إن اهتمام الأستاذ فتح الله كولن بتحديد قنوات التواصل العلمي والثقافي على المستوى المحلي والعالمي، وتقريب الرؤى بين العلماء والمفكرين، جعله يتبنى مشروع خدمة الكلمة الطيبة المفعمة بالعلم والحكمة، من منطلق نهج عقلاني معتمد على منهاج القرآن والسنة. وفي هذا الصدد يصرح قائلاً: “لقد تبدل تقويم الأشياء والنظر إلى الحوادث في وقتنا الحاضر تبدلاً كليًّا، فالمنطق والعقلانية في مقدمة الأمور، وقد حازتا أهمية كبرى في التقويم، حيث إن الكفر والإلحاد يتكلمان باسم العلم والفلسفة، ومن هنا يضطر المسلم إلى مقابلتهم بالأسلوب نفسه، وهذا وثيق الصلة بمعرفة ثقافة عصره. وما العلم والعرفان اللذان لا ينفكان عن المسلم إلا هذا الأمر”. وهذا كلام يحمل من التوجيهات ما تضطرنا مضامينه إلى الوقوف والتأمل، لعلنا نستخلص منه ما يمكّننا من تمثيل ديننا وحضارتنا حق التمثيل.

إن القرآن الكريم يقر المنهاج العقلاني أساسًا لبلوغ اليقين. فهو عين المنهاج ونبع الاستقامة العلمية، إذ يستوعب بتوجيهاته كل وسائل الملاحظة والفرضية والاختبار، بل ويهيمن عليها بالتوثيق الزماني والمكاني لموضوع البحث.

العقل المدرك لعصره

فقد قال الأستاذ كولن بهذا الصدد في معرض تبيانه لضرورة معرفة الواقع المعاصر: “إن من لا يعرف عصره لا يختلف عن من يعيش تحت الأرض، بينما المبلّغ أو الداعية يجوب في الفضاءات. وعندما يجول بين النجوم بعقله يعاين بقلبه وبلطائفه الأخرى رياض الجنان، أي عندما يحجزه عقله في المختبر جنب “باستور” ويسيّره برفقة “أنشتاين” في أعماق الوجود، تراه واقفًا بروحه بكل إجلال وتوقير أمام الله سبحانه وأمام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فينصبغ بصبغة الله مرات ومرات في اليوم الواحد، وأعتقد أن المرشد الحقيقي هو هذا. ويكفي للإنسان أن يدرك حكمة الوجود وروحه فينسّق ما يريد أن يبلّغه وفق ذلك”.
ثم يضيف موضحًا أن الأمر كان كذلك عند الصحابة الكرام، ومن تبعهم، ومن جاء بعدهم من الوارثين، مما جعل كلمتهم تحظى بقوة هائلة في التأثير. فهؤلاء كما يقول: “أدركوا مدارك عصرهم فدام تأثيرهم إلى يومنا هذا”.
وهذا النهج -نهج المنطق العقلاني بإدراك مدارك العصر- كان دأب جميع الأنبياء والمرسلين، والنموذج في سيدنا إبراهيم عليه السلام ؛ إذ لما أراد الله عز وجل أن يقر في قلبه اليقين، سلك به سبحانه هذا النهج، فقال عز من قائل في حقه: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)(الأنعام:75)، ذلك بأن جعله يجول بخاطره -في خضم ما كان يطغى على عصره من تأليه للكواكب والنجوم- بين أجرام الكون ملاحظًا عظمة مكوناته ودقة نظمها. فوضع عليه السلام فرضية تأليه الكواكب، ثم بعده القمر، ثم الشمس. فلما أخضعها لمنطق العقل وجدها كلها تأفل، فخلص بعقله -من خلال ذلك- إلى حقائق نسبية تفيد عدم استحقاق هذه المكونات التأليه، ومن خلالها إلى الحقيقة المطلقة التي جاءت مقررة في قوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(الأنعام:79)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن سيدنا إبراهيم عليه السلام  وإن كان نهجه عقلانيًّا، فإن منطلقه كان إيمانيًّا، لأنه ما استدل بالكوكب الذي رآه ولا بالقمر ولا بالشمس على الله عز وجل، وإنما استدل بالله عليها بدليل قوله عليه السلام كما حكى عنه ربه سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ)(الأنعام:76)، فما جعل عليه السلام  هذه الظواهر الكونية، إلا حقائق نسبية أقام بها الحجة على قومه حتى يوصلهم عن طريق المنهج العقلاني، إلى الحقيقة المطلقة التي جاءت مقررة في خطابه كما رأينا.

سيجد العلم عندما يتقدم في أي ساحة من ساحاته رايةَ القرآن وهي ترفرف في الأفق البعيد لتلك الساحة، ومن المحتمل أنه في بعض الساحات لن يستطيع بلوغ تلك الرآية.

