعضها البعضَ وتوطّدُ أواصرها”، ومَنْ قالوا: “عندما لم يُدرَّس الإسلامُ لنا على مرِّ سنوات طويلة، ظننّا أنه غيرُ موجودٍ”، ومَنْ قدّموا نموذجًا حقيقيًّا ولو خاطِفًا للمسؤوليّة المعتمدة على الضمير والواقعة على المثقّفين والمستنيرين، ومَنْ صرحوا برأيهم: “لقد تعاركنا كمجتمع سنوات طويلة وكأننا جبهاتٌ معاديةٌ لبعضها، ربما أننا لم نتقاتل بالمعنى التام، إلا أننا لم نكن مُسالمين متوافقين فيما بيننا، لكن الحقيقة أننا كنا نبحث عن السِّلْمِ، ولم نرضَ بالبقاء داخل صندوق “الأعرَافِ”؛ فقد اشتقنا إلى الجنة”؛ كان كلٌّ منهم بمثابة بارقةِ أملٍ تُبَشِّرُ بالسِّلْمِ الداخلي.
ونظيرُ ذلك وأمثالُهُ وحتى كلُّ جهدٍ فرديٍّ -بدءًا من رئيس الجمهورية إلى المواطن العاديِّ في الشارع، ومِنَ الإعلاميِّين إلى السياسيِّين والمُطْرِبين- يُسْهِمُ بكلِّ إخلاصٍ في إثارة نسيم السِّلْمِ الداخلي الذي بدأت تهبُّ نسائمُهُ في البلاد؛ فكانت الأمسيات وحفلات توزيع الجوائز ومآدبُ الإفطار تنظَّمُ لصالح السِّلْمِ الداخلي والصلح والتوافق المجتمعي، ومن ذلك على سبيل المثال:
حفلُ التعارفِ الذي نظمه “وقفُ الصحفيّين والكُتَّاب” في فندق “دَدَمان (Dedeman)” نهاية يونيو/حزيران عام (1994م).
ومأدبة الإفطار التي أقيمت في فندق “بولاد روناسنس (PolatRönesansOteli)” في إسطنبول في الحادي عشر من فبراير/شباط عام (1995م).
وفي فندق “بُويُوكْ أَنْقَرَة (BüyükAnkara)” في السادس والعشرين من فبراير/شباط عام (1995م).
وفي فندق “هِيلْتُونْ (Hilton)” يوم السابع والعشرين من سبتمبر/ أيلول عام (1996م).
وكذلك اجتماع “يدًا بيدٍ من أجل مستقبلٍ سعيدٍ (MutluYarınlarİçinElEle)” الذي أُقيم في قاعة “لطفي قيردار للمعارض والرياضة الدولية (LütfiKırdarUluslararasıSporveSergiSarayı)” في الثلاثين من سبتمبر/أيلول عام (1996م).
وحفل توزيع “جوائز التسامح (HoşgörüÖdülleri)” الذي نُظِّم في “قصر جيراغان (ÇırağanSarayı)” في الرابع من يناير/كانون الثاني عام (1996م).
وحفل توزيع “الجوائز التشجيعية في مجال السلم الوطني (UlusalUzlaşmaTeşvikÖdülleri)” الذي أُقيم في فندق هيلتون في الخامس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام (1997م).
ومباراة كرة القدم التي نُظمت لصالح البوسنة في التاسع عشر من سبتمبر/أيلول عام (1995م).
والتقدير الذي عبّرت عنه الكلمات والتعليقات والآراء التي ألقيت وصُرِّح بها في حفل المعايدة الذي أُقيم في فندق “بِلَازَا جواهر (ThePlazaCevahir)” يوم الثالث من فبراير عام (1998م)، والمشاركات الصادقة في هذا، ومن ذلك على سبيل المثال “سليمان دَمِيرَالْ” -رئيس الجمهورية في تلك الفترة- حيثُ ألقى كلمةً في حفل توزيع الجوائز التشجيعيّة للصلح والوفاق الوطني الذي شارك فيه بصفةٍ خاصّة رغمَ معارضةِ مجموعةٍ من الجهات آنذاك، وفي أشد أيام مرحلة الثامن والعشرين فبراير/شباط سخونةً وتوتُّرًا، قال فيها:
“إن الوحدة والتعاون والأخوة والتفاهم والوئام والنظام أهمُّ مفاهيم يتبناها مواطنونا في فترةٍ تعتصرُ الاضطراباتُ العالمَ، وقد طُبِّق هذا على واقع الحياة بالفعل، وليس مجرَّدَ كلام، لا تسمحوا للتفرقة أن تدبَّ بيننا، وإن كان هناك من يرغبون في الوقيعة بينكم فلتتصدَّوا لهم أيًّا كان اعتقادكم، وأيًّا كان جنسكم؛ فكلُّكم بلا استثناء أبناء هذه الأمة العظيمة، فلنتعانق داخليًّا ونحتضن بعضنا، إنني أُقدِّر الجهودَ المبذولةَ في هذا السبيل، وكم تمنَّيت أن يتمكَّن جميع مَن في تركيا من مشاهدة هذا الحفل؛ فهذا البلد أمانةٌ في أعناقنا، وسوف نحمل هذه الأمانة ونسلِّمها إلى الأجيال القادمة من بعدنا، ولسوف يدرك مواطنونا هذا ويَعُونَه، الإسلام دين السلام، وهو يوصي بالسلام ويأمر به، وإنَّ النجاحَ في هذا والقدرةَ على العيشِ في سلام واجبٌ منوطٌ بأجيالنا، إنني كممثِّلٍ للدولةِ والوحدةِ والتضامن التركيِّ أقفُ إلى جانب جميع الحركات التي تعزِّزُ التفاهم واللُّحمةَ والوحدةَ الوطنيّة للأمة التركية كهذه الأمسية”.
هذه الاجتماعات جمعت أناسًا من مستويات شتى يمكن اعتبارهم يمثِّلون كلَّ قطاعٍ من قطاعات المجتمع التركيِّ، وقد شارك في بعضِ هذه الاجتماعات أو في معظمها عددٌ كبير من الناس من كلِّ فئات المجتمع تقريبًا بدءًا من رئيس الجمهورية حتى رؤساء الوزراء والوزراء والنواب ورؤساء البلديّات وممثّلي الأحزاب السياسية والبيروقراطيين، ورؤساء الجماعات الدينية المختلفة، وموظَّفي السفارات الأجنبية، والعلماء من كل التخصُّصات والصحفيّين والكتّاب والفنانين، ورجال الأعمال والتجّار…
وقد عبَّرَ المشاركون عن انطباعاتهم ومشاعرهم إمّا في الاجتماعات نفسِها أو على صفحات الصحف لاحقًا؛ فكانوا جميعًا يتحدّثون عن القِيَمِ ذاتها مثل التسامح والحوار والسلم المجتمعي، ومن ذلك مثلًا “برثلماوس (Bartholomeos)” بطريرك أساقفة كنيسة “فنر روم” إذ كان يهنِّئُ مؤسسي الوقف وأعضاءه باعتبارِهم خطوا خطواتٍ جادَّةً في طريق السلام والطمأنينة والمحبة، ويقول:
“إن فتح الله كُولَنْ يرمز في شخصيَّتِه وأفكاره للسلام والتسامح والقِيَمِ الساميةِ المهمّة بالنسبة لرؤساء الدول والإنسانية جمعاء”.
أما “جورج ماروفيتش (GeorgesMarovitch)” ممثل الفاتيكان لدى إسطنبول فيُبَيِّنُ:
“أن العامل والعنصر الذي يجذب الناس من كلِّ فئات المجتمع بمسلمِهِ ومسيحيِّهِ ويهودِيّهِ إلى مكانٍ واحدٍ هو الحبُّ الكامن في قلب فتح الله كُولَنْ، وأنَّ حبَّ الله هو سلاح فتح الله كُولَنْ الوحيد، وأنَّه يشكل مثالًا عظيمًا بالنسبة للعالَم”.
ويعبر الكاتب والمخرج السينمائي “خالد رفيع (HalitRefiğ)” عن مشاعره بقوله:
“القلب يأمل أن يكون كلُّ يومٍ من السَّنَةِ عيدًا؛ فبينما رياحُ الحربِ تهبُّ باتِّجاه بلادنا ومنطِقَتِنا نعيشُ اليوم مناخًا خاصًّا، علينا أن نحافظ على وحدتنا هذه”.
ويساند الكاتب الصحفي “رضا زليوط (RızaZelyut)” أعمال الوقف وأنشطتَهُ بصدقٍ ويؤكد على ضرورةِ التخلُّصِ من “ظاهرة الاستقطاب والانقسام ما بين يساري ويميني الدخيلةِ التي أصبَحَتْ متوارثة”، ويؤكِّدُ على حتمية أن يعتبر الناس من ماضيهم وألا يحكموا على حاضرهم بأفكار تقليديّة، أما المطرب “يِلْمَاظْ مُورْكُولْ (YılmazMorgül)” فيصف جمعَ الوقف بين أناسٍ من مختلف الرؤى والفلسفات بأنه حادثةٌ مهمّة جدًّا بالنسبة لتركيا، ويبارك هذا الحدثَ، في حين يندد “أُورْخَانْ كَنْجْأَبَايْ (OrhanGencebay)” في آخر أغانيه وألحانه بجعل الاختلافات المذهبية والعرقية ذريعةً للفرقة والتشتُّتِ، ويدعو إلى الوحدة والتماسُكِ.
ويؤكد الكاتب الصحفيّ “شكري قَنْبَرْ (ŞükrüKanber)” أن تركيا تعرضت لأزمات مختلفة لأنها عاشت فترات طويلة في بئر اللاحوار الجافة الصماء، أما الأستاذ الجامعي ورئيس وقف “الجمع” “أ. د. عز الدين دُوغَانْ (İzzettinDoğan)” فيؤكِّد على ضرورة عدم الخوف من الاختلافات، ويهنِّئُ “وقفَ الصحفيين والكتاب” ويُقدِّره لأنه جمعَ بين أناس من مختلف الآراء والتوجُّهات المذهبية.
وقد شارك الكثير في الدعوات التي قدمها الوقفُ في إطار ما نظَّمه من فعاليات لصالح الحوار والتسامح، ومن ذلك على سبيل المثال “خير الدين قراجه (HayrettinKaraca)” رئيس “الوقف التركي لحماية الثروات الطبيعية والتشجير ومكافحة تآكل التربة (TEMA)”، والأستاذ الدكتور “نور وَرْكِينْ (NurVergin)” و”عُزَيْر غَرِيح (ÜzeyirGarih)” رجل الأعمال، و”حسن قُورْقْمَازْ جَانْ (HasanKorkmazcan)” رئيس البرلمان التركي الأسبق، و”إسماعيل قَهْرَمَانْ (İsmailKahraman)” والدكتور “طُوقْتَامِشْ أَتَشْ (ToktamışAteş)” من وزراء السياحة الأسبقين؛ كلُّهم كانوا يُصرِّحون بمشاعرهم الإيجابية وتقديرهم ومباركتهم لهذا العمل، أما “جاك كامهي (JakKamhi)” رجل الأعمال اليهودي -الذي عمل عضوًا بالبرلمان لفترة- فيقول:
“الواقع أنني لا أتوقَّع شيئًا غير ذلك من الأستاذ فتح الله؛ إنه يسير في ذات الطريق الذي سار فيه أجداده على نحو لائقٍ وجميلٍ؛ فقد أحبّ الأتراكُ الناس جميعًا واحترموهم على مرِّ العصور؛ فلم يخوضوا حروبًا دينيّة، ولم يمارسوا قمعًا، وإنما فعلوا العكس؛ فقد مكّنوا الناس من نَيل حرّيّتهم، لقد ذهبت إلى المجر، فكانوا يمتدحون الأتراك باستمرار، وذهبت إلى رومانيا فكانوا يبادلونهم نفسَ الحبِّ أيضًا، إنني أتابع منذ وقت طويل مبادرة الأستاذ فتح الله كُولَنْ “التسامح”، وأباركها… وأضيفُ أنَّ أجدادي لو لم يروا ذلك التسامح ويحظوا به من العثمانيين وتركيا؛ لما كنت أنا موجودًا الآن” .
د. السلاموالتفاهمالسُّنِّيِّالعَلَوي
إن لدعوة فتح الله كُولَنْ إلى الحوار والتسامح بُعدًا تُشكّله المباحثاتُ واللقاءاتُ التي أجراها حول الغاية نفسها مع رجال الدولة ورؤساء الأحزاب التركية، بينما تشكل محاولاتُه ومساعيه للقضاء على التوتر السنّي العلويّ الذي أمَدَّتهُ سلبيات تاريخية بُعدًا آخرَ من تلك الدعوة.
