رغم أهمية الجولة التي رتبها الأستاذ جمال فإني لا أتذكر من تفاصيلها إلا ملامح محدودة ما زالت محفورة في الذاكرة، منها ركوب البحر وزيارة بورصة الجميلة الرائعة مهد السلاطين العثمانيين، ومنها زيارة أول مدرسة تأسست في الخدمة وأول سكن طلابي أسسه الأستاذ كولن وعمل مديرًا له، ومنها زيارة منزل الأستاذ جمال نفسه في ضواحي مدينة أزمير، والالتقاء بشخصية عظيمة مثل والده لا تفتأ تردد “الحمد لله” كل لحظة، ومنها أيضا زيارة قبر والدة الأستاذ كولن “رفيعة هانم” والدعاء لها وقراءة ما كتبه الأستاذ بنفسه على شاهد قبرها.

أما بورصة الجميلة فهي من أجمل ما رأيت في مدن تركيا، والحقيقة أن كل مدينة في تركيا تمد ناظريك بسحر خاص تتميز به عن غيرها، لكن بورصة تمتع بصرك بجمالها الخلاب وطبيعتِها التي تكسو جبالها وأوديتها ببساط أخضر موشى بأبدع النقوش والألوان، وتمتع عقلك باستحضار رموز التاريخ العثماني بعظمتهم وأمجادهم، ففيها قبور السلاطين الأول الذين أسسوا الدولة العثمانية، وقضوا أعمارهم على ظهور الخيل مجاهدين في سبيل الله، وفيها المساجد العتيقة، والقرى التاريخية.

والمؤثر في هذه الزيارة شاهد القبر المنصوب فوق القبر على هيئة كتاب مفتوح.

وما أنس لا أنس كبابها الشهير وكفتتها الشهية، ووجبتها الأشهر “إسكندر كباب” وشوي الكباب بنفسك تحت أشجار الدلب التي يعود أعمار البعض منها إلى ما قبل خمسمائة عام.

ثم انتقلنا إلى أزمير، وأزمير يا سادة تعد رمزًا لليسار والحياة على الطريقة الغربية والتحديث، ومن العجيب أن دعوة الأستاذ انطلقت منها وانتشرت في كل أنحاء تركيا والعالم من خلالها، وحلقات الدروس في الطابق الخامس لم تحظ بها إلا مدينتان في تركيا: إسطنبول وأزمير.

زرنا في أزمير مسجد ومكتب تحفيظ القرآن (قرآن قورصو) “كستانه بازاري” وهو أول مسجد في أزمير اشتغل فيه الأستاذ كولن واعظًا، ومن تلامذة هذا المكتب القرآني تكون أول طلاب للأستاذ، ثم زرنا أول مدرسة تأسست في الخدمة وهي مدرسة “يامنلار”، وهي تعني الفتية أو الشجعان، وقد تم تأسيسها في بداية الثمانينات. كما تجولنا في طابقها الخامس المعدّ لإقامة الأستاذ وحلقاته العلمية، وقد كان قبل عام 1995 يقيم بحلقته الدراسية في إسطنبول عامًا وفي إزمير عامًا آخر، ثم استقر به المقام قبل الانتقال إلى الولايات المتحدة في إسطنبول، حيث بدأت مرحلة جديدة للخدمة وهي مرحلة “الحوار”. وفي هذه المرحلة حاول الأستاذ كولن أن ينشئ حوارًا بين كافة الفئات والثقافات على أرضية من القواسم المشتركة، ليعم مناخ من الأمن والطمأنينة كافة ربوع البلاد، وتُنحى فيه عوامل التفرق والشقاق والنزاع. وقد تبلور ذلك في تأسيس مؤسسة الصحفيين والكتاب التي أخذت على عاتقها القيام بهذه المهمة في العقود الأخيرة مستلهمة أفكارها من رئيسها الفخري الأستاذ كولن. وقد اقتضت هذه المرحلة أن يقيم الأستاذ كولن بشكل دائم في إسطنبول لمقابلة الصحفيين والإعلاميين والأكاديميين والكتاب والرياضيين والفنانين والسياسيين من كافة الفئات، الذين كان أغلبهم يقطن في إسطنبول.

فضحك الفتى وضحكنا جميعًا. لقد ألف الرجل ترديدَ قول الحمد لله حتى إنه استخدمها في هذا المقام.

