أتحدث اليوم عن المفكر فتح الله جولن مؤسس حركة الخدمة التي تنتشر في بقاع المعمورة كافة.. ولعلي أتوجه إلى طلابه، لأهنئهم بما نالوه من ذخيرة علمية ودينية وروحانية بقربهم من العلامة الكبير.. فهنيئا لهم .. فأنتم ثلة من أبطال القلوب وفدائيي المحبة وعشاق العلم وناشري رسالة نبيلة هي رسالة إعمال العقل.

وربما أسرد على الطلاب بعض مناقب الأستاذ وكلهم مدركين لها قبلي.. ولكني ربما أغوص فيما قاله الآخرون عن المفكر جولن الذي بدأ حياته بتعريف أهمية القراءة لأنها توسع مدارك الإنسان وتحلق به في فضاءات فسيحة لتجود علينا بعلم غزير وأفكار خلاقة لما يجب أن يكون عليه أي مجتمع راق ومتحضر..
وأبدأ بما قاله الدكتور جون باول في كتابه الرائع “فتح الله كولن.. حياة في الخدمة.. لماذا يحظى عالم مسلم مقيم في بنسلفانيا باهتمام العالم” إن الأستاذ عندما نشر مدارس الخدمة في أفريقيا.. لم تكن قاصرة على المسلمين هناك، بل كان أغلبية الطلبة من المسيحيين.. ما يعني انتفاء فكرة التحيز عن حركة الخدمة.
مثال آخر ضربه باول في الكتاب عن نبذ المفكر جولن للعنصرية بل مقتها.. فعندما افتتح مدارس الخدمة في منطقة كردستان العراق تعرض لاتهام بأنه يستغل مدارسه كهيئات دعاية للأيديولوجية التركية.. ولكن الأستاذ رد على هذا بقوله: “تهدف حركة الخدمة إلى الالتزام الأخلاقي وبناء السلام والحفاظ عليه.. وتوفير تعليم على مستوى عال يوازي المستوي العالمي… للحاق بركب العالم المتقدم في ظل احترام الأعراف المحلية.. كل ما يهمنا هو بناء حوار وتوافق وتمهيد الطريق للابتكارات العلمية والتكنولوجية وتعزيز السلام العالمي.

يدافع الدكتور جون باول في كتابه عن كل الاتهامات التي تعرضت لها الخدمة، فهو يوثق كيف كانت مدارس الخدمة تلتزم بالشفافية مع كل منطقة تعمل بها.. ليس هذا فقط.

ويقول الكاتب: “كان جولن يدعو في الحقيقة إلى السلم ونبذ الإرهاب، بل كان يعتبر التعليم هو البديل الحقيقي للعنف وسفك الدماء في أي منطقة”.
وينقل عن الأستاذ قوله: “علينا أن نبني للمستقبل ونترك آلام الماضي وراءنا.. كما يجب علينا أيضا الامتناع عن المشاركة في أي نوع من أنواع الصراع والقتال أو التحريض علي أسس عرقية أو طائفية… وعلى الناس أن يحرصوا على عدم تأجيج الكراهية واستفزاز الأيديولوجيات المختلفة.. ويجب منح فرصة للتضامن والعمل الخيري والجماعي على قواعد ثقافية واقتصادية.

