تدعو الأطروحة الأخلاقية للفيلسوف التركي فتح الله كولن إلى إقامة “أنموذج إنساني جديد”، من خلال بناء جيل فريد يسميه “ورثة الأرض”، يتصفون بالصلاح والدقة العلمية، والتنظيم والتنسيق مع صلابة في الأخلاق والسلوك. وبناء “ورثة الأرض” هو المدخل لتشييد (المعنى الديني)، وإحياء الجذور الروحية، خارج منطق “المنفعة الذاتية”، و”حب الشهرة”، و”القوة العمياء”؛ بل تقوم هذه العودة على “محو الذات”، و”الاهتمام بالآخر”، و”قابلية التفكير العالمي”، وهو مطلب يكاد يقوم على رؤيا مثالية، في خضم الواقع المعقد الذي يتحرك فيه (المعنى الديني)، رغم تركيزها على السلوك الفردي اليومي للمتدين.

ومما يعمق النفس المثالي في أطروحة كولن الروحية والمعنوية، استمداد رؤاه وأساليبه من عالم الفنون الجميلة في الأدب والموسيقى والهندسة؛ الفنون التي كانت، في يوم ما، محركاً لروحية الأمة ومغذية لمعناها الديني.

ولا يغفل كولن، في طريق البحث عن المعنى الديني، عن الأزمة المعاصرة التي يعيشها المسلمون، سواء على مستوى فوضى الاعتقاد، أو النمط الفكري، أو المعارف، أو الصناعة، أو السياسة، أو العمران…

فهو يرى بأن المعنى ضاع بضياع الترابط الوثيق بين أضلاع مثلث الإلهام والعقل والتجربة؛ هذا الترابط الذي جعل، بنظره، يوماً ما، الدنيا بعداً من أبعاد الجنة؛ [2] يستفيد فيها الإنسان المعاصر من المعنى الديني بقدر ما يسع فطرته واستعداده وأفق فكره من خلال التعرض للنسائم المنعشة.

فالدنيا تدور، بنظر كولن، وهي تنسحب إلى فلكها الأصل؛ فإذا كان (المعنى الديني) هو الحق، فإن الحق الأول شيء، والحق المستلم بالتمثيل شيء آخر؛ ذلك أن الحق إن لم يمثل حسب مقاييس قيمه الذاتية، يمكن أن يسترد في كل وقت، وإن منح ابتداء لأمة أو لقوم أو لجمع معين، ويسلم إلى آخرين هم الأفضل في الحق، بل هم الممثلون الحقيقيون؛ أي العباد الصالحون الذين يرثون الأرض.[3] وهم الذين بذلوا الجهد اللائق بالوراثة، وتسلحوا بالعلم والفن، وأقاموا ميزان الدنيا والعقل. بذلك وحده تنبجس الروح ويعود المعنى، عند فتح الله كولن. هذا المعنى هو الذي يحول الإسلام إلى مادة لإحياء الحياة؛ مادة مكونة من “القدرة” و”الإرادة”، ومن القوانين الكونية الإلهية، والتي نلحظها من صفة “الكلام” في الكائنات في إطار بناء “معنوي” يقيم صرح الروح في “عالم الداخل الذاتي” للفرد والمجتمع، دون نسيان الموانع الخارجية المتتالية.

ولا يغفل كولن، في طريق البحث عن المعنى الديني، عن الأزمة المعاصرة التي يعيشها المسلمون، سواء على مستوى فوضى الاعتقاد، أو النمط الفكري، أو المعارف، أو الصناعة، أو السياسة، أو العمران…

إن الذين يمثلون الإسلام اليوم، ويدّعون امتلاك المعنى الديني، يفتقدون الحياة القلبية والروحية العميقة، وقبلوا العيش تحت الوصايات، فضاع منهم المعنى الديني، وفرت منهم الدنيا، فبدأت عندهم سنين التيه الطويلة.

فاسترجاع الإرث الضائع؛ أي المعنى الديني، وفق فتح الله كولن، يمر عبر اكتشاف أنفسنا والعثور على ذاتنا، من خلال عمليات “الاستشعار”، و”التعقل”، وفق “رؤية كلية”، لن يحققها إلا عقل موهوب منفتح على أسباب الوجود وعلله، مالك لسلامة الوجدان واستقامة الفكر؛ “عالم بالأسس المحضة لأحكام الدين ومستقبل “الواردات الإلهية”، وقادر على تشغيل منافذ الرؤية المتأملة في اللانهاية.

