بيَّن الأستاذ فتح الله كولن أن “الجهاد الأصغر” (بمعناه القتالي) ليس إلا تنفيذًا عمليًّا لأوامر الدين بشروطٍ وقيود، وهو مجرد جزء من الجهاد. وأما الجهاد الأكبر فهو: “إعلان الحرب على جميع العوائق الكامنة في النفس الإنسانية، والتي تُعيق المسلم عن الكمالات من حقدٍ وغلّ وحسد وأنانية وغرور وكبر وفخر وأمثالها من الأمور التي جبلت عليها النفس الأمارة بالسوء”[1].

فهذا الجهاد عسير وشاق، ولهذا سُمّي بـ”الجهاد الأكبر”، ولأنه يستمر العمر كله. وقد كان السلف الصالح (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) يجمعون بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر تطبيقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله”.

لقد كانوا فرسانًا بالنهار ورهبانًا بالليل، فلم ينسحبوا إلى الزوايا أو ينشغلوا بالذكر وحده بمعناه المحدود، بل كانت حياتهم كلها ذكرًا، وقد اندمجوا في المجتمع، وساروا بين الناس، فكان الجهاد الأكبر طريقًا لتيسير الجهاد الأصغر على النفس، فالنفس المجاهدة العمر كله يسهل عليها الجهاد لأيام أو شهور معدودة”[2].

الجهاد كسب ميزة أخرى بظهور الإسلام، إذ صار علَمًا على تحقيق إيصال الإنسان إلى الله – سبحانه وتعالى – بإزالة العوائق بينه وبين الله تعالى.  

مفهوم الجهاد برؤية جديدة

من الرؤى الجديدة المتصلة بمفهوم الجهاد ما يراه فتح الله كولن من “أن الجهاد قد كسب ميزة أخرى بظهور الإسلام، إذ صار علَمًا على تحقيق إيصال الإنسان إلى الله – سبحانه وتعالى – بإزالة العوائق بينه وبين الله تعالى، وحيثما يُذكر الجهاد في الوقت الحاضر يرِد هذا المعنى على البال”[3] أو يجب أن يرد هذا المعنى على البال بالتعبير الصحيح.

“ونتيجة لهذا يجب أن يتجه –في مستوييه – إلى جهتين اثنتين: الأولى موجهة إلى الداخل، والأخرى موجهة إلى الخارج. ويمكننا أن نعرّف كلاًّ من الجهادين بالآتي: إنّ بذل الجهد إلى الداخل عبارة عن عملية إيصال الإنسان إلى ذاته وإلى ربه، أما الجهاد الآخر الموجّه إلى الخارج فهو عملية إيصال الآخرين إلى ذواتهم وإلى ربهم”[4].

إن ميدان الجهاد واسع جدًّا يمتد من الشرق إلى الغرب، وعلى سعته وشموله قد يكون كلمة واحدة أو سكوتًا وصمتًا، أو تبسمًا وطلقة وجه، أو امتعاضًا ونفورًا، أو ترْكًا لمجلس، أو مشاركة فيه.

“الجهاد الأصغر ليس هو شكل الجهاد الذي يؤدّى في جبهة القتال فحسب، فهذا النمط من الفهم يُقلّص أُفق الجهاد. وحتى مفهوم الجهاد الأصغر كان رائعًا، وقد انتهى المؤلف إلى أن الجهاد ليس محصورًا في هذه الساعات القتالية تحت ظلال السيوف، بل يضم بين جناحيه أشكالاً أخرى متعددة، “حيث إن ميدان الجهاد واسع جدًّا يمتد من الشرق إلى الغرب، وعلى سعته وشموله قد يكون كلمة واحدة أو سكوتًا وصمتًا، أو تبسمًا وطلقة وجه، أو امتعاضًا ونفورًا، أو ترْكًا لمجلس، أو مشاركة فيه.. وباختصار هو القيام بأي عمل من الأعمال لوجه الله، وتقويم الحب في الله والبغض لله في هذا السبيل”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) فتح الله كولن، روح الجهاد وحقيقته في الإسلام، صـ28.

([2] ) المرجع السابق، صـ36.

([3])  المرجع نفسه، صـ21.

([4] ) المرجع نفسه، نفس الصفحة.

المصدر: عبد الحليم عويس، فتح الله كولن رائد النهضة الراشدة في تركيا المعاصرة، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 2013، صـ178/ 179.

ملاحظة: عنوان المقال، والعنوان الجانبي من تصرف محرر الموقع.