لا بد أن علاقتنا بالباب كمكون معماري، حيوي، علاقة ألفة، لكن هذه العلاقة حين تغدو جزءًا صميمًا من تجربة المراقبة والسلوك تجعل من “الباب” قيمة دالة على المحظوظية . فالباب في المعجمية الصوفية يحيل على معنى تحصيل القبسة العروجية، وهو أفق شعوري، روحي، لا سبيل إلى طرْقِه إلا بالميقات وأزوف السانحة.

وإن تيمة الباب تيمة بارزة في كتابات كولن، فهو يُحمِّلها قسطًا من معانيه الخاصة  ، وقد رأينا من قبل كيف لازمت صورة الباب مشاعرَ كولن، وهو يقف في أقدس صعيد تتطلع النفس إلى التمسح به: الروضة النبوية الشريفة: ” نحسب أننا أمام باب سري، يؤدي إلى عالم خاص، مملوء بأنواع من الجمال الساحر”  ، وانظر كذلك إلى قوله : “لقد سمح هذا النظام المبارك )الإسلام  (منذ أن شعرنا بظله فوق رؤوسنا -أدام الله حفظه علينا إلى الأبد- بفسحة للولوج من بابه مرارًا إلى التجديد والإصلاح، فشهدنا الانبعاث مرارًا”.

إن تيمة الباب تيمة بارزة في كتابات كولن، فهو يُحمِّلها قسطًا من معانيه الخاصة

إن صورة الباب ماثلة في ذهنه، يعبّر من خلالها عن مشاعره، ولاسيما في مواقف الجذل الروحي، حين تعاين النفس مواطن القداسة عن كثب، وتلابسها أنداء العطر المبارك الذي تنفث به جنبات بيت الله.ففي موقف التمسح بستائر الكعبة أثناء السلام عليها، يجد كولن نفسه أقرب ما يكون إلى النغم؛ حيث نراه يعبّر عن الجذل من خلال تدبيج معاني يستند الخطاب فيها إلى مقومات المشهد المعماري ذاتها، وتحديدًا إلى مرفق الباب، فيعبّر عما يجد في أعماقه من تطلع وأشواق، فكولن في تلك الرحاب القدسية، يستشعر كأن “الأبواب السرية

بل إن الخطاب ليصوّر لنا كيان كولن قد استحال بكامله إلى منافذ تتفتح لتنعم بلمحة من نور محمد (صلى الله عليه وسلم)، “نتعجب من الألطاف التي تنهمر على قلوبنا من المنافذ المنفتحة في خيالنا، ومن البوارق التي تبرق في صدورنا”.

إن صورة الباب ماثلة في ذهن كولن، يعبّر من خلالها عن مشاعره، ولاسيما في مواقف الجذل الروحي، حين تعاين النفس مواطن القداسة عن كثب، وتلابسها أنداء العطر المبارك الذي تنفث به جنبات بيت الله.

لكن مرفق الباب يظل رمزًا للمرابطة: “الذي يذوق فضل ونعمة هذا التوجه، لا يستطيع ترك ملازمة عتبة بابه تعالى”. بل إنه يغدو محطة الاستئذان وطرح النفس في سوق الدلالة: “ألمس مطرقة بابه، متوسلاً، ومتضرعًا: اقبلني يا الله”. بل إن مقامات العباد، وحظوظهم من الألطاف النفسية والمعنوية، مشروطة بما تنفتح عليه أرواحهم من أبواب المراقبة والاحتساب: إن ما يشعر به شخص عامي من ضيق صدره، أو انشراح قلبه، ليس كما يشعر به ذو القلب اليقظ، المتفتح على الماوراء، المترع بالانفعال والخشية، المشحون بشعور أنه يراقب من فرجة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: سليمان عشراتي، هندسة الحضارة تجليات العمران في فكر فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ، الطبعة الأولى، ٢٠١2، صـ158

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.