وتتأطر هذه الرؤية داخل تصور ضابط، يرى بأن “حكم الأسباب أو أي شيء آخر يجري على الله تعالى، ولا يقيد إرادته ومشيئته الإلهية. الله يحكم كل شيء، والله هو الحاكم الآمر المطلق. ومراعاة الأسباب وعد العلل وسائل صغيرة ليس إلا بأمر الله تعالى، فنؤمن بهذا الاعتبار بأن الإنسان سيعاقب، إن خالف الشريعة الفطرية المعروفة بسنة الله عقابا معظمه في الدنيا وقسم منه في الآخرة”[4].

ومن عقاب الدنيا، الحرمان من (المعنى الديني)؛ هذا المعنى ليس إلا توليد أنسام أخروية ومشاعر لاهوتية التلون في أغوار ذات الإنسان من أجل حياة أخرى ذات بعد آخر؛ بعد دنيوي وأخروي غائر في الأعماق، عبر كمال الفهرست المعنوي للوجود كله؛ أي فهم الإيمان، وتلقيات الإسلام، وشعور الإحسان، والعشق، والشوق، والمنطق.

إن المعنى الديني، وفق هذا المنظور، يتحقق بالفكر الديني والتصورات الدينية؛ أي إن الدين هو الوحيد الذي يضفي “المعنى” على الإنسان والكائنات، والانفتاح على الروح الإنسانية وعلى الذات، وتحقيق الرغبات إلى ما وراء الدنيا، وإشباع حس الأبد في الوجدان، متجاوزاً مجال العبادات.

إن الدين، إذن، هو الذي يصنع لنا “المعنى”؛ بما هو شيء عقلي وروحي وقلبي؛ يصبغ تصرفاتنا وفق نياتنا ويغشى لونه أو ألوانه، كل شيء في حياتنا. فالتجربة في إطار هذا المعنى، ليست إلا سلما من النور يتصل بالعقل، كما أن العلم برج عال بحسابات الفراسة، يحلق إلى اللانهاية بأجنحة العشق. أما صراع المتدينين في حفظ “المعنى”، فهو راجع إلى عدم بلوغ الدرجة اللازمة في صدق الإيمان وحفظ الإخلاص، مهما امتلكوا من عناصر “الجذوة الروحية” المشتركة؛ فهم إذاً في حاجة إلى “بعث جديد”، و”إحياء”؛ إحياء يحتضن الحياة كلها في إطار الحفاظ على “أصل الدين”.

إن (المعنى الديني)، وفق هذه الرؤية السلوكية، هو الخروج من عبودية الجسم والبدن، وانفتاح على الروح في أجواء من العلم والذكاء والعرفان والواردات والفيوضات؛ من الفيزياء إلى الميتافيزيقيا، ومن الكمياء إلى الروح، ومن الفضاء إلى النفس، ومن السياسة إلى السلوك، ومن الأفكار المقلقة والقابعة في صدورنا، والتي أضنتنا وأنهكتنا، إلى واحدية الخدمة: التسليم والشعور والتوكل.

فبإمكاننا، بنظر كولن، استرجاع المعنى الديني، رغم حالة العطل التي تعيشها الأمة، عبر نقش الروح والمعنى في كل مكان، ونقش الفن المتحري عن اللانهاية، والمتصف بالأخروية، والمترقق، والمتحد مع الأبعاد، في تجديد الاستماع إلى الروح، وتفسير الوجود في خلالها، في أجواء التصوف اللاهوتية عميقة الغور، كما في الميتافيزيقا، بعيدا عن الحرص وطلب الشهرة وشهوة السلطة والأنانية. فالوصول إلى أسرار “حرم الألوهية” أو “المعنى الديني” بنظر كولن، يمر بالرجوع إلى جذور المعاني، واقتباس المثل الروحية التي لم يتكدر صفاؤها بتوالي الأيام، ورجوع إلى تراثنا القريب والبعيد في رؤية كونية تحتضن العصر، ويتوحد فيها عظماء الماضي، ليهمسوا في آذاننا طلاسم الخلاص والانبعاث، من خلال الشعور والفكر والمنهج والفلسفة والسلوك، لكن مع تجديد الأساليب والطرق، خاصة إلهام العشق والشوق وبركتهما، عندها تكون الروح هي أساس الحركة عند القيام بالواجب.