وقد أجرى “أيوب جَانْ (EyüpCan)” حوارًا مع فتح الله كُولَنْ طُبع لاحقًا بعنوان “جولة في الأفق (UfukTuru)” قال فيه كُولَنْ:
“كما أن لدينا نحن -أي السنّة- جوانبَ يجبُ تشذيبها وإعادة تشكيلها، فإن لديهم هم -أي العلويين- كذلك بعضَ الجوانب يجب تشذيبُها وتشكيلها من جديد، نعرف أكاديميين من السنة أجرَوا دراساتٍ حول العلوية، يُلاحظ -بالنظر إلى آرائهم- أن العلويَّة تُشَكِّلُ مصدرًا غنيًّا في التميُّزِ الثقافيّ، لذا فمن الواجبِ الاستفادةُ من تلك الثقافة، لا تقويضها”.
وإلا فإنه يلفت الانتباه إلى مجموعة من السلبيات حدثت لا سيما في تاريخنا الحديث، ويُحذِّرُ كُولَنْ من اجترارِ سلبيّاتِ الماضي، ويتحدَّثُ عن ضرورة أن يتعمّقَ السنة والعلويُّون في عوالم بعضهم الداخلية وأعماقِهم الروحيّة، ويقترح كي يتحقق توافقٌ وتفاهمٌ وترابطٌ أكثرُ حميميّةً وبقاءً وسلامةً أن يُرجَع العلويون إلى الكُتب حتى ينتقلوا من الثقافة الشفهية -التي هي معرَّضة دائمًا للتغيير والتحريف على أيدي الجاهلين والمغرضين- إلى الثقافة الكتابية فتكتسب ثقافتُهم شخصيةً وهوية علمية، ومن ثم توضع كتبُ ومؤلفات الرموزِ والروّاد لدى العلويين أمثال: “الحاج بَكْتَاشْ” و”يونس أَمْرَه” و”نيازي مصري” في بيوت الجمع، وفي المقارّ التي يتردّد عليها الشعب وقاعات المطالعة والمراكز التعليميّة أيضًا، كما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فيقترح على واحدٍ من كِبار العلويّين وكان قد تعرَّف عليه في “إزمير” والتقى به -يقترح عليه- أن يفتتِحا سويًّا، ويُنْشِئا “بيتَ جمعٍ” وجامعًا جنبًا إلى جنبٍ.
وبينما يُعَرِّفُ كُولَنْ العلويّةَ الحقيقية المنشودة بأنها “اتِّباع سيدنا علي  في أعمالِهِ وتصرُّفاتِهِ وفِكرِهِ، والاقتداء به  عبر تَمَثُّلِ جوانبه السامية العُلْويّة”، فإن قسمًا من العشائر التركية القاطنة في الأناضول تولَّدت لديهم -إلى جانب إعجابهم بشجاعة سيدنا عليٍّ  وفتوته- فكرةُ الانحياز للعلوية نتيجة الظروف الاجتماعية والثقافية للمناطق التي نشؤوا فيها، وهذه الحقيقة تظهر وتتَّضح عند تناول الموضوع من الناحية النفسيّة والمجتمعيَّةِ، علاوةً على ذلك يلفت كُولَنْ الانتباهَ إلى أن المذهب السنّيّ ليس ولن يكون لديه أيَّةُ مشكلةٍ على الإطلاق مع الفهم العلوي الذي تحلَّق ودار حول سيدنا عليٍّ وآل البيت كما تدور الهالة النورانيّة حول البدر.
وبينما يؤكد فتح الله كُولَنْ على أن بعض المجموعات ذات الأيديولوجية “الرديكالية” ومن يوجهونهم يسعون دائمًا لإذكاء نارِ صراعٍ سنّيٍّ علويٍّ؛ يؤكِّدُ أن الأمةَ التركيّة مجتمعٌ متَّحِدٌ متوحِّدٌ بسُنِّيَّهِ وعلويِّه، ويبين أن ثَمَّةَ مجموعةً من التحريضات تقف وراء الأحداث التي أُثيرت هنا وهناك مؤخَّرًا، ويصف حادثة حصد أرواح رواد أحد المقاهي في حي “غازي عثمان باشا” بإسطنبول -الذي أكثرُ قَاطِنِيه من العلويين- والتي وقعت عام (1994م) بأنها “اعتداء شنيع”، وأنه “استقبلها باشمئزازٍ وأسًى”، ويؤكد كذلك على أنّ ثَـمَّةَ مساعيَ لخلق صراعٍ سنِّيٍّ علويٍّ يُدَبَّرُ ضدَّ مصلحةِ البلد والمجتمع، وأنَّ هناك قوًى ترغب في استغلال هذا الصراع وتحقيق مآراب خاصّة بها.
ويؤكد كُولَنْ بصِفةٍ خاصَّة على أن الصورة الذهنيّة التي يُسعى من خلال رسمها إلى التمييز بين العلوي والسنّي، والتفرقةِ في التصرُّف بين كلٍّ منهما تضرّ بتركيا السائرة في طريق الاتحاد الأوروبي .
هـ .الأملوالرجاء
لا شكَّ أن فتح الله كُولَنْ حين يُنادِي في المجتمع بحركةِ تسامحٍ وحوارٍ يرجو لها الانتشار في العالم كما تنتشر الأمواج على سطح البحر؛ يدركُ مجموعةً من الحقائق؛ من بينها أنَّ هناك مراكز ومجموعات نفعيّة داخلية وخارجيّة تتغذّى وتستفيد من وجود صراعٍ داخل المجتمع التركيّ وفي العالم أجمع، وبالتالي لا ترغبُ في تحقق السلْم الاجتماعي والحوار العالميّ والتسامح؛ ولهذا فإنه بينما يُنادي ويُعبِّرُ عن أمله ورجائه خلال كَلِماتِه وأمسياته مِنْ جانبٍ؛ تراهُ من الجانبِ الآخر يُعبِّرُ عن مخاوفِهِ وقَلَقِهِ، وكأنه يُحَذِّرُ منها الحضورَ والمجتمعَ والعالمَ أجمع.
السنواتُ القابلة ستكونُ عصرَ مودَّةٍ وتسامح؛ فسوف نحتضن الجميعَ بالمحبَّةِ ونحقِّقُ -إن شاء الله- شيئًا الدنيا في أَمَسِّ الحاجةِ إليه، إلا أنني قلق من شيءٍ؛ هو أن قطاعًا سيواصل إفسادَ الطمأنينة والسلم المجتمعي عازِفًا على أوتارِ الضَّعفِ فيه، ومُشعِرًا أفراد هذا المجتمع بأنه يمتلك قوَّةً تبطش، بعدها سَيُعِدُّون فخًّا وكمينًا للإيقاع بالتسامح، ومن الواضح أننا سوف نتعرَّض لاحقًا لامتحان بأشياء صعبةٍ جدًّا، وسوف تتصدّى أمَّتُنا لأعتى الخطوبِ بتحمُّلِ بعضِها وتكاتُفِها فيما بينها، ونَكَزُّ على أسناننا في هذا الامتحان، ونتمثَّل الحِكمةَ القائلة: “قابل الضارب بالصفح والسابَّ بالعفو”، ونحتضن كلَّ شيءٍ بمودّةٍ وشفقة دون أن نحقد أو نحمل ضغينة لأحد، ونسير إلى المستقبل متحابين .
ويعبر كُولَنْ في كلمة أخرى له عن مشاعر مشابهة أيضًا فيقول:
“لقد تنازعْنا، وشقّ علينا أن يتقبَّل بعضُنا البعضَ الآخر؛ فخسِرْنا وحدَتَنا، وفقَدْنا جنَّتَنا نتيجةً لذلك، واستردادُنا ما فقدناه حتى اليوم يكمُن في أن نَقبَلَ بعضَنا؛ فهذا هو الشيء الذي يشعر إنسانُنا اليوم بِأَمَسِّ الحاجة إليه.
لقد رأينا أن مجتمعَنا منفتحٌ ومستعدٌّ بالفعل للحوار والتسامح، ورأينا فيه تمثُّل الأخلاق الإلهية تجاه ما اتُّخِذَ من خطوات في سبيل ذلك؛ إذ يقول الله تعالى على لسان نبيِّهِ: “مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” ، فكلُّ مَنْ خطونا إليه خطوةً في إطار هذا الحوار جاءنا جَريًا، ونحن كأناسٍ متسامحين ننادي: “ضع يدك في يدي” من أجل المستقبل، وننتظرُ تلك الأيام التي يحتضنُ فيها مجتمعُنا -الشاعرُ في داخله بشوق سيدنا يعقوب  وحزن سيدنا الحسين شهيد كربلاء -بعضُه بعضًا بكلِّ قطاعاته، ويرشده ويوجّهه إعلامُنا وعُلماؤنا إلى ذلك؛ ويُراجِعُ حكَّامُنا أيضًا أساليبهم مرَّةً أخرى، ويعتمدوا التسامح أساسًا في أفكارهم وعلاقاتهم المتبادلة، ونقولُ أيضًا: إن كان هناك من يُخَطِّطون ضدَّ مستقبلِنا ويفكِّرُون في تحويل البلاد إلى ساحة من الدماء؛ فإنّ التسامحَ هو الدِّرعُ الحامي والسدُّ المنيع الذي يُفسِدُ عليهم خططَهم ويحول بينهم وبين تحقيقها” .
ويُبَيِّنُ فتح الله كُولَنْ في كلمة أخرى له أنَّ جذورَ الحوار والتسامحِ ضاربةٌ في جوهر الإسلام؛ فيقول:
“مِنَ العبث البحثُ عن التسامح بكلِّ أعماقه وأبعاده الحقيقيّة بعيدًا عنّا؛ فالتسامح سمتُنا هو ما يشكّل فكر مولانا جلال الدين الرومي ويونس أمره… وإن استطعنا إدراك المعنى الدقيق الكامن في كلمات حبيب الله سيدنا محمد  استطعنا فهمَ ما هو أساس ديننا، إنني أؤمن أن الدنيا -التي اختلَّ نظامُها- ستدرك الحقيقة ولو بعد أن تتخبَّط يمنةً ويسرةً، وأسألُ الله تعالى أن يُبنى المستقبل على المحبة والتسامح، لا على الحقد والكره والحدة والعنف” .
و. نقاطُالاتفاق
لقد اعترضَ طَرفان على دعوة فتح الله كُولَنْ للحوار والتسامح اعتراضًا جزئيًّا؛ أحدهما قِطاع لا يرغب بسيادة السلام الداخلي في البلاد، بل أن تظلَّ البلادُ في حالةٍ من الصِّراع والشِّجار الدائم حيث يرى أن ذلك هو الأنسب لمصالحه ومآربه وأطماعه الشخصية، ومثلُ هذا القِطاع ينظرُ إلى دعوة فتح الله كُولَنْ للحوار والتسامح من منظار “الطبقة”، بينما غيرهم من بعض المعارضين لا يستطيع إدراكَ وتقبُّلَ أن فتح الله كُولَنْ إنسانٌ نشأَ وتربَّى تربيةً إسلامية فأطلّ على الدنيا من إمامَةِ المسجد، أما القطاع الثاني المعارض لدعوة كُولَنْ فهو بعضُ مجموعات إسلامية يُمكن اعتبارها متطرِّفةً؛ إذ يزعم هؤلاء أنكم اهتمَمْتُم بحوار غير المسلمين وأهملتم حوار المسلمين، وأنكم إن حاورتم غير المسلمين فستُقدمون لهم التنازلات على حساب مبادئكم، في حين أن فتح الله كُولَنْ -الذي تعرفه تلك المجموعات بقدر معين في الأقل منذ سنوات عدة- لم يكن في الحقيقة يحظى بتعاطُفِهم سابقًا، وكان من أهم أسباب عدم التعاطف والتواؤم مع دعوته هذه أنّه لم يكن لديه أي اتجاه نحو السياسة في أيّ وقتٍ قطُّ، ولم يدعَمْ سياسيًّا من يسعونَ إلى الجمع بين السياسة والإسلام، ولم يشارك البعضَ منهجَهم في خدمة الدِّين، واللهُ تعالى فحسب هو الذي يعلم إن كان يخالط هذا الاعتراضَ الآنفَ ذكرُه شيءٌ من العوامل النفسية كالغيرة، وهو تعالى صاحب الحكم والأمر في هذا.
