يرى كولن أن «من يتطلعون إلى مستقبل فاجع للعالم وصراع بين الحضارات هم أفراد أو جماعات عجزت عن فرض تصورها للعالم على الناس، وتأمل في أن تؤدي الخصومات والعداوات العالمية إلى استمرار قوتها في العالم.

دعاية ضد الإسلام

والمؤسف أن كثيرًا من تلك الجماعات المضلَّلة ساسة ورجال دولة من المستويات كافّة، وتسمي أشكال العنف والإرهاب كلها «جهادًا»، وتطلق على المسلمين المتدينين المحبين للسلام صفة «الإسلاميين» أو «الجهاديين» أو «الأصوليين»، وإنما تمكن الغرب من استخدام تلك الدعاية ضد الإسلام لأن له اليد العليا في التكنولوجيا والإعلام، ويُعَد احتكار كثير من الغربيين اليوم لاستعمال التكنولوجيا الحديثة في أغراض تدميرية أمرًا خطيرًا على وجود العالم وبقائه؛ دعك من محاربة هذا الخطر بطرق ووسائل عنيفة، وإليك كيف يحاول كولن الحدّ من هذا النزاع بالحوار، فيرفض فكرة «صراع الحضارات» المصطنعة في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية، وإن اعتقد كثيرون أنه مفهوم يدور حول حدوث صراع أو صدام بين الحضارات في الغرب ونشأ نتيجة لأفكار دينية عن أصل ظهور البشر في الأرض، وجاء في تحليل مقارن لبولوك:

منهج الإسلام في السياسة والاقتصاد ضد الحروب الوحشية المفرطة غير المتكافئة، وهذا جعل كثيرين يطلقون على الإسلام وصف «دين التآلف والسلام والعدل».

“ليس في الإسلام أي شيء منكر أو كريه في الجسد وشهواته، فالمرأة وإن شاركت في الخطيئة لم تعد مسؤولة عن الخروج من الجنة بل حُمِّل آدم المسؤولية، فليس في الإسلام خطيئة أصلية، وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام -خلافًا للمسيحية التي تقدس مبدأ ذكورية صورة «الله الأب» ويسوع «الله الابن»، وللديانات التي تؤمن بالإلهة وتقدس مبدأ الصورة الأنثوية لله- لا يؤمن بمبدأ الذكورية أو الأنثوية للذات الإلهية، فالله في الإسلام لم يَلِد ولم يولَد.

التطرف في الفهم لا دين له

هذا أساس خلاف المسلمين والمسيحيين في قضايا الدين والحضارة، وانبثقت كثير من المذاهب المسيحية مثل الكنيسة التوحيدية العالمية وحركة الكويكرز أو الأصدقاء وغيرها من هذه الخلافات ذات الأصول المحدودة مع المسلمين، وكحال كثير من المسيحيين المتشددين وقع كثير من المسلمين الرجعيين أسرى لتلك المعركة الأيديولوجية التي لا تنتهي حول قضايا الحضارة، وغدا النزاع فيها بطشًا عسكريًّا من القوى العظمى على الشعوب الأصغر والأضعف، أما منهج الإسلام في السياسة والاقتصاد فهو ضد تلك الحروب الوحشية المفرطة غير المتكافئة، وهذا جعل كثيرين يطلقون على الإسلام وصف «دين التآلف والسلام والعدل»؛ وهو “دين الفطرة، وهذا المفهوم أوسع بكثير من ذاك الوصف؛ وقد أمر الله المسلمين بوضوح أن يأخذوا حذرهم في أقوالهم وأفعالهم خاصة في أمر الحرب أو العنف:

يرفض كولن فكرة «صراع الحضارات» المصطنعة في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية.