إن (المعنى الديني) هو الإيمان، وهو من صفات وارث الأرض، الذي يحيط بالوجود في أبعاده الذاتية، واللامعنى هو الكفر؛ بما هو نظام منغلق وخانق ينزلق بالإنسان إلى نهاية رهيبة، غير قادرة على احتضان آمالنا الإنسانية. ويوصف أيضا وارث الأرض المتملك للمعنى الديني بالعشق؛ وهو إكسير الحياة في الانبعاث من جديد؛ عشق البشر وعشق الوجود على خط المواجد والجذبات والانجذابات الروحانية التي تحتضن الوجود كله.

إن المعنى الديني، وفق هذا المنظور، يتحقق بالفكر الديني والتصورات الدينية؛ أي إن الدين هو الوحيد الذي يضفي “المعنى” على الإنسان والكائنات، والانفتاح على الروح الإنسانية وعلى الذات، وتحقيق الرغبات إلى ما وراء الدنيا، وإشباع حس الأبد في الوجدان، متجاوزاً مجال العبادات.

وعليه، يصبح (المعنى الديني)، المنطلق من الإيمان، هو “الحب” مع فهم جديد وطري لتحقيق انبعاث عظيم، في انسجام مع فكر الإنسان وحسه وشعوره وتوقعاته، في إطار ميتافيريقا كونية، وليس منظومة فقهية صارمة وجافة.

ويأتي الوصف الثالث لورثة الأرض، من أهل المعنى الديني، وهو العلم بناء على ميزان العقل والمنطق والشعور؛ علم ممزوج بالفكر. كما يحتاج الوارث إلى تصحيح نظره في ملاحظاته عن الكائنات والإنسان والحياة. فالإيمان الديني، يتحرى عنه في الأعماق الإنسانية الحقيقية، في الشعور والفكر والشخصية؛ إذ الشخصية الإنسانية السليمة بطاقة اعتماد مطلوبة في هذا السياق، وإلا فلن يتحقق “المعنى الديني” مع أناس فقراء في قيمهم الإنسانية وضعفاء في شخصياتهم، وإن ظهرت على أشكالهم مظاهر الإيمان والصلاح. ويربط فتح الله كولن بين “المعنى الديني” القائم على السلوك وبين حرية الفكر، وتذوق حس الحرية؛ فهي الباب السحري الذي ينفتح على أسرار الذات، ويصعب إطلاق صفة الإنسان على من لم يلج باب الحرية، ومن لم ينطلق في عمقه؛ فبالحرية نحمي خام الإنسان البسيط، والذي يمد البصر إلى اللانهايات لإزالة القيود عن الإرادة والفكر والصدر، ونتخلص، بالحرية، من المقدسات المصطنعة.

وهذا المعنى الديني، القائم على الحرية، يعجز عن تحقيقه الفكر العلماني، والذي غلق أبوابه في وجه العلم ممزوجا بالفكر، وحرم نفسه من قوة الإبداع والإنشاء، كما لن يحققه الفكر الديني، الذي أغرق نفسه في قراءة المناقب، بدلا عن العشق والشوق في حالة من اختناق القلب والعقل، مما يتطلب بناء “المعنى الديني” عبر إحداث ممرات إلهام وتفكر في أعماق الإنسان النفسية، وتجاوز الانسدادات في الفكر العلماني وكذا في الفكر الديني الفقهي.

ويأتي في هذه الحالة دور الفكر الرياضي المفعم بالأسرار القادر على توضيح المناسبات بين البشر وبين الأشياء؛ فالرياضيات، بنظر كولن، مصدر نور يضيء طريقا ممتدا من الكائنات إلى الحياة، وإلى ما بعد أفق الإنسان، بل إلى أعماق عالم الإمكان عسير التفكير فيه وتحمله، والالتحام بالغايات المعنوية العميقة المنغرسة مدخلاتها في منظومتنا الفكرية والإيمانية.

إن المعنى الديني يتحقق، عند كولن، عندما يصبح العلم بعدا من أبعاد الدين وخادما له، والعقل طيف نور يصل به الإلهام أينما يشاء، وتصبح المكتسبات التجريبية منشورا يعكس روح الوجود، ويصبح كل شيء بصوت أناشيد المعرفة والمحبة والذوق الروحاني؛ [5] بل يصبح المفكر في هذه الحالة بطلا أسطوريا للمعنى خائضا في كفاح مستمر في أعماق قلبه بعشق وحكمة وبصيرة.