ولم يضطلع فتح الله كُولَنْ منذ البداية بأيّة محاولةٍ من شأنها أن تُلحِق ضررًا بأيّةِ مجموعةٍ مسلِمَةٍ، ولا سيما في شؤونها الخدمية الإسلامية، وكما أنه عبّر صراحةً أحيانًا وتلميحًا أخرى عن آرائه بشأن الأخوة والسلم والحوار بين المجموعات المسلمة؛ فقد أورد كلَّ أفكاره الخاصة بهذا تحت عنوان “نقاط الاتفاق” تقديمًا لكتاب “خطّ السِّلْمِ (SulhÇizgisi)” الذي ألّفه الأستاذ الدكتور “إبراهيم جَانَانْ (İbrahimCanan)”.
ويقول في بداية المقالة الآنفِ ذكرُها:
“الصواب أن موضوع الاتفاق والافتراق من أكثر المواضيع طرحًا ومحافظةً على أهـمّـيّـتها في يومنا الحاضر، وهو وإن حافظ على أهميته في كل العصور؛ فقد صار موضوعًا مُلحًّا يأتي في المرتبة الأولى بين القضايا الاجتماعية قاطبة، وتزداد أهـمّـيَّـتـُـهُ باطرادٍ في فترةٍ الاستعدادُ فيها لعالم جديد أمرٌ ضروريٌ، بل ضروريٌّ ومُلِحٌّ جدًّا، وعليَّ أن أقول بكلِّ أريحيّة: لا يمكن تصوُّرُ أنَّ هناك شيئًا أعظمُ خطرًا من الاختلافِ والافتراقِ الذي يُهدِّدُ بعْثَنا ونهضَتنا من جديد”.
ويلفت فتح الله كُولَنْ النظر إلى أهـمّـيّة تحقُّقِ الوحدةِ في المجتمع وأضرار الفرقة والاختلاف، ويذكر أن أسباب ما بين المسلمين والمجموعات الإسلامية خاصّةً والدول عامة من نزاع واختلاف يتمثل فيما يأتي:
ضحالةُ البنية الفِكريّة والعِلميّة لدى المجتمع، وفقرُ حياته القلبية والروحيّة، وعدمُ توفُّرِ مرشدٍ أو مُعينٍ أو رفيقٍ، ممّا جعلهُ في حالةٍ يُرثَى لها.
ما ولّده هذا المناخُ وغذّاه مِنْ تَعَصُّبٍ أعمى.
المركزيّة التي تدورُ حول “الأنا” وتُعَبِّرُ عن حُبِّ النفس؛ هي شِرْكٌ خفيٌّ من حيث إنها تُقيمُ الوسائلَ مقامَ الأهداف والغاياتِ.
عدم الاعتراف بحقوق الآخرين تبنِّيًا للفكرة الخاطئة التي تقول: “إنني لا أُريد خيرًا يتسبَّب فيه الآخرون، ولا وسائلَ ذلك الخير أيضًا ما لم يكن من صُنْعِ يدي!” .
التعصُّبُ وتجاوز الحدود كاعتبار أحدهم أنَّ الصوابَ والصحيحَ هو اتّباعُ الآخرين له، ورميُ الآخرِ بالكفر والضلال وارتكابِ الذنوب والآثام.
إعمالُ حبِّ الجاه والمنصِبِ المادّيِّ والمعنويِّ لدى بعض الذوات والأشخاص العِظام، ودفعهم إلى المنافسة مع غيرهم من المجموعات.
التحرُّكُ والعملُ فيما يمارَسُ من أنشطةٍ وأعمالٍ باسم الإسلام على تقويضِ الغيرِ من مجموعاتِ الخدمةِ الأُخرى.
التشوُّفُ إلى ثمار العِلمِ والفضيلة وما وراءها من مساع وجهود صغيرة في الدنيا في حين أن الآخرة هي المستقبلُ الأبعد؛ إذ تُمَثِّلُ مكانَ وزمانَ إدراك هذه الأشياء.
أساسيٌّ أن يعيش خادمو الأمة بحبِّ مَسلكِهم ومنهجهم فقط، إلا أن انشغالهم وتشبُّعَهم بعداوةِ الآخرين فقدانٌ وخسارةٌ عظيمةٌ للتوفيق الإلهي.
وإلى جانب هذه العوامل النفسية يلفت فتح الله كُولَنْ الانتباهَ إلى مزيدٍ من العوامل الأخرى التي تتسبَّبُ في حدوثِ الفرقة بين المسلمين، ويعدّدها على النحو الآتي:
إن إهمالَ الخدمات الدينية فترةً طويلة؛ ثم تحمُّل أفرادٍ وجماعاتٍ متعدِّدة ومتنوّعةٍ هذه الوظيفةَ؛ ولا سيما عدم وجود دليلٍ ورائدٍ يخضَعُ ويُذعِنُ الجميعُ لتوجيهه؛ كلُّ هذا يؤدّي في النهاية إلى أن تسلك كلُّ مجموعةٍ طريقًا مختلفًا ومستقلًّا عن غيرها.
تَعتبر كلُّ واحدة من تلك المجموعات مرشدَها ورائدَها الذي يُضيءُ لها الطريقَ مُجدِّدًا، (ومع أن كُولَنْ يرى “اعتبار كلِّ مجموعةٍ رائدَها مُجَدِّدًا أمرًا طبيعيًّا”؛ إلَّا أنَّه يرى أن هذا الفكر وهذه التقييمات قد تكون سببًا للفُرقة والاختلاف في هذا الشأن عند ضِعافِ القلوب).
إثارة الاختلافات من قِبَلِ العناصر الخارجيّة والمدسوسة بين الجماعات، وإثارة الاختلافات المذهبيّة والمزاجيّة والمشربية، والعبث بالمناخ الإثْنِيّ أيضًا.
أضف إلى هذا تعرُّضَ شعبِنا لفراغٍ قلبيٍّ وروحيٍّ، وإبعادَه عن الحياة القلبية والروحية وتَعَلُّقَ الجموعِ ببعض الأفكار والأنظمة الخيالية الوهميّة.
ومع أن فتح الله كُولَنْ يَعتبر أهمّيَّة الوحدة بين مجموعات الخدمة الإسلامية بصفةٍ خاصّةٍ شرطًا أساسًا لا غنى عنه بالنسبة للإسلام وتركيا على حدٍّ سواء، يُبيِّنُ أنَّ دعوة كلِّ من نتعرض له أو نمر به في الطريق أنْ: “هَلُمَّ، نتّحد!” عَرْضٌ غير مناسب، ويُذَكِّرُ بأنَّ هذا العَرْضَ إن طُرح بأسلوب ولغةٍ تدعو إلى الفكر الخاصِّ بالداعي على وجه التحديد، فهو ازدراءٌ بكلِّ ما للكلمة من معنى، ويؤكد على أن موقفًا من هذا القبيل لم ولن يفيد شيئًا سوى إثارة الحَميِّة الجماعية لدى الأشخاص المعتدلين مناصري الحق، ويقول:
“إنَّ الاجتماعات ضدَّ مجموعةٍ محدَّدةٍ والتجمُّعات القائمة على مشاعر العداوة والتجمُّعات والتقييماتِ التي تعيش في خِضَمِّ حالةٍ روحيّةٍ نفسيّةٍ عدوانيّة إنّما هي تجمُّعات عاطفيّة وليست فكرية”.
مشددًا على أن التصالح والتفاهم لا بدَّ أن يقوم على العقل والمنطق أوَّلًا وأخيرًا.
ووفقًا لكُولَنْ فإنَّ حسَّ التجمُّعِ والتكتُّلِ مفطورٌ في الإنسان، واختلافَ الفكر والأفهام نتيجةٌ طبيعيةٌ لِلْخَلقِ شعوبًا وقبائل، إلا أن البشر مطالبون بتوفير النظام والتناغم في الخلقة والكون مستخدمين إرادتهم البشرية لتحقيق ذلك، وفي حين يسود “الجبرُ” في عالم المجرات؛ تسود الإرادة في إطار “الشرط العادي” في عالم البشر، وإن كان الخلق الأول إحسانًا؛ فكُلُّ إحسان يعقُبُه يعتمد على سبب معين، ومن هذه الناحية فإن الشرط الأول الذي يَصُبُّ في صالح الوحدة والتعاون الاجتماعي هو اهتمام الضمائر بالمجتمع، وتَخمُّرُ المروءةِ وحبِّ الإنسانية في القلوب، ويمكن أن يتحقَّقَ هذا بانتشار العلمِ والعرفان والتسامح.
يلفت كُولَنْ بَعدَ هذا الشرط الأول الانتباهَ إلى النقاط الآتية كي تتحقَّقَ الوحدةُ السليمةُ والصِّحِّـيَّـة:
لا بدّ من اعتبار الأفكار غير المتعلّقة بالمبادئِ الأساسية أمرًا طبيعيًّا، ويجب أن يتنامى بين أفراد الأمة ومختلف المجموعات وطبقات المجتمع احترامٌ ولطفٌ ولو بقدر اللُّطْفِ المتصنَّع تجاهَ أحدِ الغرباء في الأقل.
إن المنطقَ أو الفهمَ الراغبَ في رؤيةِ غيره في كفرٍ وضلالٍ أو اعتبارهم مذنبين منطِقٌ لا يُحقّقُ أيَّ قيمةٍ فضلًا عن أنّه لا يأتي بِخَيرٍ، كما أنه فهمٌ خطير، وعلى كل مجموعة تسيرُ في طريق الخدمات الإسلاميّة أن تنشَغِلَ بالتعريف بمنهجها الخاصّ وبيانه والتوصية بالخير والعيش بحبِّه، وألَّا تُضمِرَ العدواةَ للمجموعات الأخرى، بل عليها أن تعتبرها إخوةً لها وتُقدِّر فضلَها ونجاحاتها، وألّا تُوجِّه انتقاداتٍ مُنفِّرةً ولاذعةً، ولا سيما أنه لا ينبغي أن يُنشدَ التقديرُ والتبجيل في القضاء على الآخر وتحقيره.
إنَّ المرشدين والرواد الذين إن أخطؤوا استُعظِم خطؤُهم بسبب وضعهم الاجتماعي عليهم أن ينأَوا بأنفسهم عن اتهام الآخرين بالكفر والضلال نأيًا تامًّا.
يبنغي لنا الحبُّ والبغضُ لله وفي الله، والقضاء على حبِّ النفس؛ واعتبارُ الآراء والمفاهيم المختلفة وسيلةً للثراء والتنوع لا للعدواة والشحناء.
الانتباهُ لِحِيَل الأعداء ومكائدهم، وعدمُ الانسياق وراءهم ولا الانخداع بهم.
التذكير بأن الحقدَ والغضبَ لم يحلّ أيّةَ مشكلةٍ حتى الآن؛ ويجب ألا يُنسى أن “الظهور على المدنيّين المثقّفين إنما يتحقّق بالإقناع وليس بالضغطِ والإجبار” .
لا بدّ من الثناء على خدمات الآخرين واحترامِ كِبارِهم.
ينبغي لكلِّ مسلمٍ أن ينظُرَ إلى الكون على أنه مهدُ الأخوّة، ويبحثَ عن سبُلٍ لإقامةِ العلاقات مع كلِّ ما هو موجود فيه، ويكونَ ليّنَ الجانب دائمًا لأهل الإيمان وينفتحَ عليهم.
لم تتغيَّر أفكار كُولَنْ هذه في أيِّ وقتٍ، إلا أن ما أبداه كُولَنْ -منذ البداية- من مودَّةٍ وقُرْبٍ إلى المجموعات الإسلامية الأخرى ظلَّ بِصِفَةٍ عامّةٍ دون مقابل؛ ففي إحدى المرات التي كنت حاضرًا فيها سُئِلَ:
“نذهب أحيانًا لزيارة بعض المسلمين، فيحسنون التصرُّفَ تجاهنا؛ إلا أنه يرد إلى مسامعنا أننا ما إنْ نغادرهم حتى يتحدثون عنَّا بأحاديثَ مخالفةٍ ومغايرة ومناقِضةٍ لما تحدّثوا به في حالِ وجودِنا؛ فكيف نتصرَّفُ في هذا الموضوع؟”
فإذ به يجيب هكذا:
“إن المسلم مُكَلَّفٌ ومطالَبٌ دائمًا بحسن معاملة أخيه المسلم، فإن كنتم تجدون من البَعضِ غير ذلك فعليكم:
أوّلًا: أن تفحصوا نيَّتَكم من زيارتهم؛ أتذهبون لزيارتهم لأنه تجبُ عليكم زيارةُ إخوتِكم في الإسلام، أم من أجل مداراتهم؟
ثانيًا: هل تذكرونهم بالخير في دعائِكم؟ إنني دائمُ الدعاء للمجموعات الإسلامية كلِّها ولروَّادِها، بل ولأجدادهم أجمعين.
