لا يمكن لمفكر معاصر في منزلة كولن، ينتمي إلى مدنية ازدهرت قرونًا، ويعيش أطوارًا وتفاقمات حضارة راهنة، أن ينظر بذات التصور الذي ينظر به إلى الحضارة مفكرٌ آخر ينتسب إلى مدنية العصر الحالي، ويتابع تحولاتها من داخل صلبها؛ ذلك لأن كولن حتمًا سيجد نفسه -ربما تحت شعور الفداحة والفجيعة- يُقَوِّمُ معنى الحضارة في ضوء ما استقصاه من أسباب وعوامل سقوط حضارته، وما يستقرئ به اليوم واقع الحضارة الراهنة وهي تمضي أمام عينيه كسفينة يقودها ربان غير حكيم.

الإنسان في الحضارتين الإسلامية والغربية

في الحضارة الإسلامية اندحر الإنسان المسلم عندما انتهى التردي الفكري والقيمي به إلى وضع انحطاطي جرّده من مكاسبه الريادية الكبرى، وأضاع منه المَقَادة، وحوّله إلى مخلوق استسلامي، وهوى به وبحضارته إلى الدرك.

كما أسفَّتْ المدنية المعاصرة بالإنسان من حيث شاءت أن تعلو به؛ إذ إن قطاعًا معتبرًا من الفكر المعاصر نزغ بالإنسان الغربي نزوغًا منكرًا، بحيث جعل من منطق القوة والاستغلال أساس المسطرة الأخلاقية، والقاعدة التي يبني عليها سياسته ومعاملاته حيال البشرية والكون عامة.

أسفَّتْ المدنية المعاصرة بالإنسان من حيث شاءت أن تعلو به.

فالإنسان الغربي المعاصر ارتد به منطق الاغترار الأيديولوجي والجموح الفكري إلى مستوى التربُّبِ الذي كانت عليه آلهة يونان، تلك الماهيات الوهمية التي جهّزها الاعتقاد الضال بالقدرة الخارقة، لكنه لم يعصمها من النزوة، فعدمت شرط النزاهة والعلو القدسي، فلذلك طفقت تعيش المأساة مع ذاتها وفي علاقتها بالكون وما يعمره من قوى مضادة (أرباب).

وظلت حال الإنسان الغربي -على مدار مسافة طويلة من الزمن المعاصر- هي حال آلهة أسلافه اليونان قديمًا؛ إذ تجبَّر واستعلى، واجتهد ليكون على كل شيء قديرًا، لكنه رغم المكاسب ظل يتصرف بسلوك الآدمي المتوحش، وبطيشه.

وعلى العكس من ذلك فقد استنام الإنسان المسلم لعوامل فكرية وثقافية وروحية محبِطة، قعدت به عن إتمام مقاصد الإسلام في نشر رسالته إلى العالمين، فنكَّس همته وأذعن للامتهان، وانحدرت به المكانة إلى مستوى لا تقر به إلا عين الأعداء.

كولن والبناء الحضاري المأمول

من الطبيعي أن الحضارة التي تستند إلى هذين النموذجين: نموذج الإنسان (المتأله)، ونموذج الإنسان (المستسلم)، هي حضارة انحدارية، مآلها الانهيار. ولذا وجدنا كولن وهو يترسم صورة البناء الحضاري المأمول، يموقع الإنسان -بوصفه ارتكازًا مبدئيًّا لا مناص منه- في قلب أي تخطيط، ويُحِلُّهُ في صميم أي تأسيس جديد لحضارة مبرأة من استسلامية الزمن الماضي، ومن جبروتية حضارة الراهن.

إنه يضع الإنسان في المكان الذي وضعه فيه الإسلام، أي أعاده إلى مكانة الاستخلاف. من هنا رأينا كولن وهو يُنَظِّرُ لبناء الحضارة، ينيط المهمة والآمال بالإنسان القرآني، المقِرّ لله بالعبودية، المؤمن بأنه إنما وُجد ليكون خليفة ربِّه في الأرض، المعترِف بأن أساس استحقاق ذلك الاعتماد، هو الموثق والتعاقد على الإيمان بالله، والعبودية له وحده.

يرى كولن أنه لا بد للإنسان القرآني المرشح لبعث الحضارة، أو إعادة تأسيسها من جديد، أن يتحرك على هدى ثلاثة شروط مبدئية: الإيمان والهدف والزمن، هذا القانون الذي يضعه كولن أساسًا لبناء المدنية السوية التي تتخطى بالبشر المزالق الكبرى والإعضالات الجمة التي يواجهها العالم اليوم حتى وهو يعيش ازدهارًا باهرًا بَلَغَتْه حضارة التكنولوجيا والتطور التجهيزي والفتوحات العلمية التي تتصاعد نتائجها في مجالات الحياة المختلفة.

استنام الإنسان المسلم لعوامل فكرية وثقافية وروحية محبِطة، قعدت به عن إتمام مقاصد الإسلام في نشر رسالته إلى العالمين.

الحضارة الجديدة وتكوين الإنسان الفاعل

تحدثنا سيرة كولن أنه في مطلع شبابه، ، شرع في استقطاب أفراد تلاميذ إلى حلقته التنويرية، يعينهم على دروسهم، ويفتح بالحكمة صدورهم للإيمان. ولقد بدأت التجربة محفوفة بكثير من المشاق، واقتضت أحمالاً من الصبر والروية، ثم مع السنوات بدأت المجاميع تبرز، وتطوّر أسلوب التواصل، وازدادت الحلقات عددًا، ثم شبَّ التلاميذ وصاروا أكفاء، وتحولوا بدورهم إلى وسائط تلْقين ودعوةٍ، ثم نفذت الدعوة إلى الأسر والبيوت وأماكن العمل، وسرت بعد ذلك كما يسري الماء في الأرض، أينما مَرَّ أمرع.

كم كانت طويلة المسافة الزمنية بين جلوس أول طفل في حلقة الأستاذ، وبين اكتمال جهوزية الطوابير من رجال الخدمة، وخروجهم إلى الأرض، وانتشارهم في الآفاق يضعون بكل حزم وتؤدة وصبر أسسًا لحضارة الغد السعيد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: من كتاب “الانبعاث الحضاري” أ. د. سليمان عشراتي

Leave a Reply

Your email address will not be published.