هذا “المعنى الديني” هو الذي دافع عنه الفيلسوف الألماني شلايرماخر[6] نهاية القرن الثامن عشر الميلادي في كتابه: (عن الدين: حوارات مع محتقريه من المثقفين). فقد حمل الكتاب أفكارا لاهوتية كبيرة تريد استعادة “المعنى الديني”، بإعادة هيبة الدين وكرامته، بما هو نظام فكري وأخلاقي لكل الناس، سواء كانوا متعلمين أو نخبا. ويتشكل الكتاب من خمسة خطابات، أولها بعنوان، “دفاعا عن التجربة الدينية”[7].

وقد اكتسى هذا الدفاع طابعا تأسيسيا ل(المعنى الديني) في أذهان المثقفين؛ أولئك الذين أصابتهم الأنا المتعالية عما يعتقدونه فكرا تقليديا، أي الفكر الديني، بما هو فكر مهمل ومحتقر. وسعى شلايماخر إلى تصحيح تأويل فكرة الدين في أذهان مثقفي عصره، وإلى تقديم أطروحته حول “المعنى الديني”، وبالتالي إثبات صدق التجربة الدينية، التي انهزمت في وقت ما، أمام إرث من المعتقدات والفلسفات والفرضيات الفكرية ذات الجاذبية القوية، مما أضعف فاعلية الدين وضيق مساحته في حياة المثقفين.

يدعو شلايرماخر المثقفين إلى إدراك المعنى الديني، بل إلى تذوقه عبر التخلي عن الوعي المتعالي، وعدم إغفال الارتداد إلى الذات لفهمها. ويفاجئهم بجهلهم بكيفية التعامل مع لحظة عفوية ومباغتة في حضرة صمت مقدس سيواجهونه، إذا ما زاروا معبدا مهجورا أو مقبرة؛ فلن يجدوا أمامهم إلا ذكر الله وتمجيده، والانغماس في اللحظة المقدسة. كما أن أجمل ما في مكتبة المثقف قداسة، ليست الذخائر العقلية، ولكن خطب الفلاسفة وأناشيد الشعراء ونصوص الدين.

وإذا كان المثقف يعتقد بأن الهوية والفنون والعلوم قاعدة أساسية لانبثاق المكونات العقلية المعرفية الطبيعية الدقيقة والمعقدة، فإن القاعدة العقلية للمثقف تعجز عن الإحاطة بخلفيات تلك الأنساق في الأدب والفنون والفلسفة والشعر… فهو بذلك أبعد عن الإحاطة بالحياة الأخرى، وكينونتها الأبدية المقدسة. لذا ما عادت مشاعر المثقف قادرة على التناغم مع الدين؛ إذ تحولت الدنيا في النسيج العقلي للمثقف إلى قيمة متعالية على اللحظة التاريخية، مما قوض أية حاجة للدين أو الانخراط في حالة من تأمل الخلود ومعايشته.

لقد خلق المثقف كونا خاصا به، وكذا سياقا معياريا يحمل تجليات ثقافة العصر، والتي تستبعد التفكير في الدين والرغبة في إدراك “المعنى الديني”؛ أي التفكير في القوة الروحية، وفي مركزيتها وفي مركزية الله.

لقد افتقد “المعنى الديني”، إذاً، قيمته عند المثقف لافتقاد الدين ذاته جاذبيته وقوته الإقناعية في بؤرته ونواته، لذا شاع خطاب التهكم والسخرية من الدين، والاستخفاف بالخبرات والمعارف الدينية. فأمام هذا التراخي في الوعي بالدين، وفي موقعه في حياة المثقفين، أصر شلايرماخر على التعمق في الحديث عن الدين إلى المثقفين، باعتباره منطلقا مرجعيا سابقا على كل أنماط العلاقات الواعية بين الإنسان والعالم، كما ألح على استحالة زحزحة الأحاسيس والتجارب الدينية عن مواقعها الفكرية والاجتماعية في الوجود الإنساني.