ثالثًا: يقعُ على عاتقكم الإحسان وفعل الخير دائمًا؛ إذ ورد أنَّ عقبة بن عامر  قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ فَقَالَ : “يَا عُقْبَةُ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ” .
2- حركة الحوار بين الأديان أي بين أتباعها
إحدى الحركات التي بدأها فتح الله كُولَنْ للمرة الأولى في تاريخ تركيا هي محاولتُه نقل حركة الحوار والتسامح إلى حوارٍ بين أتباع الأديان السماوية بصفة خاصة: الإسلام والمسيحية واليهودية داخل تركيا وخارجها، وقد دار حيالَ هذهِ المحاولةِ جَدَلٌ، ولا سيما من قِبَلِ المسلمين، وهي خطوةٌ يجب تناوُلُها بشكلٍ جيِّدٍ على سبيل النقد الذاتي.
أ. فرصةذهبيةسانحةمنأجلالحوار
إن الحضارة الحديثة -وخاصَّةً في القرن التاسع عشر- ظنَّتْ أنها تستطيع القضاءَ على الدِّين بانتشار الوضعيّة والمادّيّة العاجِزَتَين عن استقراءِ التطوُّرات العلميّة والفنّيَّة بشكلٍ صحيحٍ، إلَّا أنَّ التطوُّرات الفيزيائية أوائلَ القرن العشرين تسبَّبت في تبدُّلِ الأفكار وتغيُّرها إزاءَ هذا الموضوع، وفي حين أنَّ الفلاسفة ورجال العلم في الغرب من أمثال: “ماكس بلانك (MaxPlanck)” و”بوريس باسترناك (BorisPasternak)” و”شوارتز (Schwartz)” و”ألكسيس كاريل (AlexisCarrel)” و”جيمس جينس (JamesJeans)” و”إدنغتون (Eddington)”، وكذلك “آينشتين (Einstein)” -الذي يمكننا القول إنه في الخطِّ والمنحى نفسه- يتبنّون فهمًا دينيًّا عميقًا، فممّا يؤسف له أن الوضعية الفظّة بل والمادية في القرن التاسع عشر بتركيا صارت وكأنها منهجٌ عامٌّ رسميٌّ سيطر على الأمور والإدارة أيضًا، وفي الفترة ذاتها، وفي النصف الثاني من القرن العشرين تحديدًا لانت هذه الغلظةُ بعضَ الشيء في ظلِّ عناية الحق تعالى الممتدة إلى أعمال أشخاصٍ تجدُرُ جهودُهم الخارقةُ في خدمة القرآن والإيمان بكلِّ معاني التقديرِ والاهتمامِ، ومع هذا كانت ثَمَّةَ زُمرَةٌ حاكمةٌ متسيِّدة تظهر في صورة طرح رسمي، وهي غالبًا ما تحافظ على بقاء ذاك الفكر، وكذلك حين كان الدينُ في الغرب يَسْتَرِدُّ رويدًا رويدًا ما فَقَدَهُ من مكانةٍ؛ فإن مجموعةً من المثقَّفين الشكليّين التي ترى الحداثةَ على أنها نقيضُ الدِّين في الحياة الاجتماعية كانت تتمثَّل مواقف وفعالياتِ إبقاء الدِّين عامّةً خارج الحياة الاجتماعية، والحكم على المبادئ الإسلامية بالنظَرِ إلى البلاد الإسلامية بصفة خاصّة، وبينما أمثال “مانفرد هلبيرن (ManfredHalpern)” يرغبون في أن يغرق الإسلام في سيول الحداثة على حد تقييم عالم الأنثروبولجيا الأمريكي “أ. د. ديلي ف. إيكيلمان (DaleF. Eickelman)”؛ فإن أمثالهم أيضًا يرون أنه من الضروري أنْ يُحطِّمَ الزعماءُ السياسيّون سلطةَ الزعماء الدينيّين، وأن يُقلِّلوا أهـمّــيّـة المؤسّسات الدينيّة التقليديّة.
ودون أن تمضي عشرون سنة حدثت تغيّرات في العالم كذّبَت المثقفين السابق ذكرهم؛ فقد بدأ الاتحاد السوفيتي يتفكّكُ في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم وانهار الستار الحديدي، وتزامنًا مع هذا بدأ من كانوا كاثوليكيين ومن كانوا أرثوذكسيّين في السابق يعودون مجدّدًا إلى أديانهم ويستكشفونها من جديد على حدِّ قول فتح الله كُولَنْ، ولا شك أن المسلمين سيحاولون استكشافَ الإسلام وفهمَه من جديد، وقد تطرّق “إيكيلمان” إلى تلك التطوّرات، وضرب مثلًا بالأنشطة الاجتماعيّة للكاثوليك في “بيرو”، والإنجيليّين في “غواتيمالا” والجماعات الدينية في الولايات المتّحدة الأمريكية، وشَخّصَ كيف أفلست الأفكارُ والتكهُّنات المضادَّة في الستينات من القرن العشرين، وبينما تطرّق إلى أهمية الدِّين في الحياة الاجتماعية بل والسياسية؛ أشار إلى كلمة الرئيس التشيكوسلفاكي “فاتسلاف هافيل (VaclavHavel)”:
“إنَّ حقوقَ الإنسان والحريات الإنسانية وشرفَ الإنسان تجدُ أعمقَ وأدقَّ معانيها وجذورها خارجَ العالم المادّيّ، البشرُ يؤسِّسون الدُّوَلَ، لكن خالقَ البشرِ هو اللهُ”.
كما يبين “هافيل” أنَّ وجهة النظر الحداثية التي ترى إمكانيّةَ معرفةِ العالم بشكلٍ موضوعيٍّ، وتعميمِ المعلومات المستحصلة بهذا الشكل بالمعنى المطلق عاشت أزمةً صعبةً، ويؤكِّد على أن المَخْرَجَ من هذا هو أنْ يَثِقَ سياسيّو المستقبل بالروح والروحانيّات الفرديّة.
وبعد أن سجَّل “إيكلمان” هذا تطرَّق إلى دور المسيحية في تكوُّن القيم الاجتماعية والسياسية في الغرب، بل وفي الحياة السياسية الراهنة، وانتقد ما يتَّخِذُه بعضُ “العلمانيّين المتشدّدين” في البلاد الإسلاميّة بصفةٍ خاصَّةٍ من تصرُّفات ومواقف معارضةٍ للإسلام.
ويرى المؤرخ “دومينيك كولاس (DominiqueColas)” أنَّ الخطاب الديني هو العامل الأكبر تأثيرًا في تكوّن المجال العام الحديث في أوروبا، وقد اضطلعت المسيحية حتى اليوم بدورٍ حاسمٍ دائمًا في قوانين تزييف المقدّسات والعطلات الدينية والطقوس والأدعية الجماعية، والمدافعون المعاصرون عن العلمانية وإن زعموا أنَّ المؤسّسات العلمانية متفتِّحة الفكر؛ إلا أنّ المتشدِّدين منهم -ومن ذلك على سبيل المثال مراكز القوى الموجودة في تركيا- قد اتسقوا مع القمع والتَّزَمُّتِ أكثر من اتِّساقهم مع القِيَمِ التنويريّة.
ويتناول “إيكلمان” ماهيةَ التطوّرات الدينية في البلاد الإسلامية، وخاصّةً تلك التي في تركيا، ويقيِّمها كالآتي:
“تخاطب الحركات الدينية في تركيا الحداثيين المتديِّنين، ويُكوِّنُ الإسلامُ علاقة وصِلَةً بين تعاون الغرب مع الشرق دون صدام؛ ومع العلم والعقل والحداثة أيضًا، وتضع هذه الحركات الدينيّة التعليمَ في المقدمة، وتستطيع الوصول إلى الأتراكِ يوميًّا على نحو متزايد، إذن فالدين يُسهم حيث تلتقي الحياة السياسية والاجتماعية في تشكُّل المجتمع المدني، وهناك نقاش في العالم الإسلامي وحديث حول كيفية التكيّف على الحياة الاجتماعية والسياسية باستخدام القيم الإسلامية” .
“ليسَ من حقِّ الحكومات أن تحتَكِرَ أو تَتَحَكّمَ في معرفةِ وتفكيرِ شعوبها؛ فقد انهارت الاحتكارات الفكرية التي كانت في الماضي، وهناك أعدادٌ كثيرةٌ من المؤمنين تعملُ على إعادةِ إنشاء المجال الديني والاجتماعي العام من جديد” .
وقد أطلقَ فتح الله كُولَنْ دعوتَه للحوار والتسامح في فترةٍ تاريخيّةٍ ذهبيّةٍ؛ ينبني أحدُ وجهَيها على القيمِ الدينيةِ الساميةِ وما ستضطلعُ به من دور في تشكل عالمٍ مبنيٍّ على السلام والطمأنينة والهدوء والاحترام المتبادل والتفاهم، بينما في الوجهِ الآخرِ منها تقريرُ “هينتغنتون” الذي يُقدِّم الإسلامَ والعالم الإسلامي والجغرافية الإسلاميّة كلَّها -المصوّرة والمقدّمة على أنها قطبٌ مُعادٍ- على أنَّها مجال للصراع بين الحضارات الموجودة على حدود روسيا مع البلاد الإسلامية بصفةٍ خاصّة، وكذلك هناك الحركات الإرهابية الموجّهة لإظهار المسلمين على أنهم أعداءُ القيم الإنسانية والحُرّيات والديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية، وكُولَنْ على وعيٍ تامّ بأن مجموعات رؤوس الأموال والمصالح المتحالفة مع مجموعة من مراكز القوى المسيطرة بقدر كبير على العالم وفي البلاد الإسلامية أيضًا سوف تستاء وتنزعج من مناخٍ يسوده الاحترامُ المتبادَلُ والتوافقُ والتسامح والحوارُ الدائمُ المدعومُ بالقِيَمِ الدينية، وقد صرحوا بمخاوفهم تلك -كما سبق آنفًا- منذ أن خَطَتْ حركةُ الحوار والتسامح التي أطلقها فتح الله كُولَنْ في تركيا خطواتها الأولى؛ حيث إنَّ تحميلَ الجرائم المفجعة المرعبة للمسلمين في بعض الدول، ومحاولةَ البعضِ في تركيا وَأْدَ مبادرةِ فتح الله كُولَنْ للحوار والتسامحِ وهي في مهدها؛ ومناخَ الحرب الذي ساد مؤخّرًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الذي لا تُعرَفُ أبعاده العالميّة؛ كلُّ هذا كشفَ كم أن هذه المبادرة أو الحركة من الأهمّية والضرورةِ بمكانٍ يستوي مع كونه محقًّا في مخاوفه.
ب. لماذاالحوار؟
الحقيقة أنّ الحوار بين الأديان أي بين أتباع الأديان يُشكِّل دعامةً أساسيّةً من دعامات حركة فتح الله كُولَنْ للتسامح والحوار، سبقت كولن في هذا الأمر الكنيسةُ الرومانيةُ الكاثوليكيّةُ التي خطت عام (1960م) خطوةً رسميَّةً مهمَّةً لإطلاقِ حوارٍ مع اليهودية والإسلام على حدٍّ سواء، ولا ريب أنَّ هذه الخطوة يتعذَّرُ ربطُها بسبب واحدٍ بعينه كما أكَّدَ على هذا الأستاذ الدكتور “سعاد يِلْدِرِيمْ”:
“ومن المتوقع أنَّ اتجاهَ الكنيسة الرومانية الكاثوليكيّة للتصالح مع اليهوديّة والإسلام ووجود مجموعةٍ من العوامل الأخرى كاعتبارِ الكنيسةِ الانفتاحَ على العالم أمرًا حتميًّا كي تستطيع البقاء والاستمرار، ورغبتِها في إعادة ما فقدته المسيحية من بريق وجاذبية، وفي إقامة تعاون بين المسيحية واليهودية والإسلام -الذي يُقِرّ كلٌّ منهم بإبراهيم  ويؤمن به كرمزٍ من رموز التوحيد- قيمةً وسلطةً مشتركة في مواجهة التيارات الإلحاديّة الراغبة في القضاء على المظاهر الدينية بكلّ أنواعِها، ومن العوامل أيضًا؛ استحالةُ مواصلةِ ما سِيقَ بحقِّ الإسلام من مزاعم وادعاءاتٍ زائفة طيلةَ العصور، والرغبةُ في تقدير وتقديم أصحاب المفاهيم والمناهج الحداثيّة والتاريخيّة التفسيريّة للإسلام والقرآن بين المسلمين، بل وربما تقديم دعمٍ جديدٍ للهيمنة الغربية، وإدخال المرتدين عن الإسلام في المسيحية” .