فالتعليم في مدارس الخدمة كما رآه الأستاذ والمعلم والمفكر جولن استهدف توليد القيم الاجتماعية التي تمنع الصراعات المادية.
حقا.. يا له من عطاء وسمو فكر، أن يدعو المفكر جولن الأتراك الذين يعيشون في أوروبا على السعي لتحقيق الاندماج الكامل في البلدان المضيفة.. مع الحفاظ على ممارسة شعائرهم الدينية.. وأن يكونوا جسرا لنقل الثراء الثقافي والديني إلى المجتمع الأوروبي
وفي إطار الصفات التي عددها الدكتور جون باول عن الأستاذ، قال إن المعلم جولن دعا إلى التراحم لأنها خلق وطريق السلام ودليل على مجتمع متحضر.. وينقل عنه قوله: “يمكن للشعب أن يحلم بمستقبل مشرق.. وأن خلاص المجمع ككل يتحقق عن طريق ضمائر حرة وإزالة العراقيل من أمام الديمقراطية.. ويمكن للرحمة وحدها أن تنقذنا جميعا”.
ومن هنا كانت دعوة الأستاذ إلى التراحم وسيلته في خلاص المجتمع معتمدا على نوع مختلف من القوة أكثر من القوة المطلقة.. وأن إحياء القيم التي دُمرت في قلوب أفراد المجتمع تأتي من خلال الشعور بأهمية الأخذ بيد الآخرين.. ما يعني أن قدرة الفرد على ممارسة رحمة الله التي تربط بين السلوك الشخصي وسعادة المجتمع هي ما تجعلنا نضع في الاعتبار دوما أن حياة المرء هدفها الارتقاء بالآخرين بعيدا عن المصلحة الشخصية.
كما رسخ المفكر جولن في طلابه دور حقوق الإنسان في الدين الإسلامي وأن العمل على إقامة السلام هو إعلاء لرحمة الله في الدنيا وكذلك في الآخرة.
كما رسخ الأستاذ في طلابه أن السعادة ليس بما ننفقه أو نجمعه من أموال.. ولكن السعادة هي ما تحمله أنفسنا من طمأنينة وأمان واستقرار ورحمة فيما بيننا.. هذه هي أسس حركة الخدمة كما عرفتها عن قرب عندما تواصلت مع القائمين عليها في مصر.. حركة لم تكلف مؤسسها سوى العزيمة والصبر والاجتهاد..
لماذا؟
لأنه صنعها بفكره وعقله.. ومن هنا سُمي بالمفكر والأستاذ والمعلم.. فقد عمل جاهدا على تصدير الإسلام وتعاليمه السمحاء إلى كل بقاع الأرض
شرقا وغربا
شمالا وجنوبا
فاجتمع حوله ملايين الطلاب والباحثين والمريدين
تعلموا منه صحيح الإسلام برحمته وفقه السنة الرشيدة.. ليكونوا رسل سلام ومحبة وعلم إلي الآخرين.. وليكونوا مثل معلمهم الذي بدأ حياته بإعمال العقل.. فانتشر فكره وامتد إلى أجيال وأجيال.. ويتخطي حدود بلاده إلى شتى أنحاء المعمورة.
لقد آمن طلاب المعلم جولن بسلاحه الضخم، الذي أشهره نحو العالم ليغزو به العقول والقلوب.. سلاح عبارة عن كلمة وفعل.. لا يتناقضان..
ولم يكن سلاحه مدفعا أو دبابة يقتل بها القلوب والعقول والإنسانية.
وتحضرني هنا قصة قصيرة للروائي البرازيلي باولو كويلهو الحائز على جائزة نوبل للآداب..
وتحكي عن رجل كان يقرأ صحيفته مساء وطفله يلعب حوله ويزعجه ويشغله عن القراءة.. فمزق صفحة من الجريدة بها خريطة العالم وقال لطفله: “أعد تجميعها مرة أخرى..” لعل الطفل ينشغل بهذا لمدة طويلة ويستمتع هو بالقراءة.
فوجئ الأب بطفله يعود إليه بعد دقائق معدودة وبيده الصفحة وخريطة العالم، فسأله: “كيف فعلت هذا بسرعة؟ هل درست الخريطة من قبل؟ رد الطفل بالنفي، ثم أدهش والده عندما قص عليه أنه اكتشف أن الخلفية للخريطة بها جسم إنسان، فأعاد تجميع الجسم بسرعة وبالتالي تمكن من تجميع الخريطة..
المعني.. أن من يبني إنسانا يستطيع بناء العالم والسيطرة عليه.
وهنا أكرر أن المفكر العلامة فتح الله جولن اكتشف هذه الحقيقة منذ بدء العمل العام.
فعمل على بناء الإنسان عن طريق مخاطبة العقل، فبنى مجتمعا متعلما صالحا مؤمنا.. فكانت حركة الخدمة سلاحه الذي خاطب به العقول لينتشر بفكره وعلمه وتعاليمه وأفكاره، وليخرج من حدود بلاده إلى حدود أرحب.
فالمفكر جولن تمكن من غزو العالم بإدراكه السليم للإسلام واستطاع تجنيد آلاف البشر مجانا باسم الدين والإسلام عبر مخاطبة العقل.
فهذا هو سلاحه لتصدير أفكاره.. لم يطلق رصاصة واحدة في وجه أحد وإنما اطلق آلاف الحكم والمواعظ لتستقر في عقول طلابه ومريديه وتلاميذه الذين يتكاثرون كالعشب.
فالعلامة جولن كالبوصلة والشمس..
القلوب تتجه إليه.. وتنتظر دفئه دائما في وقت وحين.
إذا أردنا تعريف فتح الله جولن..
فليس هناك سوى كلمات قليلة
فهو
الإنسان
المفكر
الداعية
المسلم الحق
فهو نعم الإنسان.. المعلم.. العلامة.. عمل طوال حياته على تعليم الإنسان والسمو بفكره وعقله.
إن حلم المفكر جولن لن ينتهي.. فهو بنى أجيالا واعدة.. وعمل من أجل سلام فاق العقل وتخطى الحدود الظاهرية للمكان والزمان.. ولم يعمل من أجل تولي منصب، فالسلطة في فكره تكمن في الحق وأن سلطة تقام على غير ذلك فقد حكم عليها بالفشل.. ومن هنا ستظل حركة الخدمة على العهد دوما.. حركة علم وسلام.
خاتمة..
كتب الأستاذ كولن قصيدة بعنوان “مغترب” يتمنى فيها العودة إلى وطنه من منفاه في أمريكا.. ولعل بعض كلماتها تعبر لنا عن مدى ما يعانيه المهاجر قسرا تاركا بلاده.. تقول بعض الأبيات:
لقد نسيت فرحي ومرحي
منذ اليوم الأول الذي تركت فيه وطني
إنني اليوم أتوق إلى تلك الأيام الخوالي
الغربة تشغل عقلي دائما
فليس في السماء رعود تقرع
لا يحيا الجمال في النفوس هنا
وبساتينك يا وطني لا تفارق مخيلتي
فأين أيام الربيع الخضراء
انهض أيها النور
انهض من أعماقي
ارزقني صوتا من أغانيك القديمة
وإذا كان المفكر جولن قال: “المؤمنون مثل الأشجار.. يظلون أحياء ما داموا يثمرون”.. فشجرته ضاربة في جذور الأرض.. وثماره ستظل مثمرة.. وأنتم أيها الفرسان ستظلون أيضا منارة تشع علما وإنسانية.. وتشع قلوبكم محبة.. فا أنتم نبراس لقيم الإنسانية ومنارة لنشر الطمأنينة والسلام.

المصدر: موقع زمان عربي