لذلك، سعى شلايرماخر إلى الاستدلال على (الطابع الخلاق للدين)، رافضا الافتراضات الفكرية غير المقنعة التي تتحدث عن (تكريس ابتذال الدين) و(تدهور الدين وأفوله)، مؤكداً أن الدين كان دائما في وضع أفضل، مع ضرورة التمييز بين (حالة الدين)، و(حالة المتدينين)؛ ممن يسميهم شلايرماخر بـ “السطحيين المتباكين”؛ ممن يعوضون الوشائج الروحية بكميات من العويل، وفرض القيود على الناس. وعمل على تقديم (المعنى الديني) للمثقفين بشكل موضوعي؛ أي خارج منطق مواقفه وقناعاته الفكرية، مع أنه يعرف بأنه يقدم تصورا عن الدين بالمعنى الديني؛ أي من خلال تجربته الباطنية والقوة الكامنة في أعماقه التي تشعره دوما بوجوده، مما يعد مقاما أعلى أبديا في داخله.

إن المعنى الديني يتحقق، عند كولن، عندما يصبح العلم بعدا من أبعاد الدين وخادما له، والعقل طيف نور يصل به الإلهام أينما يشاء، وتصبح المكتسبات التجريبية منشورا يعكس روح الوجود، ويصبح كل شيء بصوت أناشيد المعرفة والمحبة والذوق الروحاني

وعليه، تصبح الحقيقة الربانية للوجود، بنظر شلايرماخر، (ملزمة بمنظومة متناسقة من قوانين ضبط التركيب الداخلي للكون غير القابل للتغيير)، في إطار من التجانس والالتحام بين مظاهر القوى المتنافرة داخل وجود منفرد وكائن بذاته، عكس الحقيقة المادية في العالم المادي، والتي ليست إلا لعبة أبدية من القوى المتعارضة؛ أي صراع نقيضين متعارضين هما قدرة: (التجاذب) و(التنافر)، مع انجذاب الأشياء لتحقيق وجودها الخاص إلى قوتين طبيعيتين هما: (النزوع نحو الوجود المستقل بذاته)، و(التعبير عن تجلياته الحيوية)، بالانشداد للحياة. والمعنى الديني، أو إعادة الروح، هو القادر على تتبع أبعاد هاتين القوتين، وإلا سيصبح الإنسان ضحية صراعهما، وسيصبح سعيه كله لما يجد فيه متعة، ويتجه لما يصبو لنيله من أشياء، مع الانقياذ الأعمى لها في دورة لا تنتهي وسعي غير محدود، لنيل الأشياء الأخرى اللاحقة، رغبة في النمو والزيادة، غير منتبه إلى قيمة الأشياء والظواهر الفردية يصبح مدفوعا برغبة جامحة لتطويع جميع الأشياء لتستجيب لرهان العقل المجرد (بتعبير طه عبد الرحمن)، ومنجزه وفهمه المجرد أيضا عن الحرية واللذة والمنفعة. إنه سير في اتجاه غير محدد، ثم الوصول إلى نقطة ذات صبغة عقلانية جافة لا تتيح الفرصة بتاتا لفك شفرة الوجود. وأما المثقف المتزن، فهو الذي يلج أسرار ما ينخرط فيه في النظام الكوني الأخروي، ويكشف بعينه المتقدة المنفردة لحظة انبلاج (المعنى) في لب الدين، فيدرك ذاته والذات الواقعة على النقيض منها. ولما كان هذا النوع من المثقفين قليلا، يبعث الله الأنبياء والوسطاء، محددا دورهم في الربط بين الحقائق العقلية والحقائق الوجودية بطريقة مثمرة، ويتحركون وفق أمر الله ومشيئته؛ أي ينهلون من قوة أبدية خالدة، وينهجون طريقا تمكنهم من الكشف عن طابعها الدينامي في مجمل مواقفهم وتعاملاتهم؛ إذ يكونون قادرين على بناء الأشياء وترتيبها في العالم الصغير الحامل لرؤاهم العقلية، فيكونون قادرين على فهم الكتلة الخام من أمور الدنيا وتقعيدها، وتكون طريقتهم في هذه الحالة أكثر فعالية وأكثر عقلانية، ومتعتهم أكثر اتساقا وثباتا وإنسانية؛ إنه دور الرسول الرباني، وهو الذي يستلهم منه المثقف الديني مهامه وخطوطه الفكرية؛ أي الوساطة بين محدودية الإنسان ولا نهائية الإنسانية، فيتجاوز بفضل قوته الروحية والعقلية زيف التنظيرات المثالية التي تجزئ الوجود، ويكشف صنائع الذهن البشري، وسوء تقديره لـ”صوت الله”، ويصالح الإنسان مع ذاته، ومع وجوده من خلال “المعنى الديني”.