كلُّ ذلك كان له تأثير في هذا الأمر، وأيًّا كانت غايةُ الكنيسة وهدفُها من تلك المحاولة؛ كان ينبغي للمسلمين ألا يَفِرُّوا أو يمتنعوا عن القيام بشيءٍ يلزم الاضطلاعُ به.
ومع ذلك فإنَّ مجموعة من الأوساط الإسلاميّة تأثّرت بالهجمات التي شُنَّت عصورًا طويلةً ضدَّ الإسلام خاصّة، واعتادت على النظر بعين الشكِّ والريبة لكلِّ مبادرةٍ غَربِيّةٍ وكَنَسِيّةِ المنشإِ والمصدرِ، وظلَّتْ في وضع الدِّفاع الدائمِ متأثِّرةً بتلك الهجمات وما تسبَّبت فيه من شكوكٍ وظنونٍ، وعَدَّت معارضة الحوادث المتنامية والظروف المتشكِّلة خارج سيطرتها ودائرتها خدمةً للإسلام، وبالتالي نَسِيَتْ منذ زمنٍ أن تتبنَّى مبادرات تصبُّ في صالح الإسلام، فعارضت هذه الأوساطُ متعاونةً مع مجموعة من مراكز القوى المتخوّفة من حركةِ فتح الله كُولَنْ للحوار والتسامح مبادرةَ الحوار بين أتباع الديانات التي أطلقها؛ في حين أنها كانت مبادرةً مُهِمَّة لأقصى درجة لأن:
“اللوحة والمشهد الذي يبرز أمامنا عند تناول المسألة في إطار بيان الإسلام والتعريف به ونشره هو كالتالي:لا توجد على سطح الأرض اليوم أرضيةٌ صالحة للتبليغ بالإسلام، والعالمُ الحديثُ يتفوّقُ على المسلمين تفوُّقًا كبيرًا في المجالين الاقتصادي والسياسي اللذين يأتيان في المرتبة الأولى من اهتمام الناس في عصرنا، أما تفوُّقُ المسلمين في هذين المجالين فللأسف صار تاريخًا، كما أنهم ليسوا في وضع يُمكِّنهم من إبراز تفوُّقِ الإسلام في هذين المجالين على نحو محسوسٍ وملموسٍ في الوقت الراهن؛ وبالتالي فإنَّ أكثرَ ما يحتاجه العالم في عصرنا عند شرح الإسلام والتعريف به وتقديمه هو القِيَمُ الإسلاميّة الأخلاقيّةُ والروحيّةُ، ونظامُه التعبُّديّ، ونظرتُه للوجود والكون، ومبادئُه القادرة على إنهاءِ فكرةِ الصِّراع بين الدِّين والعِلم التي سيطرت على الغربِ مؤخَّرًا، وإنّ أُسُسَهُ القادرةَ على الكشف عن تفاهة هذا الصِّراعِ وخوائِهِ في الأقل لَتَحْتَلُّ الصدارة في الأهمية، وتقديمَ هذه الأمور وإبرازَها، ولا سيما بتمثُّلها وتجسيدها يُحتِّمُ ويستلزمُ وجودَ مناخٍ من المصالحة والسِّلْمِ والحِوار؛ إذ يستحيل بيانُ أيِّ شيءٍ على الإطلاق في مناخٍ تسودُه الحروبُ والصراعات، ولأن الأوساط التي تعارض الحوار عن عمدٍ وقصدٍ تعلمُ هذا فهي لا ترغبُ أبدًا في أن يتكوَّنَ مناخٌ وجوٌّ على هذا النحوِ والشاكِلَةِ.
إن الصورةَ الذهنيّة التي رُسمت للإسلام في العالم أجمع منذ بداية التسعينات -خاصة- والمدعومة بكلِّ السُّبُلِ والوسائل صورةٌ مخالفةٌ تمامًا لجوهر الإسلامِ وروحه؛ إذ صُوِّرَ بأنه القتلُ والإرهابُ والإجرامُ والتخلُّفُ، وكما أُشير إليه آنفًا؛ فإن مشاهد الإرهاب والعنف المُنَفَّذَةَ لترسيخ هذه الصورة الذهنيّة عن الجغرافية الإسلامية دائمًا ما عمَّقت -للأسف- ذلك التصوُّرَ المرادَ إلصاقه بمُحَيّا الإسلام الطاهر، وعمِلَت على تسويدِهِ وتشويهِهِ، وهنا نجدُ تساؤلًا يطرحُ نفسه بنفسه بقوّةٍ: أهكذا تُعْرَفُ حقائقُ الحضارات والديانات؟! وهل هذا هو المسارُ الصحيح الذي نتقصّى من خلاله الحقائق الدينيّة؟! إن قيمًا كحقوق الإنسان وحرياته الأساسية والديمقراطية والمحبة والتسامح والحوار والعناية بالفرد قيمٌ لم يعارض الإسلامُ أيًّا منها قطّ، وإن كانت له مجموعة من المُثُلِ والموروثات والأحكام الخاصّة به فيما يتعلَّقُ ببعض جوانب تلك القيم؛ فقد وضع هذه القيم في المرتبة الأولى سواءً من الناحية الاعتقاديّةِ أو التطبيقيّةِ على مرِّ التاريخ، ومن ثَـمّ فإن تقديـمَه وتعريفَه على نحوٍ يخالف ذلك تمامًا يعني ادّعاءَ شروقِ الشمسِ من مغربها، أو محاولةَ تدويرِ الكوكبِ في عكسِ اتّجاهه، وليس للمسلمين قدرةٌ وقوّةٌ لإثبات العكس في عالمٍ أُسِّسَ على الصراع والعراك، وبالتالي فإنَّ إبرازَ الإسلام وتقديمه بما يمتلِكُه من قيمٍ أصيلةٍ تمامًا وجاذبةٍ للناس في يومنا هذا، وبيانه بهُوِيَّتِهِ وماهيَّتِهِ الحقيقيّةِ مرهونٌ بتوفُّرِ مناخٍ يسودُهُ التصالحُ والتسامحُ والحوارُ والسِّلْم.
ثَمَّةَ حقيقةٌ شاخصةٌ أمامنا؛ هي أن الغربَ يسبق العالم الإسلامي بمراحل عديدة من النواحي: الاقتصادية والسياسية والعسكريّة، وأما العالم الإسلاميُّ فإلى جانبِ أهمّيّة الإيمانِ والعبادة والأخلاق وعدمِ تقليلنا من شـأنها بتاتًا إلا أنّ ثَمَّةَ حكمة في وجود عوامل مثل القوّة في الدنيا والاقتصادِ الذي يحقّقها، وهناك وجه آخر للحقيقة التي أشرنا إليها هو حقيقة أن الغربَ يستحيل عليه -برغم ما يمتلكه من مصادر القوى الكثيرة- أن يمحو الإسلام مِنْ الدنيا ومن أذهان الناس وقلوبهم، وأنَّ المسلمين يستحيل عليهم أيضًا الزحفُ نحو الغرب بما لديهم من قوَّةٍ مادِّيَّةٍ، وبالتالي فإنَّ تقاسُمَ القيم ونشرَها في عالمنا الذي أصبحَ بفضل تطوُّرِ التكنولوجيا ووسائلِ الاتصالِ والتنقُّلِ والمواصلاتِ مثلَ قريةٍ صغيرة من السهلِ تبادُلُ العلاقات فيها؛ أمرٌ مرتبِطٌ بالاعتقادِ ووجهةِ النظرِ الخاصَّةِ بكلِّ فردٍ، أما ضرورةُ أن يعيشَ ما يخصُّ الآخرين أيًّا كان دون تفريق، وأن يحظى بالاحترام ويتكوَّنَ مناخٌ يقوم على هذا فهو حتميٌّ، وسيصُبُّ في صالح المسلمين أيضًا.
لقد عرف المسلمون كيف يتعايشون مع أتباع الديانات الأخرى خلالَ حُكْمٍ إسلاميٍّ دام أحدَ عشرَ قرنًا من الزمان، وشهد التاريخ في تلك الحقبة إمكانيّة تحقُّقِ ذلك على أعلى المستويات، وفي المقابل فإن تاريخ تعايُشِ الغربيّين -باعتبارهم أصحاب بيتٍ واحدٍ تقريبًا- مع المسلمين لا يرجع إلى ما قبل سبعةِ أو ثمانية عقود؛ فالتكتلات الغربيّة التي رفضت الإسلام كدينٍ فيما قبلَ ذلك، ووصَفَتْ رسولَنا  بأكثر الصفات تحقيرًا بدأَتْ -ولو على مستوى المجتمع والمواطن في الأقل- تعترفُ بالمسلمين ثم بالإسلام، وقد زادت هذه الرغبة في التعرُّفِ بسبب علاقات الجوارِ مع المسلمين في مُدُنِهِم، ونتيجةً لذلك بدأت تتطوَّرُ علاقاتٌ يمكن وصفها بالحميميّة، وصار واردًا أن تقعَ بعضُ التطوُّرات كرؤية الحقيقة لدى المثقَّفين المهمّين والكهنة أو رجال الدِّين المسيحيين، وأصبحَ ممكنًا وجودُ شيءٍ من اللين تجاه الإسلام، بل والميل إليه.
فمثلًا يمكننا أن نذكر إلى جانب الكاتبة والباحثة الإنجليزية “كارن أرمسترونغ (KarenArmstrong)” مؤلِّفة كتابِ: “محمد : نبي لزماننا” المهمِّ لأقصى درجةٍ رجالَ دينٍ ومثقفين وغيرَها الكثيرين أمثال كلٍّ منْ: “لويس ماسينون (Massignon)” و”كارلس ج. ليدت (CharlesJ. Ledit)” و”ي. مبارك (Y. Moubarac)”، و”إيرن-م. دالميس (Irene-M. Dalmais)” و”ل. غاردت (L. Gardet)” و”نورمان دنيال (NormanDaniel)” و”ميشيل ليلونغ (MichelLelong)” و”هـ. مورير (H. Maurier)” و”أوليفر لاكومب (OlivierLacombe)” و”توماس مارتون (ThomasMerton)” و”سيدني غريفث (SidneyGriffith)” و”توماس ميتشيل (ThomasMitchell)” و”جون ايسبوسيت (JohnEsposito)” و”دال ف. إيكلمان (DaleF. Eickelman)”، واستمرارُ هذا الجو مهمٌّ جدًّا بالنسبة لمستقبل العالم والبشريّة، ولا سيّما بالنسبة لحاضر الإسلام والمسلمين، وهو أيضًا يتطلَّبُ مناخًا دافئًا من الحوار والتسامح والسلم.
والخلاصة توافقًا مع أحدِ أهمّ المفكّرين الإسلاميّين: إنّ المسلمَ الواثقَ في إسلامِهِ وعقيدتِهِ في ظلِّ عالَمٍ يسودُهُ العلمُ مستقبليًّا بمعايير أكبر وأعظم تُحوِّلُه تمامًا إلى عصر المعرفة، وفي أنَّ الإسلامَ يجعل العقلَ والعلمَ يُقرّان بأحكامه جميعها إنْ أقامَ حوارًا مع أتباعِ الديانات الأخرى؛ فإنَّ فعلَه هذا ليس تلطُّفًا منه، ولا عملًا يستوي القيام به من عَدَمِهِ، بل يمكننا القولُ إنَّه وظيفةٌ حتميّةٌ وضروريّةٌ بالنسبة لمسلم يُدرِكُ معنى الإسلام ووظيفتَه وواجبَه إزاء دينه على وجه البسيطة، والمسلمون الذين عاشوا حتى اللحظة خوفًا وقلقًا من “أن يتخطَّفَهم الناس” لعقدة كامنة في عالم اللاوعي عندهم، ورأوا الاستمرار في الدفاع هَوَسًا بأن الأعداء يطوِّقونهم من كلِّ جانبٍ وكأنه ركنٌ من أركان الإسلام؛ حانَ الوقت أن يَخرُجُوا من سجنٍ حبسُوا هم أنفُسَهم فيهِ، ويدركوا ما الذي يجري في العالم الخارجي، فلقد صارَ العالمُ عالمَ ترقٍّ وتقدُّمٍ بالنسبة للآخرين، وعالمَ تَدَنٍّ وتَأَخُّرٍ بالنسبة لنا نحن، فلماذا يظلُّ الأمر هكذا دائمًا، لماذا يكون الإسلام دين الذُّلِّ والخسارة والخرابات والعقولِ المتبلِّدة والقلوبِ المتجمِّدة والمُحتَقَرين الباحثين عن العَيشِ في عوالم أخرى، والمنبوذين من العوالم الجديدة القائمة، لماذا؟ ثَـمَّةَ شرطٌ في غاية الأهمّية للتخلُّصِ من كلِّ هذه؛ إذ يكفي ألا يجعل المسلمون الإسلامَ وسيلةً لرغباتهم في إثبات الذات، وسببًا للغرور بالانتساب إليه والتعالي على الآخرين، وسُلّمًا يصلون به إلى أهدافهم الدنيويّة أو السياسية، وعليهم أن يتبنَّوه ويعتنقوه ويتمثَّلوه ويُقَدِّمُوه كدينٍ، ولا شكَّ أنَّ هذا يتحقَّقُ بتغييرهم الصورةَ التي كوّنوها في أذهانهم عن الإسلام حاليًّا؛ فهي صورةٌ الإسلامُ منها بَرَاءٌ كبراءةِ الذئب من دمِ ابن يعقوب، ويستحيل لها أن تُعَبِّرَ عنه أصلًا.
