هل كانت محاولة الانقلاب هبة من الله لأردوغان فعلاً؟ أم أنه من تدبير حلفاء أردوغان في الدولة العميقة حتى يتسنى لأردوغان وحزبه التفرّد بالسلطة إلى الأبد؟

هذه الأسئلة برغم الإجابة عليها بالعديد من التحليلات العلمية، إلا أن دليلاً ماديًّا كشف عنه الصحفي التركي أحمد دونماز، أكَّد من خلال وثيقة حصل عليها من مصادره الخاصة، أن الانقلاب كان مدبرًّا، وبعلم مسبق من السلطات التركية.

الوثيقة التي نشرها الصحفي التركي، عبارة عن محضر رسمي ضمن ملفات المحاولة الانقلابية الفاشلة، وتخص “قاعدة أكينجي”، وهي قاعدة جوية جرى اتهام عناصرها بالمشاركة في الانقلاب، وتم إغلاقها بعد الحادثة بشهر واحد.

التقرير الذي صدر بعد محاولة الانقلاب بثلاث ساعات بالضبط، ناقش أحداثًا لم تكن قد وقعت بعد، وكأن ذلك التقرير الذي تم إرساله إلى الجهات الرسمية للتحقيق به، قد تنبأ بأحداث الانقلاب قبل وقوعها، مما يضع علامات استفهام حول إن كانت الأحداث اللاحقة قد جرى إعدادها من أفراد في الدولة العميقة؛ أي من مقربين من أردوغان.

على سبيل المثال، ذكرت الوثيقة الرسمية معلومات تتعلق بقصف البرلمان والقصر الرئاسي ومحاصرة القوات العسكرية لمقر المخابرات وقصف مقرات قيادة القوات الخاصة ووحدة الاستخبارات بمديرية الأمن وأحداث أخرى مماثلة، على الرغم من أن هذه الأحداث لم تكن قد وقعت حتى لحظة صدور الوثيقة.

إسقاط الطائرة مسرحية

كان وزير العدل السابق بكر بوزداغ يتحدث في مقر البرلمان عن تمكن السلطات من إسقاط الطائرة التي قصفت البرلمان أثناء أحداث الانقلاب الفاشل إلا أنه لم يتم إسقاط الطائرة في الحقيقة، ما يكشف أن إسقاط الطائرة كان ضمن المسرحية الانقلابية التي أعدها ومثلها تحالف تنظيمي أرجنكون -الدولة العميقة- وأردوغان، لكن لم يجر كل شيء كما خطط له.

تضارب التوقيتات

المعلومات الواردة في التقرير حول توقيت أحداث الانقلاب خاطئة أيضًا، مما يثير تساؤلات حول ما إن كان التقرير قد تم إعداده بناء على محاكاة معدة مسبقا. ويحفل التقرير بفضائح ستشكك ما إن كان مدعي عام هو من قام بإعداده أم مسؤولون سياسيون دبروا انقلابا مصممًا على الفشل لكي يستفيدوا من نتائجه.

ولم يعلن عن نبأ إغلاق قوات الدرك لجسري البوسفور وفاتح سلطان محمد في إسطنبول إلا في تمام الساعة 22.28، بحسب مذكرة ادعاء قاعدة أكينجي، غير أن الموعد المدرج في تقرير النيابة هو في تمام الساعة 21:00 وهو سابق للموعد الفعلي بنحو ساعة ونصف.

وورد في التقرير أيضا محاصرة قوات عسكرية لمباني المخابرات بحي “يني محلة” في أنقرة واشتباك المخابرات مع الوحدات العسكرية المحاصرة لها، غير أنه في تلك الليلة لم تحاصر الفرق العسكرية أيا من مباني المخابرات.

ولم تقصف قيادة العمليات الخاصة كما يزعم تقرير النيابة بل تم قصف العمليات الخاصة التابعة للشرطة.

وفي الجزء الخاص بالقصر الرئاسي لم يتم محاصرة المجمع الرئاسي مثلما زعم تقرير النيابة، كما لم يتم قصفه عشية المحاولة الانقلابية بل تم قصف مواقف السيارات والتقاطع الجسري المجاور.

وبحسب مذكرة ادعاء قاعدة أكينجي فإن القصف تم في تمام الساعة 6:19، أي بعد نحو 5 ساعات ونصف من التاريخ الوارد في تقرير النيابة هذا.

الخطأ الآخر بالتقرير المؤلف من ورقة واحدة هو المعلومات المتعلقة بإلقاء الطائرات قنابل صوتية في تلك الليلة، إذ أنه لم يتم استخدام هذه القنابل حينها. واعتبر البعض الانفجار الصوتي النابع من التحليق المنخفض وسرعته أنه قنبلة صوتية.

من ضمن الأخطاء أيضا المعلومات التي تزعم قيام الانقلابيين بتعيينات جديدة في رئاسة الأركان والقيادات العسكرية الأخرى وإعلانها للرأي العام، إذ أنه لم يحدث شيء كهذا.

ماذا تعني الوثيقة؟

عقب هذه الوثيقة التي أدرجت ضمن نظام النيابة التركي الرسمي انطلقت تحقيقات سريعة ونفذت القوات التركية أولى حملات الاعتقالات.

وفي اليوم التالي للمحاولة الانقلابية تم اعتقال المئات استنادا على هذه الوثيقة المليئة بالأخطاء.

وتم إعلان حركة الخدمة تنظيما إرهابيا وامتلأت السجون بأنصاره قبل بلوغ الواقعة مرحلة المحاكمة وقبل انتهاء المحاكمة.

بالنظر إلى هذه الوثيقة والأحداث التي سبقت وتلت الخامس عشر من يوليو/ تموز عام 2016 وتصرفات الرئيس التركي ورئيس المخابرات والعديد من المسؤولين البارزين الآخرين وتصريحاتهم المتناقضة وتهربهم من القضاء وعدم إدلائهم بإفادتهم والأحداث التي وقعت اعتبارا من توقيع هذا التقرير وحملات التصفية والمرحلة التي بلغتها تركيا سياسيا يمكننا القول إن السلطات التركية كانت على علم بجزء كبير من الأحداث التي وقعت تلك الليلة ولهذا كان انقلابا تحت السيطرة على أقل تقدير إن لم تدبره منذ البداية.

 

 

 

 

About The Author

تخرج من جامعة الأزهر كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، حصل على دبلوم الأديان المقارنة، وماجستير فلسفة الأديان المقارنة عن أطروحة: "التجديد في الفكر الديني المعاصر في تركيا فتح الله كولن نموذجا"، ودكتوراه فلسفة ودراسات بحوث الديانات من جامعة الزقازيق بتقدير مرتبة الشرف الأولى، عن أطروحة: "حوار الدين والعلمانية في تركيا حزب العدالة والتنمية نموذجا"، عمل مدرسًا للعلوم الشرعية بالأزهر الشريف، وأستاذا للدراسات الإسلامية واللغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة بدر الإسلامية بجمهورية ألبانيا، وجامعة فاتح بجمهورية تركيا، ومستشارًا أكاديميا لمشروع نسمات للدراسات الاجتماعية والحضارية.

Related Posts