أكيد أن المثقفين الدينيين أو الوسطاء، بتعبير شلايرماخر، يحتاجون إلى قضايا دنيوية وحسية تعلمهم إدراك القوة الأساسية العليا للإنسانية، ليحيطوها ببصائرهم ورؤاهم العميقة، للوصول إلى جوهر الأشياء ومنح الوجود ماله من أبعاد خارجية وداخلية؛ أي انطلاق العقل تجاه المطلق، باعتباره موضوعا وظاهرة مفهومة وأفقا دلاليا مدركا. بذلك، يستطيع المثقف الديني تقريب البعد للمثقف المحتقر للدين، وإخراجه من حالة النظر في القضايا ذات البعد المحدود، عندها يصبح “المعنى الديني” هو البذرة النائمة الباعثة للصورة الإنسانية الأفضل، والقائمة على إشعال جذوة الحب المطلق اللامتناهي، فتصبح الحياة شكلا من أشكال التواصل مع هذا المطلق؛ به تتصالح أهواء أهل الأرض مع إرادة السماء.

وعليه، يتحول “المعنى الديني”، عند شلايرماخر، إلى نوع من (الكهنوت العالي)، أو (الحكمة)، عند فتح الله كولن، الذي يكشف عن الأسرار الروحية، ويُحدِّث عن ملكوت الله، ويصبح مصدرا لكل الرؤى والنبوءات متجاوزا كهنوت الإنسانية الأرضي. لذا، يدعو شلايرماخر المثقفين إلى التوغل في عمق المقدس، لما فيه من ملاذات آمنة؛ عندها يصبح للكلمة المهموسة حظها من الفهم، لأن التفسير الأكثر وضوحا هو قراءة ناشئة عن سوء التفسير.

واضطر شلايرماخر، في خطابه إلى المثقفين المحتقرين للدين، إلى الحديث عن الدين كتجربة شخصية خاصة به؛ فقد كان الدين بالنسبة إليه رحما أموميا حميما احتضن ظلمته المقدسة في سنوات شبابه، منه استمد الإجابة عما استغلق عليه من تساؤلات العالم، وتنفست روحه وكذا عقله داخل كوته، قبل اكتشاف ما يحيط به من علوم ومعارف وخبرات؛ فالحالة الدينية عنده فوق هذه الخبرات والمعارف.

لقد كان الدين في تجربة شلايرماخر، نفاذا نقديا ومحضنا فكريا، طهر به قلبه من قمامات العصور القديمة، وتعلم منه التعاطي مع نفسه، وسبر السلوك الإنساني وكذا مفهوم الصداقة والحب. إن الدين الذي يغترف منه شلايرماخر ليس موجودا بالضرورة في الكتب المقدسة، وهو مفهوم مغلوط يجتاح الكثير من المثقفين وكذا المتدينين، وهو فهم للدين داخل إطار عقلي مغلق ينحو منحى تجريبيا نسبيا، عندها يصبح الدين حبرا على ورق لا يثير انتباه أحد، أو مادة مقدسة دنيويا بعيدة عن الحقيقة ومبعدة لنا عن الدخول الحقيقي في آفاق الدين، بوصفه شرط الحقائق الناصعة، ومآل محبة الكمال الإنساني.

إن (المعنى الديني) وفق هذه المقاربة ليس إلا تمردا على غطرسة المادة وتحكمها. تمرد عليها بالإشراق الروحي والخشوع والاعتدال والتواضع، مع نزع حالة الرهبة والخوف التي تصيب الإنسان، بفعل تسلط المادة، كلما هم بالاقتراب من السماء، وهي الرهبة التي ساهمت في تلاشي صوت الدين بما يثير السخرية.

وبذلك، غادر الدين الحياة في صمت وترك الإنسان تائهاً، وخصوصا المثقفين، لذلك سعى شلايرماخر إلى الوصول إلى استثارة النزعة الغريزية المقدسة في المثقفين، والتي يخفونها بحديثهم عن الأخلاق والعدالة والحرية في إطار أفقهم العقلي المادي المحدود.