ويدعمُ كُولَنْ مبادراته للحوار بتطبيقاتٍ من القرآن الكريم والسنَّةِ المطهَّرة والتاريخ الإسلاميِّ، وقد جُمِعَت هذه التطبيقات في كتاب “مناخ التسامح والحوار في أحاديث فتح الله كُولَنْ وكتاباته (FethullahGülen’inSohbetlerindeveYazılarındaHoşgörüveDiyalogİklimi)” الذي أعده “قُدْرَت أُونَالْ (KudretÜnal)” و”سَلْجُوقْ جَامْجِي (SelçukCamcı)”، وقد أدلى فتح الله كُولَنْ بتصريحٍ إلى إحدى المجلّات تحدَّثَ فيه عن الأمور التي تدفعه للحوار فكان ممّا قال:
“خُلِقَ الإنسانُ كريمًا، وهو يسعى دائمًا خلفَ الأشياء الجميلة والحسنة، إلا أنه تنهال على رأسِهِ -أحيانًا- أحجارٌ لم يكن يتوقَّعها أو ليس له دخل فيها، وما في خلقة الإنسان من كرم وحسن هو ما يحثُّني ويدفعُني إلى إجراءِ حركةِ حوارٍ على مستوًى عالميّ، ولديَّ أملٌ واعتقادٌ تامٌّ بأن الإنسانيَّةَ المعجونةَ خميرتُها وجوهرُها بالخيرِ والجمالِ سوف تَصِلُ وتُكمِلُ ذاتَ يومٍ هذا الخطَّ الذي تُحَتِّمُه وتستوجبُه تيكَ الخميرة، وأنا على اقتناعٍ بأنَّ الإنسانية السَّئِمَة حاليًّا من الحروب والصراعات والدماء المسفوكةِ والمظالم المرتكبةِ مستعدَّةٌ لحوارٍ وسِلْمٍ عالميّ، كما أنَّ المناخ مهيَّأٌ لحوارٍ من هذا النوع، وإننا إن لم تَزِلَّ خطواتُنا ولم نَضِلَّ طريقَنا لفي أنسبِ وقتٍ وأسنَحِ فرصةٍ من أجل تحقُّقِ هذه الغاية السعيدة”.
ومن الواضح تمامًا استحالةُ أن يتحقَّق أيُّ شيءٍ إيجابيٍّ في ظلِّ التصرُّفِ بارتكاسيةٍ والتركيزِ دائمًا على الأعمال العدائيّة والوقوفِ في مواجهة الآخرين وفي ساحة الصراع، ومن هذه الناحية فإنّ من مقتضى الفِطْرةِ في هذا العصرِ الذي تتصدَّرُ فيه القِيَمُ الحضاريَّة أن يستطيعَ الإنسانُ الذي هو مخلوقٌ اجتماعيٌّ حلَّ قضاياه ومشكلاته بالحوار فقط، وثَمَّةَ حقيقةٌ دائمةُ الطَّرحِ بالنسبةِ لنا منذُ القِدَمِ، لم يكتشفها العالم إلا عقبَ انهيار “الستار الحديدي”؛ هي أنَّ الأديانَ ستكونُ صاحبةَ الكلمةِ في المستقبل، وهذا هدفٌ طبيعيٌّ يسيرُ نحوَهُ البشرُ.
والإسلامُ والمسيحيَّة في الوقت الراهن هما أكثرُ الأديان أَتْبَاعًا في العالم، كما تتمتّع البوذيّة والهندوسيّة أيضًا بِعَدَدٍ كبير من الأتباع، أما اليهودية فإنها مؤثِّرَةٌ وإن بَدَتْ صغيرةً بالنظر إلى عدد المنتسبين إليها، ولذلك فإن حوارًا يبدأُ بين هذه الأديان عند نقاط الاتّفاق أوّلًا سيُسهم إسهاماتٍ مهمّةً في تحقُّقِ بعثٍ وصُلْحٍ وسِلْمٍ عالميٍّ، وإننا لا نرتاب من قِيَمِنَا الخاصَّة، وكما أننا لا نَعرِضُ على أحدٍ الانضمامَ إلينا أثناءَ عمليّة الحوار؛ فلا يخطرَنَّ بِبَالِ أحدٍ أنْ يعرض علينا مثل ذلك؛ فقد دعا القرآن الكريم أصحاب تلك الديانات إلى الحوار قبل أربعةَ عشرَ قرنًا، إلا أنَّ العصورَ الفائتة كانت -نتيجة للزمان والظروفِ- عصورَ قتالٍ وحروب في الأكثر، أمّا مؤخّرًا فالزمان زمانُ انشراح الأذهانِ والقلوبِ، زمانُ التلاحُمِ والتواؤمِ في ظلِّ الاحترامِ والمحبَّةِ المتبادلة، ومقارنةُ الوضع ما قبل الحديبية مع العامين المنصَرِمَين بين الحديبية وفتحِ مكة تعطينا طرفَ الخيط اللازم الإمساك به في هذا الموضوع؛ فقد أطلقَ القرآنُ الكريمُ لفظَ “فتح” على صُلْحِ الحديبية، قبل فتح مكة؛ إذ أُغلقت أبوابُ الصراع بصلح الحديبية، وانفتحت أبواب القلوب، فكان هذا هو الفتح الحقيقي” .
ج. فعالياتالحوار
التقى فتح الله كُولَنْ بالبطريرك “برثلماوس” رئيسُ أساقفة إسطنبول وروما الجديدة كأوَّلِ خطوةٍ في طريق الحوار بين منتسبي الأديان، وبما يصبُّ في صَالح مبادَرَته في إجراء الحوار وإقرار التسامح في تركيا، ومما لا شكَّ فيه أن هذا اللقاء كانت له أصداءٌ عظيمةٌ، حقًّا لقد كانت كذلك؛ فقد كانت بعضُ الأوساط الرسمية والإسلامية والقوى القوميّة تنظر بعين الريبة والشكِّ دائمًا إلى بطريركية الروم بإسطنبول، وتتوجّس خيفةً من كَونِ المسيحيّةِ تتجسَّسُ في داخلها لصالح العالم الأرثوذكسي خاصّة، كما ترى أنها تمارس نوعًا من العمل السياسي، وتسعى جاهدة لتحقيق غاية معيّنةٍ كإحياء جمهورية “بونطوس الرومانية”، وكان موقف النظام الرسميّ يتطابقُ مع موقفِ كثير من المسلمين، وفي رأيي وقناعتي أنَّ النظام السياسيّ تسبَّبَ بالضرورةِ في إثارة حالةٍ نفسيّةٍ بأنَّ الأعداء يتربَّصون بنا ويطوِّقوننا من كلِّ جانب، وأننا عُرضة للاعتداء داخليًّا وخارجيًّا ومن ثَمَّ يتحتّم الدفاع والتصدِّي الدائمُ لذلك، ولم يتم تبَنِّي خطوةٍ فاعلةٍ وموقفٍ إيجابيٍّ، وهو ما أثار قلقًا بشأن لِقاء فتح الله كُولَنْ بالبطريرك برثلماوس، في حين أن هذا النوع من المباحثات يمكنه أن يحقِّقَ فوائد جمّةً وعظيمةً.
لقد فُهم لقاءُ فتح الله كُولَنْ -كمفكِّرٍ إسلاميٍّ- بالبطريرك كحادثة ستهزُّ وتُزلزلُ السيادة المطلَقَةَ “لـ”الدولة العميقة” التي جعلت -رغم ادِّعائها العلمانيّة- سياسَتَها العامَّة استخدام كل شيءٍ بما في ذلك الدِّين مادَّةً وبضاعةً تتصرَّفُ فيها كيفما تريد؛ بينما كان هذا اللقاء يتمتّع بقوَّةٍ وطاقةٍ تُمكِّنُه من أن يُصبحَ واحدةً من أهم خطوات مرحلة التحوُّلِ نحو حياةٍ مدنيّةٍ وكان من المتوقَّعِ أنْ ينعكس بقوّةٍ على سائرِ المؤسسات الأخرى في البلاد، وهذا ما فَهِمَتْهُ بعضُ الأوساط المحرومة من أيِّ هدفٍ وغاية -ولو بسيطة- تنشدُ التقدُّمَ والنموَّ، وهي لا تجد سبيلًا لإخراج البلاد من قُمقُمِها بأيَّة حالٍ كي تجعلها دولةً قويّة، بل إنَّ مثل تلك المؤسَّسات تقطعُ السبيل أمام تحقُّقِ الشفافيّة والديمقراطية، والأكثر من ذلك أنها تبني سياسَتَها الخارجيّةَ على العداء مع جيرانٍ كانوا ذاتَ يومٍ ولاياتٍ تابعةً لها، إلا أن مُعظمَ المثقّفين المسلمين وروّاد الفِكْرِ والرأي في تركيا عجزوا -مثلهم في ذلك مثل رجال الدولة- أن يفهموا الأمر على الوجه السليم.
وكان لقاء كُولَنْ وبرثلماوس مبادرةً ومحاولةً مرشَّحةً لتحقيق مكاسبَ عظيمةٍ ومميّزةٍ جدًّا لِصالح تركيا، مثلُه في ذلك مثلُ غيره من لقاءات أجراها كُولَنْ بشأن الحوار بين أتباع الديانات السماوية؛ لأن بطريركية الروم وإن كانت مؤسّسةً خاصّةً بجماعةٍ أعضاؤُها قليلون جدًّا في تركيا إلا أنها تتمتَّع بموقعٍ ومكانةٍ مُهِمَّةٍ من حيث كونُها بطريركيّة ومن حيث تأثيرُ برثلماوس ومكانته في الغرب، وكما أُشِير إليه آنفًا؛ فإن للدين مكانةً مهمّةًّ جدًّا في سياسات الغرب الداخليّة والخارجيّة، والسلطة الواعيةُ الحكيمة في بلادها هي تلك القادرة على الاستفادة من هذا التأثير والتقدير والأهمّيّة، ومبادرة فتح الله كُولَنْ الذي يُدْرِكُ جيِّدًا إلى أينَ يتَّجهُ العالم تتمتّع بطبيعةٍ من شأنها أن تفتح آفاقًا جديدةً داخليًّا وخارجيًّا أمام البلاد، وأرى أنَّ الأوساط التي تعتقد أنَّ بقاءها واستمرارَها مرهونٌ بالانغلاقِ والقمعيّة قد أوعزت إلى أتباعِها أنّ الحيلولة دون تحقُّقِ انفتاحاتٍ تَعِدُ بها مثلُ هذه المبادرات تكمنُ في اتّهام فتح الله كُولَنْ بأنه يستغلّ مثلَ تلكَ المبادراتِ ويوظِّفُها توظيفًا شخصيًّا لِطرحِ نفسِه ونَشرِ تأثيره في الساحة العالمية.
