تَطلّبَ إنجاز المشروعات التعليمية التي تصورّها فتح الله كولن موارد بشرية ومالية كبيرة. فهناك حاجة إلى مدرسين وإداريين متفانين في تحقيق جودة التعليم ومستعدين للقيام بكل تضحية للإجادة في تعليم طلابهم. كما يجب على الآباء أن يبدوا رغبة كبرى للعمل مع المدرسين وإدارات المدارس لتحقيق أهداف التعليم المشتركة.

استنفار الطاقات

لتحقيق تلك الأهداف السامية كان من الضروري التبرع من خلال إنشاء صناديق خيرية. ولذلك بدأ كولن، في بدايات العمل الدعوي، في الحديث مع الناس من جميع طبقات المجتمع التركي، وزار جماعات في كل مكان استطاع الوصول إليه، في المقاهي والمساجد وفي البيوت وفي جميع القرى الصغيرة والبلدات والمدن في جميع أنحاء تركيا.

شجع كولن رجال الأعمال الكبار والصغار على أن يدعموا التعليم الجيد.

وبغض النظر عمن كان يخاطب، فقد كانت رسالته واحدة، وهي تعليم صحيح في مدارس عالية الجودة. ولتحقيق ذلك فهناك ضرورة للخدمة التطوعية والمساهمات المالية. لقد شجع كولن باستمرار النخبة الاجتماعية والقادة والأثرياء الصناعيين ورجال الأعمال الصغار على حد سواء على دعم التعليم الجيد. وبتبرعات من هؤلاء الأفراد تأسست صناديق تعليمية لدعم مئات المدارس في كل من تركيا وخارج تركيا.

قيم مشتركة

لقد جنح كولن في خطبه ومناشداته نحو أفكار وقيم مشتركة دعت إليها جميع الأديان السماوية مثل: الواجب والالتزام الأخلاقي والمساهمات النزيهة والخدمة التطوعية، وكما تبين “سفندي”:  فكولن يؤمن بالمشاريع الحرة، ويشجع على تنفيذها، ويؤكد في خطبه أن المؤمنين لا بد أن يكونوا أغنياء ويعملوا على إنماء أعمالهم على المستوى الكوني الذي يرى كولن فيه مستقبل الاقتصاد في العالم، وبالتالي فجزء من ثرواتهم المتراكمة يجب أن يذهب إلى دعم العديد من المشاريع التعليمية التي تعمل لمكافحة الجهل والفقر والتخلف. يقول كولن دائما إن وجود سوق حرة قوية أمر ضروري لإنماء الثروة الاقتصادية، وهذا بدوره يمكن أن يدعم نظام التعليم الحديث الذي في النهاية سوف يفيد  المسلمين والدولة التركية والأسرة البشرية.

المدارس التي استلهمت أفكار كولن تعلم المواد العلمية إلى جانب القيم الأخلاقية.

المسؤولية الاجتماعية

في الثمانينات – وفي حكم الرئيس تورغوط أوزال- أدى تحرير الاقتصاد التركي إلى ظهور طبقة جديدة لتنظيم المشاريع الاقتصادية التي راكمت ثرواتها من الاستثمار في الأعمال التجارية في كل من تركيا وعلى مستوى العالم، وانجذب العديد من رجال الأعمال لأفكار كولن في إطلاق المشاريع وتراكم الثروات بجانب المسؤولية الاجتماعية لدعم المشاريع الخدمية، خاصة فيما يتعلق بالتعليم الجيد والمشاريع التي سوف تسهم في تعزيز التعليم. لقد كانت المدارس التي استلهمت أفكار كولن تعلم المواد العلمية الدنيوية إلى جانب القيم الأخلاقية السامية، وتهدف إلى إخراج نموذج إنسان جمع بين قوة العلم وقوة الشخصية الأخلاقية.

       شجع كولن الطبقة الجديدة من أصحاب الأعمال للبدء في دعم مساكن الطلبة حيث يمكن  للطلاب  الإقامة فيها والدراسة سويا تحت إشراف معلمين مختصين. والخطوة التالية التي حثّ عليها تمويل الدورات التحضيرية للجامعات لإعداد الطلاب لدخول التصفيات الوطنية للتسجيل في الجامعات، وأخيرا شجعهم على تمويل المدارس الخاصة المدنية.

      وكان من توجيهات كولن أن لكل فرد دورا يلعبه لجعل مدارس تركيا من أفضل المدارس، ودعا القادرين لأداء هذا الدور ومن لديهم الرغبة في ذلك ليكونوا إداريين ومدرسين في تلك المدارس. وكان على أصحاب الأعمال أن يزيدوا من ثرواتهم لكي يدعموا المشاريع التعليمية ماليا؛ كانوا يؤمنون بأنهم ينبغي أن يكسبوا أكثر، ليس فقط لمنفعتهم الشخصية ولكن لكي يدعموا المشاريع الخدمية المفيدة. لقد حث كولن رجال الأعمال على دمج مصادرهم  وطاقاتهم في صناديق خيرية لا يستفيد منها أحد غير الطلاب فحسب، وبالنسبة للعديد من رجال الأعمال أصبح بناء المدارس يعادل بناء المساجد.

حثّ كولن رجال الأعمال على دمج مصادرهم في صناديق خيرية لا يستفيد منها أحد غير الطلاب.

المربي الزاهد

بينما كان فتح الله كولن يشجع رجال الأعمال على أن يستثمروا ويزيدوا من إمكاناتهم المادية، بقي هو نفسه فقيرا زاهدا. هذا الزهد والإيثار والتفرغ لتحقيق الأهداف السامية حفّز  المدرسين والآباء والداعمين للمساهمة في الصالح العام بكل الطرق وعلى قدر استطاعتهم. واللافت للنظر أن كولن ظل بعيدا عن الإدارة المالية في كل المؤسسات المرتبطة بالحركة. وبدلا من ذلك شجع الداعمين لتلك المؤسسات على الإشراف الفعلي على إدارة أموالهم، الأمر الذي بنى ثقة كبيرة في نفوسهم حول نزاهة كولن وأمانته.

     يشير كولن دائما  إلى كلمة لعلي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين : “الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”. يقول كولن إن البشر هم أشرف المخلوقات، ومن ابتغى الزيادة في الشرف فعليه أن يخدم هذا المخلوق المشرف. ومن ثم يرى أن توفير التعليم الجيد من خلال المشروعات الإيثارية والصناديق الخيرية واحد من أنبل الطرق لإظهار الاحترام والإجلال للأخوة  الإنسانية، وبالتالي يعتبر العمل جزء من عبادة الله حتى ولو كان قليلا من مال يتبرع به أحدهم للخدمة، أما تعليم الإنسان وتنمية قدراته فهي أعظم عبادة.

        لقد أحيت أفكار كولن الخدمية الديناميّاتِ الخيرية والإيثارية وروحَ الإحسان المتأصلة في الثقافة التركية، وملأت الفجوةَ التي تركتها السياسيات الحكومية. لقد غيّر كولن أفهام الناس من خلال الإتيان بفهم جديد للدين والعلم والعلمانية والخدمات الاجتماعية والتعليمية، وأكد على أن الإنسانية –ناهينك عن تركيا- تحتاج إلى  التسامح والإيثار بقلوب رحبة وعقول متفتحة، تحترم التفكير الحر، وتنفتح على العلم والبحث العلمي، وتكون قادرة على التعايش مع أبناء الشرائع والثقافات المختلفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: هيلين روز،حركة كولن، تحليل سوسيولوجي لحركة مدنية جذورها الإسلام المعتدل.