إن فتح القلوب أصعب من فتح الحصون، فمَن كان يريد إحراز لقب الفاتح فليفتح قلعة النفس أوّلاً، ومن استعصى عليه فتح الداخل لا يمكن أن يفتح شيئًا من الخارج.

هكذا علمنا الحبيب المصطفى ﷺ، في تعامله مع الأصحاب الأطهار، ولعل النموذج الذي بين أيدينا يوضح بجلاء هذه المسألة، فمن نماذج التغيير المبهرة التي رصدها الأستاذ كولن في النور الخالد نموذج الصحابي الجليل عكرمة بن أبي جهل: فبعد فتح مكة فر عكرمة فرقًا من مواجهة الرسول ﷺ إذ كان من ألد أعدائه. نعم، لقد كانت عداوة عكرمة للإسلام أكثر من عداوة وحشي. فقد كان عدواً للإسلام نفسه، وكانت عداوته عن سابق إرادة وتصميم. فالبيت الذي نشأ فيه عكرمة كان بيت عداء للإسلام؛ بدءًا برب البيت أبي جهل، الذي سرى جهله إلى سائر أفراد الأسرة فأصبح مثابةً للجهل والظلام المعنوي، وكان عكرمة في هذا البيت يتسابق مع والده في هذه العداوة، فما من أمر اشترك فيه والده ضد الإسلام إلا واشترك معه فيه عكرمة.

وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام زوجتُه وبنتُ عمه امرأةً عاقلةً وكانت قد أسلمت، فلحقت به بعد فراره بدافع الوفاء لزوجها وأقنعته بعد مشقة ومعاناة بالعودة، بعدما أخذت له الأمان من الرسول ﷺ.

كان عكرمة يستحي من مقابلة الرسول ﷺ، ذلك لأنه لم يدع خصومة إلا أبداها له، ولم يدع أذى إلا عمله. فإن كان المطلوب نثر الأشواك في طريقه كان في رأس القائمين بذلك. وإن كان المطلوب نثر التراب على رأسه ﷺ كان في مقدمة هؤلاء الناثرين. لكنه عندما رجع ودخل على رسول الله ﷺ قام إليه النبي ﷺ ورحب به قائلاً: “مرحباً بالراكب المهاجر، مرحبًا بالراكب المهاجر. مرحبًا بالراكب المهاجر.”. لقد فتح هذا الترحيب قلبه، وكان كافيًا لإذابة جليد العداوة الذي كان يملأ هذا القلب. وبعد أن نطق بالشهادتين قال للنبي ﷺ وهو مطأطئ الرأس حياء: “يا رسول الله! أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِي كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَيْتُكَهَا، أَوْ مَسِيرٍ أَوْضَعْتُ فِيهِ، أَوْ مُقَامٍ لَقِيتُكَ فِيهِ، أَوْ كَلامٍ قُلْتُهُ فِي وَجْهِكَ، أَوْ أَنْتَ غَائِبٌ عَنْهُ.” فرفع رسول الله ﷺ يديه بالدعاء: ” للَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا، وَكُلَّ مَسِيرٍ سَارَ فِيهِ إِلَى مَوْضِعٍ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَسِيرِ إِطْفَاءَ نُورِكَ ، وَاغْفِرْ لَهُ مَا نَالَ مِنِّي مِنْ عِرْضٍ فِي وَجْهِي ، أَوْ أَنَا غَائِبٌ عَنْهُ”، فما إن سمع عكرمة هذا الدعاء حتى استولى عليه انفعال شديد… إذ ما كان يتوقع مثل هذا الاستقبال وهذا الترحيب. فقال للنبي ﷺ وهو في أوج الانفعال: “أما والله يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أَدَعُ نَفَقَةً كُنْتُ أَنْفَقْتُهَا فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَنْفَقْتُ ضِعْفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا قِتَالا كُنْتُ أُقَاتِلُ فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَبْلَيْتُ ضِعْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.”

وبَرَّ عكرمة بوعده، وفي معركة اليرموك جاد بنفسه واستشهد فيها. اشترك عكرمة في معركة اليرموك مصطحبًا معه زوجته وأولاده. وعندما جرح جرحًا بليغًا حملوه إلى خيمة. فبدأت زوجته وأطفاله يبكون، فقال عكرمة لزوجته: “لا تبك! لن أموت قبل أن أرى النصر” كانت هذه إحدى كراماته…، بعد قليل دخل الخيمة عمه الحارث بن هشام قائلاً: “أبشروا! لقد نصرَنا الله تعالى” فحمد عكرمة الله تعالى وردد قبل أن يجود بنفسه: ﴿تَوَفَّنِي مُسلِماً وَألْحِقنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف:101).