أما أزمير فقد كان للأستاذ فيها ذكريات محفورة في ذاكرة الخدمة، فقد عمل الأستاذ فيها واعظًا متجولاً؛ تجول في مقاهيها وأنديتها يعطي للناس دروسًا ويستقبل أسئلتهم المتعددة في كافة المسائل وشتى الفروع، ومن هذه الأسئلة وغيرها تكونت سلسلة كتب “أسئلة العصر المحيرة”. وقد كان الأستاذ يجيب عن هذه الأسئلة ارتجالاً إجابات غاية في الإقناع والإمتاع. وفي جامع “برنوه” الشهير التف حوله الطلاب والأصناف من التجار ورجال المال وانطلقت قافلة الخدمة تشق طريقها في كافة ربوع تركيا حتى امتدت إلى أكثر من 170 دولة في العالم، ومن هؤلاء الرعيل الأول الذين انطلق الأستاذ معهم وبهم والد الأستاذ جمال “الحاج مصطفى تورك” الذي كان يواظب على حضور مواعظ الأستاذ ودروسه وسخَّر نفسه وماله وأسرته لخدمة هذا الأمر، وقد زرناه في بيته بقرية “تورجوتلو” بمانيصا إحدى أقضية أزمير، فاستقبلنا بحفاوة بالغة وحكى لنا عن بداياته مع الأستاذ، وكيف التقى وتأثر به، وكيف سلَّم أولاده جميعا لينشأوا في كنف الخدمة وتحت رعاية الأستاذ شخصيًّا.

وفي هذا العام نزلت بمنطقته وبقريته آفة زراعية أتت على كل زروع القرية وثمار بساتينها ولم ينج منها إلا بساتينه.

كان الحاج مصطفى فلاحًا يعمل بالزراعة وراعيًا يرعى قطيعًا كبيرًا من الأغنام والمواشي، تعرَّف على الأستاذ مع مجموعة من أقرانه عندما كان يخطب في مسجد كستانه بازاري، وتعلق قلبه بوعظه فلم ينقطع عن أي من جُمَعه إلا مرات معدودة بسبب تعرضه لحادث سير أثناء توجهه للاستماع إلى الأستاذ.

للحاج مصطفى أيادٍ بيضاء على مؤسسات الخدمة في أزمير فقد تبرع مرات عديدة لاستكمال مؤسساتها ومدارسها، ويحكِي أنه تعهد بأن يدفع مقدارًا من المال بعد حصاد المحصول وكان مبلغًا كبيرًا، وفي هذا العام نزلت بمنطقته وبقريته آفة زراعية أتت على كل زروع القرية وثمار بساتينها ولم ينج منها إلا بساتينه، ويتابع قائلا: كل القرية تشهد على هذا العام، ثم يعزو سبب ذلك إلى أنه تعهد بهذا العهد لله عز وجل فنجَّى الله زروعه وثماره من هذه الآفة العامة التي أهلكت الزروع والثمار.

يحكي الحاج مصطفى أن بيته كان مضيفًا للأستاذ وطلابه في السبعينات على مدار أربع سنوات في كل جمعة، حتى إنه استقبل تورجوت أوزال قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية في بيته مع الأستاذ كولن، عندما كان يأتي للاستماع إلى خطبته في مسجد برنوه الشهير بمدينة أزمير، ويحكي أن تورجوت أوزال كان يحب الأستاذ كولن وكان الأستاذ يبادله نفس المشاعر.

من العجيب أن دعوة الأستاذ انطلقت منها وانتشرت في كل أنحاء تركيا والعالم من خلالها.

ومن طرائف هذا الرجل أنه كان كثير الذكر والتهليل والتحميد، لا يفتأ يكرر “الحمد لله” في كل جملة من جمله، ويحكي ولده الأستاذ جمال طرفة عن هذا فيقول: ذات مرة قابل والدي فتى من أبناء الخدمة يبدو عليه آثار الحزن، فسأله والدي: ما بك يا بني؟ لماذا تبدو حزينًا هكذا؟ فأجابه الفتى: لقد مات والدي يا عمي! فأجابه الحاج مصطفى بصوته الأجشّ على الفور: “الحمد لله” مادَّا بها صوته. فضحك الفتى وضحكنا جميعًا. لقد ألف الرجل ترديدَ قول الحمد لله حتى إنه استخدمها في هذا المقام.

أما الزيارة المؤثرة فكانت زيارة قبر والدة الأستاذ كولن “رفيعة هانم” في قرية “أورنيك كوي” بمنطقة قارشي ياقا بإزمير، والمؤثر في هذه الزيارة شاهد القبر المنصوب فوق القبر على هيئة كتاب مفتوح كتبتْ عليه كلمات من تأليف الأستاذ نفسه في صفحتين متقابلتين إحداهما بحروف عربية والأخرى بحروف لاتينية وكان معناها كالآتي:

كان الدين والإيمان مرادكِ،

فعشتِ في الدنيا غريبة،

لا جاهًا أو نيشانًا طلبتِ،

لكنَّ ذكركِ الآن على كل لسان.

رفيعة هانم، تاريخ الميلاد: 1913، تاريخ الوفاة: 28/6/ 1993، لروحها الفاتحة.