وبذلك يتضح أن عالم الشهادة الذي نعيشه بحواسنا، هو مادة خصبة للعقل من أجل الخوض في عالم الغيب النسبي، فإذا أحسن الإنسان التعامل معه، ارتقى بالاطمئنان القلبي في عالم الغيب المطلق فكان من الموقنين. وهو ما نستشفه من حقيقة طلب سيدنا إبراهيم من ربه رؤية كيفية إحياء الموتى في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(البقرة:260).
وقد يختلف الناس حول مغزى هذا السؤال كما قال القرطبي رحمه الله: “اختلف الناس في هذا السؤال، هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكًّا في إحياء الله الموتى قط، وإنما طلب المعاينة”. وذلك لأنه لو لم يؤت العلم من ربه بمنهاج المشاهدة والمعاينة، لما تمكّن من تثبيت اليقين في مواجهة التحديات الفكرية والعقدية لذلك الزمان. قال تعالى حاكيًا عن نبيه إبراهيم عليه السلام : (قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)(الأنبياء:56).
ولاستيعاب المقصد من طلب إبراهيم عليه السلام رؤية كيفية إحياء الله سبحانه وتعالى الموتى، ذكر ابن كثير رحمه الله في معرض تفسيره لقول الله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى): “أن إبراهيم بعد ما قال لنمرود ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)(البقرة:258)، أراد عليه السلام أن يترقى بذلك من علم اليقين إلى عين اليقين وأن يرى ذلك مشاهدة”. فأراد -إذن- بسؤاله (كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) أن يرى الكيفية، أي الطريقة التي تمكّنه معاينة تفاصيلها من طمأنة نفسه بعدما لاحظ قدرة الله سبحانه وتعالى على الإحياء وافترض افتراضات لذلك. فكان أن هيأ الله تعالى له ذلك المختبر الطبيعي، الذي ستكون فيه التجربة العلمية على نطاق البعد المكاني بِصَرِّ الطير وتوزيع أجزائها على قمم الجبال المتباعدة ثم دعوتها، حتى يوصله سبحانه على طريق المعاينة التجريبية بالبرهان والدليل، إلى الإحاطة بحقيقة الإحياء حسًّا ومضمونًا.

القرآن والمنهج العقلي

وهكذا يتضح أن القرآن الكريم يقر المنهاج العقلاني أساسًا لبلوغ اليقين. فهو عين المنهاج ونبع الاستقامة العلمية، إذ يستوعب بتوجيهاته كل وسائل الملاحظة والفرضية والاختبار، بل ويهيمن عليها بالتوثيق الزماني والمكاني لموضوع البحث، حتى يفضي من خلال حقائق الكون النسبية إلى الحقيقة المطلقة التي ليس بعدها إلا الضلال، وذلك ما يجعل من القرآن كتاب علم لا تحد علومه، كما يقول الأستاذ فتح الله كولن: “إن القرآن الكريم ذا البيان المعجز، هو الذي يجب أن يتكلم، وهو الذي يجب أن يصدر أحكامه ويختم الموضوع بختمه. والقرآن بآياته التي لم تفهم حق الفهم إلا مؤخرًا، يشير إلى الأفق الأخير لما يستطيع العلم بلوغه، وسيجد العلم عندما يتقدم في أي ساحة من ساحاته رايةَ القرآن وهي ترفرف في الأفق البعيد لتلك الساحة، ومن المحتمل أنه في بعض الساحات لن يستطيع بلوغ تلك الرأية”.
وهذا ما ينبغي أن يستوعبه كل متطلع لبناء فكر علمي، وكل مقبل على تبليغ فكرة عن دينه، لأن القرآن آيات تهدي إلى الحق، والكون بصائر تعصم الناس من الخطأ، فمن لم يستدل بها على الحق حُجبت عنه كل الحقائق. وفي ذلك نجد أستاذنا كولن يقول: “إن من لا يعرف مجريات عصره، كمن يعيش في دهليز مظلم، عبثا يحاول أن يبلّغ شيئًا عن الدين والإيمان إلى الآخرين، فعجلات الزمن والحوادث ستُفقده التأثير إن عاجلاً أو آجلاً.
ومن هنا فعلى المؤمن أن يفهم ويبلّغ ما ينبغي أن يُفهم، بأسلوب ملائم ومنسجم مع المستوى الفكري والعلمي والثقافي لعصره”.
نعم، ذلك ما يجب أن يتبناه كل داع إلى الله سبحانه وتعالى في هذا الزمان، لأن عنوان التحدي في هذا العصر هو العقل، وسلاح المواجهة فيه هو العلم، وعلى أساس ذلك النهج جاءت هذه السطور تفتح آفاق التفكر في يقينيات العلم التي أصبحت اليوم تشكل أهم الوسائل المجدية في الدعوة إلى الله عز وجل، وتفضي مسالكها إلى حيث يجد الذاكر والمتفكر نفسيهما على اتصال مباشر بيقينيات هذا الكون التي هي معيار توازنهما مع مكوناته، ودليل انسجامهما مع نظامه وحقيقته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كلية العلوم، جامعة ابن طفيل / المغرب.
المراجع
(1) طرق الإرشاد في الفكر والحياة، لمحمد فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة 2008.
(2) حقيقة الخلق ونظرية التطور، لمحمد فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة 2006.