محبة النبي صلى الله عليه وسلم طاعة وقربة، وكلما زاد إيمان المرء زادت محبته له، وقد جعل الشرع الحنيف محبته صلى الله عليه وسلم فرضًا لازمًا على كل مسلم ومسلمة؛ فعن أنس -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (رواه البخاري ومسلم)

يقول الأستاذ فتح الله كولن في النور الخالد: “هو أقرب وأحب إلينا من كل المحبوبين. ومع أنني أعدّ نفسي أكثر المؤمنين قصورًا وذنبًا، إلا أنني لا أملك نفسي من شرح إحدى مشاعري.. وغايتي من هذا الشرح أن أبين: أنني إذا كنت أستطيع أن أحب رسول اللّٰه كل هذا الحب، فما بالك بالقلوب والأرواح الواصلة إلى مراتب عُليا في حبها لهذا الرسول الحبيب، وكيف تشتعل هذه القلوب بعشقه ووجده؟

وقد ضرب صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة، بمواقفهم المشهودة على محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يضنوا في سبيل هذه المحبة بشيء، غاليًا كان أو نفيسًا، ولم يقدموا على محبته أحدًا مهما بلغت مكانته ومنزلته في نفوسهم”

وسنختار في هذه الحلقة واحدًا من ثلاثة نماذج ذكرها الأستاذ كولن في النور الخالد عنوانًا على هذه المحبة بعدما صدرها بقوله: “ كان صلى الله عليه وسلم محبوباً من أصحابه وأصدقائه حبّاً لم يكن من نصيب أحد.”. على أن نتابع بقية النماذج في الحلقات التالية

النموذج الأول: استشهاد خُبيب بن عدي

عندما أسر المشركون الصحابي الجليل خبيب بن عدي -رضي الله عنه – عقب غزوة “ماء الرجيع” سألوه قبل استشهاده: “أتشتهي أن يكون محمد مكانك وتكون أنت آمناً في بيتك؟” فأجابهم: “لا واللّٰه، لا أحب أن يشاك شوكة في قدمه وأنا في موضعي هذا.”، ثم رفع يديه بعد هذه الإجابة الشجاعة قائلاً: “اللّٰهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلِّغه الغداة ما يُصنع بنا…اللّٰهم أحصهم عددًا، واقتلهم بَدَداً ولا تغادر منهم أحداً.” ثم قتلوه رحمه اللّٰه. وقد تلقى الرسول -صلى الله عليه وسلم هذا السلام، وأبلغ أصحابه نبأ استشهاد خُبيب متأثرًا يروي موسى بن عُقْبة أن خُبيبًا وزيد بن الدَّثِنَة رضي الله عنهما قُتلا في يوم واحد، وأن رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم سُمع يوم قُتلا وهو يقول: «وعليكما -أو عليك- السلام، خُبيب قتلته قريش”.

إنه لا يفضل موته على موت حبيبه صلى الله عليه وسلم فحسب، بل إنه يفديه بنفسه ولا يشاك بشوكة سبحان من أودع في هذه القلوب محبته!