يهتمّ فتح الله كُولَنْ بالمحبّة والتسامح والمروءة والإيثار بين الناس اهتمامًا شديدًا، ويقول:
“إنه يجب على الإنسان أن يجعل من نفسه ميزانًا يزنُ به كلَّ شيءٍ في سلوكه تجاه الآخرين، فما يريده لنفسه عليه أن يريده للآخرين، وعليه ألاّ ينسى أنه عندما يكره تصرّفًا معيّنًا تجاهه فإن الآخرين أيضًا يكرهونه؛ فيتخلّص بذلك من جميع التصرّفات الخاطئة من جهة، ويسلم من إيذاء الآخرين وجرح قلوبهم من جهةٍ أخرى” .
مسجّلًا بذلك ضرورة أن يتحرّى الإنسان فعل الخير للآخرين دائمًا، ووفقًا لـلأستاذ كُولَنْ الذي يوصي قائلًا:
“لا تعتَبْ على أحدٍ مُتذرِّعًا بأنه: لم يمدّ يد المساعدة للإنسانيّة… بل تذكّر كم ضيّعتَ أنت من فُرَصِ مساعدة الآخرين” فإنَّ كمالَ الإنسان ونضوجه لا يظهر إلّا عندما لا ينحرف عن طريق الحقّ حتى بالنسبة للأشخاص الذين أساؤوا إليه، بل لا يتردّد في إسداء الخير إليهم… ذلك لأن القيام بالإساءة سلوكٌ غيرُ إنسانيّ، ومقابلة الإساءة بالإساءة نقصٌ خطيرٌ في الإنسان، أما مقابلة الإساءة بالإحسان، ومقابلة الشر بالخير فعلامةٌ من علامات السموّ والشهامة .
ويرى كُولَنْ أن الإنسان الناضج والكامل هو الذي يعتبِرُ أكبرَ معروفٍ يُسديه للآخرين شيئًا ضئيلًا، وأصغر معروفٍ يُسدَى إليه شيئًا كبيرًا، ومثل هذا الشخص يكون قد سما إلى الخُلُق الإلهيّ ووصل إلى الاطمئنان القلبيّ، كما يذكر كُولَنْ:
“أنّ غَضَّ الطرف عن تصرفات البشر غير اللائقة وتجاهلَ عيوبِهم واحدةٌ من بين أهمّ الخصال الإنسانيّة…
إنّ البحث عن أخطاء الآخرين وتقصيراتهم وعيوبهم شيءٌ خارج عن نطاق الأدب، أما إشاعة هذه العيوب والتحدّث عنها هنا وهناك فنقيصةٌ لا يمكن الصفح عنها، أما ذكر هذه العيوب وتعدادها لأصحابها فضربةٌ قاصمةٌ للإخاء وللمودّة التي تربط بين الأفراد” .
يذهب فتح الله كُولَنْ إلى أكثر من ذلك واضعًا بذلك معياره الشخصيّ الأصيل في هذا الموضوع فيقول:
“ليست هناك نهايةٌ أو حدودٌ في إسداء المعروف إلى الآخرين، فالإنسان الشهم قد يضحّي حتى بروحه من أجل الآخرين” .
والمراعاة الدقيقة للحلال والحرام، والمسار الحقوقيّ على نحوٍ متبادَلٍ في الحياة اليوميّة وفي علاقات الناس ببعضهم مِنْ أكثرِ الأمور التي اهتمّ بها فتح الله كُولَنْ اهتمامًا شديدًا بالنسبة للإسلام بَعدَ المبادئ الأخلاقيّة التي ركّز عليها آنفًا بحساسيّةٍ فيما يخصّ العلاقات بين الناس، وفتح الله كولن الذي يُذكّرُ باستمرارٍ قائلًا:
“إنما الدِّين المعاملة، مراعاة الحلال والحرام”.
فهو حسّاسٌ لأقصى درجةٍ فيما يخصُّ حقوق العباد، وقد استدان فتح الله كُولَنْ في صِغره حين كان يَدْرس في “أَرْضُرُومْ” قدرًا قليلًا من المال من معماريّ أتى “أرضروم” مآذن من محافظة “قَيصرِي (Kayseri)”، وقد غادر المعماريُّ “أَرْضُرُوم” قبل أن يتسنّى لفتح الله كُولَنْ سداد دَينه له، فراح يبحث عنه عدّة سنواتٍ مدينةً مدينةً حتى وجده في النهاية، فسدّد له دَيْنه تامًّا غير منقوصٍ، وقدّم له هدايا قيّمةً إلى أن أرضاه، وطلب منه السماح، وكما أنه حسّاسٌ ودقيقٌ في هذا الموضوع فإنه يوصي الجميع كذلك بأن يكونوا بهذا القدر من الحساسية والتحرّي، ويرى أن الإنسان إن كان يتحدّث عن حقوق العباد، ولا يفي بدَينه رغم قدرته على الوفاء به، ولا بالحقوق الواجبة عليه فهو كذّابٌ ليس إلّا، ويقول:
“الإنسان المَدين لغيره بحقٍّ مطالبٌ بأن يجد ذلك الشخص ويطلبَ منه السماح والصفح، فإن كان هذا الحقُّ حقًّا معنويًّا كالغيبة والافتراء والكذب عليه استحال السماح فيه إلا بالاستسماح منه، فإن كان من قبيل الدَّين والمال فلا بدّ من الهرع إلى تسديده على الفور دون إبطاءٍ” .
