لقد طفق كولن خلال إقامته تحت سواري جامع السليمية[1] يستقرئ الصورة الشمولية التي يتلاحم فيها هيكل البناية، ولبث يتبين الكيفيات التي تترابط بها مفاصل الاختلاف والائتلاف التي ينهض عليها ذلك الصرح، ومن المؤكد أن روحه قد مضت تتعبأ هناك بالمعاني التي كانت تتكشف له عنها معمارية الصحن في تفاصيلها وكلياتها. وغير مستبعد تمامًا أنه طفق يستجلي أحوال التناسب القائم بين ما يرسو عليه الكيان المسجدي من دعائم، وبين ما ينبغي أن تصير إليه كينونة الأمة من تساند، يجعل صرحها يقوم متماسكًا، متعاضدًا من جديد.

بل لا غرابة أن يعزز لديه التأمل في الأرشتكتور [2]المسجدي قابلية الوقوف بفكره على شروط الحضارة المؤهلة للاستمرار، ومقاومة الزوال. فقطاع المساجد ظل -بجلال سمته، ووقاره، وركانته في المكان والزمان- يقاوم عاديات الانحطاط والزيغ والردة؛ إذ إن تلك المصانع الروحية التي استفرغ فيها المسلمون قريحتهم الفنية عبر القرون، وجسّدوا من خلالها مدى ارتباطهم وتماهيهم في الدين الحنيف، قد تأبت عن الإذعان والانكسار. وإن من شأن الاحتكاك بها، والركون إليها، لُجوءًا وإقامةً، أن يلهم العقل الحي، أسرار النهضة والاستمرار والمقاومة.

الإنسان مكلف ببناء عالمه الإيماني والتفكري، حينًا بمد الدروب من ذاته إلى أعماق الوجود، وحينًا بالتقاط شرائح من الوجود وتقييمها في ذاته.

دروس من تأمل تجليات المعمار المسجدي

لا بد أن يكون كولن تعلم من المداومة على ترصد تجليات المعمار المسجدي، فقه الدقة، وضبط الأشياء، ووضع الأمور في نصابها، بحيث لا يخرج عنصر عن وظيفته، ولا عن موقعه. فتلك هي واحدة من أهم السجايا التي يورثنا إياها التفاعل مع الفن. ولقد أفاده ذلك المكسبُ النفسيُّ كثيرًا في مجال قيادة الجموع؛ إذ إن تجنيد الفاعليات، ورسم الخرائط والتصاميم لها، وإبداع الدافعيات التي تدير الحراك، وتتوسع في الأنشطة، وتتابع الإنجاز، هو علة النجاح الأولى التي ظل كولن يشدد عليها، والنهج الذي يحرص على اتباعه: “يجب عند القيام بالتخطيط من أجل تحقيق خدمة أو إنجاز عمل ما، دراسةُ العوائق المحتملة بجانب المساعدة والإيجابية. بذلك فقط يتم تلافي نقد القدر عند ظهور المشاكل”.

فالصرح العالي الركين، قبل أن يستوي ويبلغ مداه، كان مجرد فكرة، تحولت إلى ورقة وتصميم، ثم تداعى الصُّناع يقودهم المقاول، يجسدون المخطط على أرض الواقع، حجرًا حجرًا، ولمسة لمسة. هذا ما يتلقنه الإنسان حين يتربى في حضن المسجد، يرعى قابلياته وما يستبطن النفس من أحلام، ولا يزال في تلك الرحاب يستلهم فن الصبر والعراقة من سيمياء المعمار، ويتمرس بطرق التدرج في إنجاز المآثر.

 تعلم كولن  من المداومة على ترصد تجليات المعمار المسجدي، فقه الدقة، وضبط الأشياء، ووضع الأمور في نصابها، بحيث لا يخرج عنصر عن وظيفته، ولا عن موقعه.

بناء المسجد وبناء الإنسان

على نحو ما تنشأ البناية على دعائم ذاتية، وهياكل عضوية، نابعة من أرضية قارّة، وممتدة إلى أعلى بالكيان كله، كذلك يبني الإنسان كيانَه بالارتكاز على المساند الذاتية، أي على الروح المزكاة، والمواجد المُرَقَّاة، يُسلح بها جدار الشخصية، ويحصنها، ويستمر في تعهد خزان المعنويات، يشحنه على الدوام، فالإنسان كما يقول كولن “مكلف ببناء عالمه الإيماني والتفكري، حينًا بمد الدروب من ذاته إلى أعماق الوجود، وحينًا بالتقاط شرائح من الوجود وتقييمها في ذاته”، مستبقيًا المستوى الحيوي من التركيز والمثابرة، متكيفًا على الأوضاع التي تجعل جهده يتنزل في ورشة العمل مباركًا، وكأنه جهد أنفار لا نفر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] جامع السليمية (بالتركية: Selimiye Camii) هو جامع يقع في أدرنة في تركيا. أنشئ الجامع بأمر من السلطان سليم الثاني ونفذ بناؤه المعماري العثماني الأشهر سنان آغا (معمار سنان)، ويعتبره البعض أعظم أعماله المعمارية.

([2] ) الأرشتكتور: هندسة البناء أو هندسة المعمار.

المصدر: سليمان عشراتي، هندسة الحضارة تجليات العمران في فكر فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ، الطبعة الأولى، ٢٠١2، ص: 75

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.