إن إحياء “المعنى الديني” يعني إنتاج الوعي العالي بإرادة الإنسان واشتراطات وجوده؛ إنه النفاذ إلى فطرة الإنسان، أي البنى العميقة في الذات، منبع الأفكار والانطباعات والخبرات البشرية، والدخول إلى معبد الإنسان؛ حيث المقدس الذي أغفله المثقفون لاستغواره والبحث في أسراره. والمثقف هو المؤهل أكثر من غيره للقيام بهكذا مهمة دقيقة وعميقة لتحديد أصول تفكيره وأسرار سلوكه.

ويدرك شلايرماخر، أن النزوع العام للمثقفين في عصره هو تحجيم الدين داخل البنية الفكرية والاجتماعية مع الحفاظ على خياله، بما هو مشاعر مقدسة، إلا أنه يرى ألا شيء أهم من الدين يثير اهتمامه، لذلك بحث في ظاهرة احتقار المثقفين للدين، بحث في هذا الموقف من حيث صور تشكله وماهيته ومصادره، وهل المقصود احتقار الدين كجزئيات أو بشكل كلي؟

إن إحياء “المعنى الديني” يعني إنتاج الوعي العالي بإرادة الإنسان واشتراطات وجوده؛ إنه النفاذ إلى فطرة الإنسان، أي البنى العميقة في الذات، منبع الأفكار والانطباعات والخبرات البشرية، والدخول إلى معبد الإنسان؛

كما بحث شلايرماخر في اختلاف المذاهب والطوائف الدينية، وكشف عن الطابع الانفعالي للمثقفين في مناقشة قضايا الدين، وعن التجاوزات التي يقعون فيها عند تأويل نصوصه أو تفسيرها وكذا ظواهره؛ فهم يحتقرون الدين، لأنه، بنظرهم، لا يقدم عوامل فهمه، وهو بذلك ظاهرة مخادعة تجثم على جزء من أجزاء الحقيقة. ويتخذ المثقفون هذا التصور مبدءا معياريا عن محتوى الدين في جميع تشكلاته التاريخية، مع أن تصور المثقفين للدين ليس إلا نتاج تجاربهم الذاتية يستعملونها لطمس الدين، واحتقار المعنى الديني.

وناقش شلايرماخر مع المثقفين المحتقرين للدين ظاهرة “الألوهية” في الدين كنظام قابل للفهم، خارج منطق اختزال العلاقة بين الوجود والوعي التي ذهب ضحيتها المثقفون. فاشتغال الدين، بنظر شلايرماخر، يكون في إطار جلي وظاهر للعيان، ويتحرك في مساحة عقلية تمزج بين كل وظائف النفس البشرية، كما يمنح للمثقف قدرة إدراج أنشطته داخل نسق مدهش للتأمل المطلق، خارج منطق الأنظمة المعرفية المدرسية التي تحجب التأمل الحر للمثقف، وتغرقه في طوفان من المعلومات والمعارف الباردة التي نشأت في مسارات محددة وأحادية.

إن الدين والمعنى الديني يمنحان للمثقف مشاعر مقدسة، وآفاقاً مشرقة، يسهل بها للضعفاء حل مشاكل ذواتهم، وتعميق فطرة الخير في أنفسهم. ولهذا، دعا شلايرماخر المثقفين بحرارة إلى إعادة النظر في مواقفهم، وتصحيح مساراتهم في علاقاتهم بالوجود وبالحقيقة؛ إذ يضيعون فرص استلهام آليات الارتفاع بالواقع وخدمة الحرية من الدين نفسه.

ويبقى الدين وفق هذه المقاربة رهبة وقداسة وحفلا لا نهائيا للعقل، ينشأ داخل روح طاهرة، وينتمي إلى منطقة غامضة وغريبة من مناطق النفس البشرية، تحرك القيم النبيلة والمتفوقة في الإنسان، سلوكا أو تأويلا؛ إنه (المعنى الديني).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

[1]- نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 14

[2]- فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، ص 11

[3]- في القرآن الكريم: “ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون” الأنبياء/ 105

[4]- فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، ص 24

[5]- فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، ص 68

[6]- فريديريك شلايرماخر (1768-1834) فيلسوف ألماني في علم اللاهوت. من مؤسسي نظرية الهيرمينوطيقا العامة.

[7]- دفاعا عن التجربة الدينية، ترجمة أسامة الشحماني، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 53-54 شتاء ربيع 1434/2013، ص 221-242

المصدر: http://www.mominoun.com