إن لقاءات فتح الله كُولَنْ واتصالاته لأجلِ إجراءِ الحوار بين أتباع الأديان بإمكانها أن تُكَوِّنَ نافذةً ومخرجًا لانفتاحٍ مهمٍّ بالنِّسبةِ للمسلمين المُعرّضِينَ دومًا للضغوط والهجوم والعدوان سواءً في تركيا أو في غيرها من بلاد الجغرافية الإسلامية، بل بالنسبة للإسلام الذي يُقدَّمُ على خِلافِ حقيقتِه، والذي كُوِّنت له صورةٌ مدعومةٌ في الغالب باستغلالِ تصرُّفات بعضِ أدعيائه وسلوكيّاتهم الخاطئة، وبهذا الشكل يتمكَّنُ الإسلام -ولو بواسطة إنسانٍ واحدٍ يتمتَّعُ بتقدير الرأي العام- من الانفتاح حتى خارج حدودِه التاريخيّة بعيدًا عن الأنظمة المسيئة إليه، وبصورة مدنيّةٍ تمامًا، والحقيقة أن هناك منتدَيات ولقاءاتٍ وفعاليات تُنَظَّمُ باسم الحوار بين الأديان في كثيرٍ جدًّا من أنحاء العالم، وهذه المسيرة تعمل بما تتلقَّاهُ من دعمٍ على مستوًى عالمي، ومن الجديرِ التفكيرُ على الأقلِّ في الأشياء التي كانت تُفعلُ باسم الإسلام والأضرارِ التي لحقته في مسيرةٍ ومرحلةٍ أُقصي فيها دونَ أن يُسمحَ بأدنى نصيبٍ من المشاركة لأبناءِ أمَّةٍ مثّلَتْهُ أيَّما تمثيلٍ طيلةَ قرون عديدة، وفي حين يجب التأكيد على عالمية الإسلام من جانب؛ فإنه من الضروري أيضًا الوقوف بصورةٍ خاصَّةٍ على ما يعنيه حصرُه في إطار ضيِّقٍ وفي شعبٍ أو شعبين؛ فحين يُذكر الإسلام نجد العالَمَ الغربيَّ يراه دينًا يُمثّلُه العالم العربيّ وبعضُ المنظَّمات في أسفل القارَّةِ الهنديّة أو إيران، وطالبان مؤخّرًا، بينما إن قُدّم الإسلامُ تقديمًا جيِّدًا ومُثِّل تمثيلًا حقيقيًّا فإنّه يستطيع أن يفتحَ لنفسه ساحاتٍ ومجالاتٍ مهمّة جدًّا في الغرب، حتى في ظلِّ الظروف المعاصرة، وبينما نذكر ذلك نريد أن نبيِّنَ بصفةٍ خاصَّةٍ أن الإسلام لا علاقة له أصلًا بالتمييز بين الأمم بسبب اللون والعرق، ومن هنا فإننا لا نُـحَـقِّــرُ أحدًا، كما أنَّ إثارة عداوةٍ بين العرب والعَجَم، والتمييزَ بين التركي والعربي والباكستاني والأفغاني وإثارةَ مشاعرَ سلبية تجاه شعوب مسلمة أخرى أمر خاطئُ وخطرٌ عظيم يرفضه الإسلام رفضًا تامًّا، ويجب ألا ننسى أنه من صنيع أعداء الإسلام وتخطيطهم، ذلك أن الفهمَ المتناميَ في تركيا والذي يُدْرِكُ ويعي معنى الإسلامِ كما ينبغي سيُغَيِّرُ من الصورة المُغرِضةِ المرسومة للإسلام في العالم، وسيُقدِّمه في الظروفِ المعاصِرة على أفضلٍ نحوٍ وعلى صورةٍ توافق أصالَتَهُ وحقيقَتَه، ويبدو أن العالم الغربيَّ لا يدري شيئًا عن هذا، وإنّ مِنْ أهمِّ طُرُقِ تجاوزِ أسباب الفتنة والفرقةِ الخطيرة فيما بين المسلمين هو توجههم إلى الخارج، وانفتاحهم عليه، ومن ثمّ فإن الحوار مع العالم الخارجي مَنفذٌ مُهِمٌّ من منافذ هذا التوجُّه المُقتَرَح، وقد تنزعج من حوارٍ على هذا النحوِ القوى المركزيّةُ الدوليّةُ والمحليّةُ المتحجِّرة الرافضة للتغيير وانفتاح المسلمين والبلاد الإسلامية نحو الخارج بل وفيما بينهم عبر الحوار، أو قد ينزعج من ذلك المسلمون الشاكُّون في اعتقادهم الشخصيّ وارتباطهم بالإسلام المنغلقون على أنفسهم الذين لا يمارسون نشاطات تهدف إلى خدمة الداخل، الظانُّون أن الاكتفاء بما هو موجود خدمةٌ للإسلام، أو الأوساطُ التي لا تسعى للانفتاح والتطوُّر لصالح الإسلام والبلاد، أو تلك التي ترى أن تقدُّمًا وتطوُّرًا كهذا خَطَرٌ يُهَدِّدُ وضعَها ومصالِحَها المادِّيَّة والمعنويّة.
فبينما كان كُولَنْ يتباحثُ مع برثلماوس طالبَ الأخيرُ بإعادةِ فتح مدرسة الرهبان في جزيرة “هَيبَلي أضه” (Heybeliada)”، وفي المقابل اقترح عليه كُولَنْ أن يستخدم نفوذَهُ لدى الحكومة اليونانية من أجل إنشاء مدرسة تركيّة في “سلانيك”، فبماذا سيفيد تركيا افتتاح مدرسة الرهبان هذه؟ وماذا سيكلِّفها؟ هذه مسألةٌ أخرى يمكن مناقشتها على نحوٍ مستقلّ، إن تركيا تعتقد أن غاية البطريرك الرئيسة من إعادة افتتاح مدرسة الرهبان هذه هي إرسال رجال الدِّين الذين سيتخرَّجون منها إلى مختَلف الدول، فتقوِّي بهذه الطريقة نفسَها في مواجهة بطريركية “موسكو”، كما تُكسب البَطرِيركية سيادةً وهيمنةً سياسيةً، هذا الاعتقاد موجود في حين أن بارثلماوس يُعامَل في الأساس وكأنه بَطرِيَرك بَطرِيَركية ذات سيادةٍ سياسيّةٍ عالميًّا، لدرجة أنه يلتقي بالرئيس الأمريكي دون أي عَناءٍ أو مشقّة، وينبغي على الإدارة التركية أن تُفكِّرَ بجدِّيَّة فيما يتعلّق بهذا الموضوع، وتقيّمه من جديد ولا سيّما في ضوء ممارسات وتطبيقات السلطان محمد الفاتح ومن لَحِقَه من العثمانيين، وتتأمَّل الفوائدَ التي قد تتسبَّب في تحقُّقها مكانة البَطرِيرك في بلادهم، وطبيعي أنه ليس من السهل الإجابة حاليًّا عن هذا كله؛ فبعض المراكز المهمّة في الدولةِ -وليسَ كلّها- قد توهَّمت من تلقاء نفسها مجموعةً من الأضرار والمخاطِر غير الحقيقيّة.
ثم إن رئاسة الشؤون الدينية عُيّنت وكُلّفت لإجراء الحوار بين الأديان تصدِّيًا للتطوُّرات الأخيرة، ولنترك للسنوات القادمة خاصَّةً حساب الفوائد والأضرار التي دَرّها أو سَيُدِرُّها الحوار على تركيا، وليَقُمْ بذلك نفسُ الأشخاصِ الذين تحاملوا على الأستاذ فتح الله بسبب فعاليات الحوار التي أطلقها.
د. لقاءالفاتيكانالتاريخي
بعد أن التقى فتح الله كُولَنْ مع برثلماوس بَطرِيَرك الروم التقى في صيف عام (1997م) بالزعماء الدينيين للطائفة الأرمنية والسريانية القديمة والطائفة اليهودية، والتقى كذلك بالأستاذ الدكتور “سيدني غريفث (SidneyGriffith)” رئيس قسم الدراسات المسيحية الشرقية بالجامعة الأمريكية الكاثوليكية في أمريكا صيف (1997م)، والكاردينال “أو كوننور (O’Connor)” أرشيدوق الكاثوليكية الرومانية ورئيس أساقفة نيويورك ومساعده “أليكس (Alex)”، وتبادل معهم أفكاره وأفكارهم.
وقد أجرى فتح الله كُولَنْ أهمَّ لقاءٍ في إطار حركة الحوار بين أتباع الأديان مع البابا “جون باول الثاني (JohnPaul)”؛ ففي هذا اللقاء الذي أُجري بالفاتيكان في التاسع من فبراير عام (1998م) ووُضِعَت أُسُسُه مسبقًا بلقاء “الكردينال أُوكونور” في أمريكا، وبمساهمة فاعلة ومهمة من “بير لويغي جالاتا (PierLuigiCelata)” سفير الفاتيكان لدى أنقرة و”جورج ماروفيتش (GeorgesMarovitch)” ممثل الفاتيكان بإسطنبول، وبِعِلْمِ كبار مسؤولي الجمهورية التركية بل وفي إطار إذنهم بذلك، ودعمٍ مهمٍّ من “ألطان كُووَنْ (AltanGüven)” سفير تركيا لدى الفاتيكان، بل وبناءً على دعوةٍ شخصيّةٍ من البابا اقترح فتحُ الله كُولَن على البابا بعد مراسم الترحاب والاحترام ما يأتي:
القيام بزيارة مشتركة هذا العام إلى الأماكن المقدسة لديهم مثل: “أفس (Efes)” و”أنطاكيا (Antakya)” و”طرسوس (Tarsus)” والقدس بمناسبة دخول المسيحية في الألفية الثالثة من عمرها.
إعلان القدس منطقة عالمية يستطيع المسلمون والمسيحيون واليهود زيارتها بِـحُــرِّيَّــــةٍ تامَّةٍ ودون أيَّةِ قيود، بل ودون الحصول على أيَّة تأشيرات.
تنظيم مؤتمر دولي بالتعاون بين أتباع الديانات الثلاث الكبرى يُعقد في عواصم مختلفة من العالم على أن يعقد الأوَّلُ في أمريكا.
إنشاء جامعة مستقلّة في مدينة “حرّان (Harran)” -التابعة لمحافظة “أُورْفَة” التركية- توفر احتياجات الديانات الثلاث الكبرى، وتفعيل التبادل الطلابي بين العالمين: الإسلامي والمسيحي.
وقد تقبَّل الإعلام وقطاعات المجتمع زيارةَ كُولَنْ واقتراحاته هذه بنوعٍ من الترحاب باستثناء المجموعتين اللتين تحدثنا عنهما سابقًا، والمتناقضتين في الأساس إلا في معارضة فعاليات فتح الله كُولَنْ وأنشطته، ففي صحيفة “المساء (Akşam)” كتب “أحمد تَزْجَانْ (AhmetTezcan)” عن هذا اللقاء التاريخيّ وعن اقتراحات كُولَنْ أثناءه فقال مُقيِّمًا الموقف:
“ليت هذه الاقتراحات تتحقّق؛ فيتعزَّز الحوار بين الديانات الثلاث ويتقوّى بالتعاون، ويُوأَدُ التعصُّب في إطار هذا التعاون المحكم، كما أن تركيا تصبح نقطةَ تمركُزِ الأديان في العالم بأسره، ولا سيما أنّ مشروع تحويل حرّان إلى قاعدة علمية للديانات الثلاث الكبرى اقتراحٌ رائعٌ لما سيُحَقِّقه من سِلْمٍ عالميّ؛ فإنه يتغلّب على الأزمات التي نعيشها في الجنوب الشرقي من البلاد، ويُمَهِّدُ الطريقَ لتخفيفِ الجراح بـ”شفقة مباركة”، وينبغي دعمه ومساندته حتى النهاية”.
أما “أحمد طُورَانْ أَلْقَانْ (AhmetTuranAlkan)” في صحيفة “زمان” التركية فيُعلِّق على الأمر تعليقا مهمًّا قائلًا:
“هل يمكن أن نتخيل إنسانًا مُنصفًا لا يشعر بالحماس لفكرة جامعة “حرّان” التي اقترحها الأستاذُ في هذا اللقاء؟ أغمضوا أعينكم الآن، وتخيلوا أن جامعةً كهذه قد تأسَّسَتْ، وشَرَعَتْ تُدرِّسُ مقرَّراتٍ جيّدةً من مرحلة الليسانس إلى مراحل ما بعد الدكتوراه، وأنَّ الطلاب وأعضاء هيئة التدريس المسلمين والمسيحيّين واليهود يتبادلون التحيّة فيما بينهم، ويتحاورون في مودة داخل قاعات الدروس وفي حدائق الجامعة وطرقاتها وقوفًا أو جلوسًا، وأن الطلاب يشاركون عبر نظام التبادل الطلابي -كزائرين- في الدروس والمحاضرات، وأنَّ هناك مؤتمراتٍ علميّةً سنويَّةً تُنَظَّم بِصفةٍ فرديّة أو بالمشاركة والتعاون، وأن هذه المؤسّسة التعليميّة جذبت الطلاب من كل أنحاء العالم، فضلًا عن أن ذلك يتحقّق في حرّان في قلب جغرافيا الخير والجمال وطنِ المِلَّةِ والتقاليد الإبراهيمية؛ وناهيكم عن تحولها من خيالٍ خاطفٍ إلى واقعٍ ملموسٍ، أليس مجرَّد تصوُّرِها وتخيُّلها بشارة إبراهيمية؟ وإن تشكلت هذه الجامعة ذات يوم أليست تسميتُها باسم “جامعة سيدنا إبراهيم” تُخلِّدُ تلك الروح العظيمة…
آملُ أن يُشكِّلَ هذا اللقاء بدايةً لنشأةِ مناخٍ من التفاهم الدائم الثابت؛ وكما قال المرحوم الشيخ سعدي: فإنَّ البشرَ بعضهم أعضاء بعض، وسوف يستوعبُ البشريَّةَ جمعاءَ ذلك اليومُ الذي سنحاسَبُ فيه جميعًا”، لقد نسينا منذ زمن طويلٍ الأحلامَ العظيمة؛ إننا لمدينون بالتقدير والشكر لمن يفتحون أمامنا أبعادًا ومشاعر عالمية في خضمِّ تلاطُمِ أمواجِ الأمور العاديَّةِ البسيطةِ المطوِّقة أفكارنا وأفقنا”.