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (الأعراف: 156/ 157)

المسلمون وأساس العلوم الحديثة

ويوم كان العالم الإسلامي الأكثر قوة وتقدمًا في العالم خاصة بين القرن الثامن وعصر النهضة قدم المسلمون طويلًا إسهامات جليلة في مجالات العلوم والتكنولوجيا كلها، بل تعاونوا مع خصومهم وأعدائهم في نشر بيئات تعليمية وتربوية ملائمة أخلاقيًّا لكشف ما في كتاب الكون من ألغاز وأسرار مترسخة متغلغلة، لكن النخبة الإسلامية الحاكمة -وهي تستخدم المعرفة العلمية في النهوض بالبشرية كلها وتربية الآخرين- لطالما أهملت مسؤولياتها تجاه شعبها، ولولا هذا لما أمكن بتلك السهولة استغلال ما قدمه المسلمون للغرب من معارف وخبرات ضد مصالح المسلمين أنفسهم، ويضحك كثير من الغربيين اليوم حينما يقول المسلمون: إن علماءهم وضعوا أساس العلوم الحديثة التي بني عليها عالم التكنولوجيا الحديثة.

قدم المسلمون إسهامات جليلة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، وتعاونوا مع خصومهم في نشر بيئات تعليمية وتربوية ملائمة أخلاقيًّا لكشف ما في كتاب الكون من ألغاز وأسرار.

“إن انتصار المسلمين في غرب الصين في القرن الثامن مكنهم من الاستفادة من تكنولوجيا الصين يومئذ مثل صناعة الورق التي نقلوها إلى العالم الإسلامي كله، ومنه إلى أسبانيا [الأندلس]، ثم إلى باقي أنحاء أوروبا، وغدا هذا الاكتشاف ثورة هائلة أدت إلى انتشار المعرفة ودمقرطة عملية التعلم.

واستمر تدفق انتشار المعارف من الأقطار الإسلامية إلى باقي أنحاء العالم بأشكال شتى نحو ألف سنة، حتى عصر هيمنة الاحتلال على الشعوب الإسلامية حديثًا، فجاءت آثاره البشعة على الشعوب الإسلامية عبر الطرق المدمِّرة المكتشفة حديثًا من السياسة الدولية والدبلوماسية والتكنولوجيا؛ فحاولت عدة شعوب إسلامية أن تُعيق انتشار الخبرات والتكنولوجيا العلمية الحديثة في بلادها لحمايتها من الانحلال الخلقي الغربي ومن نظم تعليمية غربية لا أخلاقية في ظل سياسات متطرفة علمانية أو معادية للدين.

المعرفة العلمية والقيم الأخلاقية

وتعرَّت المعرفة العلمية والتكنولوجية من أي التزام في القيم والأخلاق العالمية، ولم تكن القوى الإمبريالية الغربية لتشن حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين بدون الإمكانات التكنولوجية التي ملكتها، ومنذئذ استمر البطش والوحشية في العالم الثالث والدول التي يسكنها المسلمون.

يُعَد احتكار كثير من الغربيين اليوم لاستعمال التكنولوجيا الحديثة في أغراض تدميرية أمرًا خطيرًا على وجود العالم وبقائه.

في عالم العولمة اليوم سهُل الاتصال بيننا خلافًا لما مضى، فصار أفضل أمل للبشرية هو تبني فكرة إيجاد عالم من السلام والتفاهم ينبذ أي اعتداءات قائمة على القوة، ويعزز حوار الحضارات؛ ومن المأمول أن تمثل الشعوب الإسلامية كلها قوة كبرى لردع الأعمال الإرهابية بأشكالها كافة في أنحاء العالم، وأن تتقدم القوى الغربية بإيقاف كل حروب العدوان على الشعوب الصغيرة، وحينئذ سنسمع صوت المثل العليا التي ينادي بها كولن يدوّي عاليًا في كلّ ركن من أركان هذا العالم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: فتح الله كولن الرؤية والتأثير تجربة فاعلة في المجتمع المدني، مايمول أحسن خان، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015م، صـ198/ 199/ 200/ 201.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف محرر الموقع.