ويركِّز الأستاذ فتح الله أكثر ما يركّز في موضوع حقوق العباد على حقّ الوالدين، فيرى أن حقوق الوالدين واحدةٌ من أكثر القضايا التي تعرّضت -مع الأسف- للإهمال بين المسلمين في يومنا الحاضر، في حين أن الوالدين شخصان مقدّسان ينبغي للإنسان أن يحترمهما، ومن يقصّر في احترامهما يُعتبر عاصيًا للحقّ تعالى، ومن يؤذيهما فلا ريبَ أنه يتعرّض للإيذاء عاجلًا أو آجلًا، فالإنسان ينمو ويكبر على أكتاف والديه وهو عبءٌ عليهما منذ اليوم الأوّل لوجودهِ كمخلوقٍ حيٍّ صغيرٍ، وليس في الإمكان هنا تعيين عمق شفقة الوالدين ورحمتهما، ولا حدودِ الأعباء التي يتحملانها، لذا فاحترامُهما وتقديرُهما واجبٌ من جهةٍ، ودَينٌ إنسانيٌّ من جهةٍ أخرى، ويتناول القرآن حقّ الوالدين وحقّ الله تعالى في الخطّ ذاته .
ويقول فتح الله كُولَنْ:
“إنني أتلوّى ألمًا وحسرةً كلّما رأيتُ إهمال حقوق الوالدين.
إن الذين يعرفون قدر الوالدين، ويعدّونهما وسيلةً للوصول إلى الرحمة الإلهيّة هم المحظوظون هنا في الدنيا، وهناك في الآخرة، أما الذين يستثقلون وجودَهما ويملّون من استمرارهما في الحياة معهم؛ فهم التعساء والمرشّحون لأرذل وأسوإِ حياةٍ، وبدرجة توقير الإنسان لوالديه يكون موقِّرًا لخالقه تعالى، ومن لا يوقّرهما لا يوقّر الله تعالى” .
وعلى حين يقف فتح الله كُولَنْ عند هذا الميزان فيما يتعلّق بحقّ الوالدين فإنه لا يُهمل حقوق الطفل، ويقول :
عندما خُلِقَ الإنسان خُلِقَ معه أليفه ورفيق حياته، ولم يبقَ وحده إلا مدّةً قصيرةً، لذا فإن خلقه مع زوجه يدلّ على أن الزواجَ شيءٌ فطريٌّ للإنسان، وأهمّ هدفٍ لهذه الوظيفة الفطريّة هو التناسل.
وكلّما قام الآباء والأمّهات بتزيينِ أبنائهم بالفضيلة أكثر؛ حُقَّ لهم أن يُطلِقوا عليهم لفظَ “أبنائنا”، لذا فليس من الملائم للآباء والأمّهات الذين يُهملون تربية أبنائهم أن يدّعوا مثل هذا الادعاء، فما بالكم بالآباء الذين يدفعون أبناءهم إلى طريق الشرّ والرذيلة ويُبعِدونهم عن المستوى اللائق بالإنسان!
إن قام الآباء والأمهات بواجبهم على أتمّ وجهٍ نحو أبنائهم وربّوهم تربيةً صالحةً تجعلهم نافعين لأنفسهم ولمجتمعهم؛ فإن الأمّة تكون قد ملكت ركنًا ركينًا مهمًّا، أما إن كان العكس -أي أهملوا تهذيبَ المشاعر الإنسانيّة لدى الأولاد- فكأنهم يبثُّون في المجتمع حشراتٍ ضارّةً.
إننا لنرى عندما تُقلّم الأشجار، وتُرعى الحيوانات رعايةً صحيحةً كيف نحصل على ثمرة هذا الاهتمام، وكيف يستمرّ نسل تلك الشجرة وذلك الحيوان، ولكن عندما تُترك الأشجار أو الحيوانات دون رعايةٍ واهتمام لا نستطيع الاستفادة منها بالشكل المرجوّ والمطلوب، أفلا يستحقّ الإنسان المرسل إلى الدنيا بكمٍّ هائلٍ من القابليّات والاستعداداتِ أن يكون له نصيبٌ من الاهتمامِ والرعايةِ التي نُبديها ونبذُلُها لشجرة؟
يا ابن آدم! أنت مَن تنجب الطفل، لذا تقع عليك مسؤوليّة الارتقاء بهذا الطفل إلى ما وراء السماوات، فكما تهتمّ بصحّة جسمه وتشفقُ عليه من المرض، اهتمّ بحياة قلبِهِ وبروحِهِ وأَشفقْ على ذلك المسكين من النار وأنقذه بحقّ الله، ولا تدعه يخسر الدنيا والآخـرة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: علي أونال، فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري، دار النيل.