ويقول “هادي أُولُو أَنْغِينْ (HadiUluengin)”:
إن فتح الله كُولَنْ -في فترةٍ راجت فيها نظريَّة صراع الحضارات والخوفُ من الخطرِ الإسلامي- قد أوصلَ البحثَ عن التسامح والحوار إلى أعلى المستويات بلقائِهِ البابا”.
ويرى فعاليات فتح الله كُولَنْ لأجل التسامح والحوار إلى جانب المدارس التركية المنفتحة على العالم نتيجةً إيجابيَّةً وصائبةً تمامًا، ويؤكِّد على أنَّها تُخمد فتنةَ الاستقطاب الداخلي في تركيا، وتُشَكِّلُ مُحَرِّكَ الحوار والتسامح داخلَ الكتل والتجمُّعات الملتزمة دينيًّا على حدٍّ سواء، في حين يُقَدِّمُ “أولو أنغين” معارضي هذه الفعاليات على النحو الآتي:
“أما القطبُ المعارض لمثل هذا النوع من دعوات السلم والحوار فإنه يُؤوي الدينيّين المتشددين من جانب، والمتسلطين من جانب آخر، وهنا يتّحِدُ الإِخْوَةُ الأعداءُ، علاوةً على أن استخدامَ بعض الفئات المشهورة فاشيَّتهم الجامحة المعروفة للجميع، واستغلالَهم الأعمالَ التحريضيةَ العميلةَ كمأجورين في تنفيذ اعتداءات دنيئةٍ يُشكِّلُ إثباتًا ودليلًا آخر على أنَّ كُولَنْ ومحبِّيه يسيرون في الطريق الصحيح” .
وقد جاءت أهمُّ التحليلات والتقييمات بشأن لقاء فتح الله كُولَنْ والبابا وأكثرها تعبيرًا ومعنى على لسان الأستاذ الدكتور “سيدني غريفث (SidneyGriffith)” رئيس قسم الدراسات المسيحية الشرقية بالجامعة الكاثوليكية بواشنطن؛ إذ يقول:
“المقصد في الحوار هو أن يكون وسيلةً ليتعرَّفَ المسيحيُّون جيّدًا على حقيقة الإسلام التي يجهلونها”.
ويقف على بضع نقاط مهمَّةٍ بشأن الإسلام والصورة التي يُعرَف بها في العالم فيقول:
الإسلام اليوم يُدرسُ في جامعات الغرب في أقسام الجامعات للعلوم السياسيّة أو العلاقات الدولية في الأكثر؛ فيُنظَرُ إليه من الجانب السياسي أي بعين المستشرِق؛ إذ لم يُدرس الإسلام في كليات الإلهيات كدينٍ؛ ولذا أرى أن المشكلة تبدأ من هنا” .
وفي حين أن السياسي “حسام الدين جِينْدُورُوقْ (HüsamettinCindoruk)” ينتقدُ مواقف الأوساط المعارضة للقاء فتح الله كُولَنْ مع البابا ويُفنِّدها ردًّا منه على السؤال المغرض لـ”كمال ياووز (KemalYavuz)” القائل: بأي صفةٍ وتمثيلًا لِمَنْ ذهبَ الأستاذ فتح الله إلى الفاتيكان؟ ولماذا استقبله السفير؟… يقول:
“يبدو أن البابا شعر بأنه لا تلزمه قراراتُ الثامن والعشرين من فبراير/شباط!” .
وإذ بــ”آيْهَانْ قَاطِيرْجِي قَارَا (AyhanKatırcıkara)” يلفت الانتباه إلى النقطة نفسِها في صحيفة تركيا هكذا:
“التقى فتح الله كُولَنْ بالبابا “جون باول الثاني” فكانت فرصةً سانحةً لِشَنِّ هجومٍ جديدٍ عليه؛ شيخٌ يُصبح عالَميًّا، يُسمع كلامُه ويحظى بالاهتمام، هل يُعْقَل هذا؟!”.
إن فتح الله كُولَنْ لا يخدم الإنسان التركيَّ فحسب، بل الإنسانَ أينما يكون، ويحمل إليه السلام، ويهديه التسامح؛ على الرغم من أنه لا يملك من متاع الدنيا شيئًا على الإطلاق، وما يقع على عاتق العلمانيّين الآن هو تفعيلهم المؤسّسات التي ربما يستطيعون تأسيسها كبديلٍ للمؤسّسات التي ينتقدون إمكانيّاتها في أداء الوظيفة المنوطة بها، وهذا الأمر يتحقّق بالتضحية والعطاء، لا بالأخذِ والتَّكَسُّبِ” .
وعقب هذه النقاشات كلِّها يوضّح الأستاذ الدكتور “سعاد يِيلْدِرِمْ” المسألةَ بشكلٍ أكثر من نقاط مختلفة عبر مقالٍ مطوَّلٍ يمكن القول إنه يضع به النقاطَ على الحروف، إذ يقدِّم في مقالِهِ هذا القرنَ العشرينَ بسماتِهِ البارزة كاندلاع الحروب العالمية فيه، وانفجار القنبلة النووية، وتحوُّلِ عصرِ الصناعة إلى عصر المعلومات، وفي هذا العصر الذي شَهِدَ تطوُّراتٍ عملاقةً في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي عالمٍ على هذا النحو يستحيل أن تظلَّ المجتمعات والأفراد منفصلةً عن بعضها لا تأبهُ بما يحدث، وأن القِيَمَ التي لا تتطوَّرُ وتتحدَّثُ في المجال الفكري الوفير الإنتاج، والعاجزةَ عن تقديم نفسِها بالتجدّد الدائم كما هو الحال في المجال المادِّيّ تَضْمُرُ على الفور، وتبقى في مؤخّرةِ الرَّكبِ إلى أن تُلقَى في مزبلةِ التاريخ، وهذا تحريرٌ واستنتاجٌ في غاية الأهمّيّة.
بعد ذلك يتوصل الأستاذ “سعاد يِيلْدِرِمْ” إلى ثلاث نتائجَ ونقاطٍ مهمّة هي:
1- أنَّ العالم الإسلاميَّ المعاصر ضعيفٌ في مواجهة العالم الغربيِّ سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، وإن رغب في استخدام القوَّةِ فليس هو في وضعٍ يُمَكِّنُهُ من استخدامها.
2- لقد تبيَّن تمامًا وفي غاية الوضوحِ أنه يستحيل لأيِّ دينٍ أن يمحوَ غيرَهُ من على وجهِ الدنيا، وأتباعُ الأديان مطالَبون بالتعايُشِ وتبادُلِ الاحترام من أجل عالَمٍ آمنٍ هادئ.
3- دعا الإسلام في أول ظهوره المسيحيِّين واليهودَ الذين وصفهم بأنهم أهلُ كتابٍ إلى حوارٍ عالميٍّ، غير أن هذه الدعوة لم تلقَ آذانًا صاغيةً وبالتالي فلم تتحقّق الإجابةُ مدَّةً تزيد على ثلاثة عشرَ قرنًا، بل حدثَ العكسُ؛ إذ رُسِمت للإسلام في الغربِ في تلك الفترة صورةٌ منافيةٌ تمامًا لحقيقتِهِ، واختلق العديد من الافتراءات ضدَّ سيدنا رسول الله ، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية بدأت تبحث -لأسباب ما- عن الحوار بدءًا من عام (1960م).
ويوضِّح “سعاد يِيلْدِرِمْ” أن المسلمين تردَّدوا أوَّلًا في تلبية دعوة الحوار التي أطلقَتْها كنيسةُ روما الكاثوليكية لأسباب ربما يكونون محقِّين فيها من وجهة نظرهم أنفسهم، وأن إجابة هذه الدعوة بدأت تَرِدُ مؤخَّرًا من قِبَلِ المسلمين باستثناء تركيا، غير أنه يُؤَكِّدُ أنَّ هذه الإجابات ظَلَّتْ تُمثِّلُ إسهاماتٍ من الدرجة الثانية فحسب أمام الكنيسة الراغبة في أن يكون الحوار في إطار مبادرتها وقد أَعَدَّت الدراساتِ اللازمة لهذا الأمر، ويلفتُ الانتباه إلى أن تركيا بمسلميها لم تنخرط في هذه العملية وتشارك فيها، في حين أن دعوة للحوار كانت تنتشر في العالم؛ فكانت هذه العملية تتقدَّمُ بزعامة الكنيسة، وتضطلع المجموعات المسلمة خارج تركيا بدورٍ فيها من الدرجة الثانية والثالثة، ولذلك فإن السيد “سعاد يِيلْدِرِمْ” يرى أن من الضرورة الحتميَّةِ بالنسبة للإسلام وتركيا على حدٍّ سواء مساهمةَ مسلمي تركيا في هذا الحوار بسماتهم التاريخية الخاصّة بهم وبما يمتلكونه من طاقةٍ كامنةٍ لِيكون لهم نصيبٌ بشكلٍ فاعلٍ وقويٍّ..
بعد ذلك يرُدُّ الدكتور “سعاد يِيلْدِرِمْ” على ما وُجِّه داخل تركيا من انتقادات للقاء كُولَنْ والبابا، ويتطرَّقُ في نهايةِ مقالَتِهِ إلى طبيعة الحوار وكُنْهِهِ قائلًا:
“إن الموقفَ الذي يعصف بالمباحثات منذ البداية وينافي روح الحوار هو رغبة كُلِّ طرف في استقطاب الآخر وإدخاله في دينه هو، في حين أن الحوار يعني أن يُحدِّثَ كلُّ واحدٍ من الطرفين الآخرَ عن نفسه، وأن يرى أن الطرف الآخر قد فَهِمَهُ، ونتيجة لذلك يَخلُصُ الطرفان إلى القِيَمِ المشتركة بينهما، ويسعيان لتطويرها وتعزيزها.
وثمة تناقضٌ آخر هو أن التفكير بأن: “الغرب تفسَّخَ وتحلَّلَ، ويريد الآن أن يُفْسِدَنا ويُـخَــرِّبــنا” أمرٌ في غير محلِّهِ، وهناك قسمٌ من المسيحيّين ربّما يعتقدون أنهم قد يحُلُّونَ عبر حوارهم مع المسلمين مجموعةً من المشكلات في بلادهم ويعالجونها بفضل تأثيرات إيجابيّة تقع عليهم من جانب المسلمين، والبعض من أمثال “أوليفر لاكومب (OlivierLacomb)” و”ميشيل ليلجون (MichelLelong)” و”م. وات (M. Watt)” رأوا أنَّ الغرب الذي صار علمانيًّا مادّيًّا غارقًا في المادة أبصرَ قوَّة الإيمان والتسليم لدى المسلمين، وهؤلاءِ يُعَبِّرونَ صراحةً عن قناعتهم بأنهم سيتوجّهون إلى الدِّين ويرجعون إليه، وقد فتح القرآن الكريم بابَ الحوار والحديث مع أهل الكتاب، وكان العالم المسيحيُّ في أكثره مُنغلِقًا دون الحوار عبر الزمان، وكان ينبغي للمسلمين ألا يتركوا دعوات الباباوية و”مجلس الكنائس العالمي” دون أن يُلبُّوها؛ فهناك الكثير من المجالات والساحات يتعاون فيها أتباع كِلا الدينين وروّادهما دون أن يُفسِدَ أحدٌ على الآخرِ دينَهُ الذي يَعُدُّهُ كنزًا وذخرًا له؛ ولذلك فإن لقاء فتح الله كُولَنْ مع بابا الفاتيكان حادثةٌ طيّبةٌ وسعيدة” .

مقدمة الكتاب