منذ مسرحية الانقلاب في يوليو 2016، استولى نظام الرئيس التركي رجب أردوغان، على عشرات الشركات التابعة لحركة “الخدمة”، بزعم تورطها في تمويل ودعم الإرهاب، قبل أن يتم الكشف مؤخرًا بأن تلك الشركات باتت “غنيمة سهلة”، و”لقمة سائغة” في أفواه الرئيس التركي والموالين له من عناصر حزب “العدالة والتنمية” الذي يرفع شعارات إسلامية تحرّم وتجرّم الاعتداء على الملكية الخاصة للأفراد والمؤسسات.

النهب المباشر أمر لا يفضله رجال أردوغان، لذا فقد كان ضروريًا بالنسبة لهم، البحث عن طرق ملتوية تنتهي بهم إلى حيازة ملايين الليرات والدولارات، في الخفاء، غير مدركين أن خيوط الصباح دائمًا ما تفضح اللاهثين في العتمة من اللصوص.
فساد رجال “العدالة والتنمية”، كشفه موقع “بولد” التركي، من خلال سرد وقائع نهب لإحدى تلك الشركات التي أخضعها النظام في تركيا لسيطرته، منذ عام 2016، وهي شركة “Aynes”.
الشركة المتخصصة في المواد الغذائية، استولى عليها صندوق تأمين ودائع الادخار في تركيا، وتم تعيين وصي للقيام على شؤونها، قبل أن يتم الكشف مؤخرًا عن استغلال الشركة لتحقيق مصالح شخصية لقيادات الحزب الحاكم في وقائع فساد كبيرة.
ما كشفه الموقع التركي يقول إن الشركة أرسلت منتجاتها بأسعار بخسة إلى فرع لها تم إنشاؤه في جورجيا باسم “Global Geo”، بقرار من وصي الشركة الذي يتولى منصب نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، يوسف عزت أيهان، ومدير التجارة الخارجية محمد أوزدمير، عام 2017.

 

أرباح شخصية

تحقيق فرع الشركة في جورجيا ربحا بآلاف الدولارات في يوم واحد، كان أحد أبرز وقائع الفساد، فوفق صحيفة “بيرجون” التركية، باعت الشركة في عام 2018 بروتينا خاصا عبارة عن خليط من البروتينات الكروية المعزولة من مصل اللبن، والذي يفصل عن “خثارة اللبن” كمنتج ثان عند صنع الجبن، إلى الشركة الجورجية في شهر يوليو من العام الماضي مقابل 0.47.50 دولارا، بينما يبلغ سعر البروتين على الأقل 0.71 دولارا وفق الأسعار المعتادة والتي باعت بها الشركة لشركات أخرى في مايو 2018.
الشركة الجورجية، حصلت على 50 طنا من البروتين من الشركة التركية في إحدى الصفقات مقابل 23 ألفا و750 دولارا، وبعد ساعات باعت الشركة الجورجية هذه الكمية بأكثر من 33 ألف دولار، لتحقق بذلك ربحًا مقداره نحو  10 آلاف دولار دون أي مجهود.
هذه الأرباح، ذهبت مباشرة إلى قيادات الحزب الحاكم بشكل شخصي، ففي عام 2018، نقل الوصي على شركة Aynes  يوسف عزت أيهان  50% من ملكية فرع الشركة الجديد في جورجيا إلى عضو مجلس إدارة الوصاية والرئيس السابق للجان الشباب في فرع حزب العدالة والتنمية بمدينة دنيزلي، مليح ساريم.

الفساد في كل مكان

مراد أمير المحامي والنائب عن حزب الشعب الجمهوري في البرلمان التركي قال إن الوصاة الذين وضعهم صندوق تأمين ودائع الادخار على رأس الشركات التي يقول النظام إنها تمول الإرهاب “يعيثون فسادًا ويحققون مصالح شخصية بشكل واضح وفج، ولا يعلم أحد ما هي معايير اختيار هؤلاء الوصاة حتى من قبل البلديات التي يديرها الحزب الحاكم كذلك في بعض الشركات وما هي طريقة محاسبتهم ومعاقبتهم”.

أمير أشار كذلك إلى عدة وقائع “أظهرت فسادًا في بلديات، لكن لم تتدخل السلطات لوقف هذا الفساد ولا الصندوق أو إدارة البلديات”، مضيفًا: “هناك أنشطة تجارية يتربح من خلالها الوصاة على الشركات بشكل شخصي”.

اعتراف رسمي 

نهاية العام الماضي، أقر فؤاد أقطاي، نائب الرئيس التركي رجب أردوغان، بمصادرة الحكومة 1004 شركة، بزعم أن ملاكها على علاقة بمدبري مسرحية الانقلاب في يوليو من عام 2016.
أقطاي كشف، في بيان رسمي، عن نقل إجمالي قيمة الشركات المصادرة البالغة 21.95 مليار ليرة -ما يعادل 4 مليارات دولار- إلى صندوق تأمين ودائع الادخار الحكومية، فيما تشير الدلائل إلى تحويل الأموال المصادرة إلى حسابات رئاسة الجمهورية مباشرة.
الأموال المنهوبة ستذهب إلى “جيوب الرئاسة”، وتأكد الأمر بعد أن عرض أقطاي ميزانية القصر الرئاسي، التي بدأت لجنة الموازنة والتخطيط في البرلمان مناقشتها، وأفاد بتخصيص 663 مليونا و858 ألف ليرة للرئاسة، مشيرا إلى أنه خلال عام 2017 جرى إنفاق 658 مليونا و240 ألفا و298 ليرة، أي ما يعادل 99.2 % من المخصصات، منوها إلى اقتراح تخصيص مليارين و818 مليونا و899 ألف ليرة للشؤون الإدارية برئاسة الجمهورية خلال عام 2010.
نائب الرئيس التركي، أوضح أن صندوق تأمين ودائع الادخار عين وصاة على 1004 شركة في 24 مدينة اعتبارا من 25 أكتوبر 2018، مشيرا إلى أن حجم ممتلكاتها بلغ 55.74 مليار ليرة، وإجمالي مبيعاتها 21.95 مليار ليرة، ومواردها 21.05 مليار ليرة، وأرباحها 1.53 مليار ليرة، ويعمل بها 45 ألفا و477 شخصا.

 

من جانبه، كشف الكاتب التركي علي آغجاكولو، في تصريحات صحافية، أن الاستيلاء على الشركات وممتلكات رجال الأعمال بذريعة تبعيتهم لحركة “الخدمة” “أصبح أمرا تقليديا”، مؤكدا أن الأموال والعقارات المصادرة “لا تذهب إلى خزانة الدولة، إنما ينهبها كبار رجال السلطة، ولم تتوقف الخسائر عند حد السرقة بل تضرر عشرات الآلاف من العمال جراء الحملات المشبوهة ضد شركاتهم”

About The Author

تخرج من جامعة الأزهر كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، حصل على دبلوم الأديان المقارنة، وماجستير فلسفة الأديان المقارنة عن أطروحة: "التجديد في الفكر الديني المعاصر في تركيا فتح الله كولن نموذجا"، ودكتوراه فلسفة ودراسات بحوث الديانات من جامعة الزقازيق بتقدير مرتبة الشرف الأولى، عن أطروحة: "حوار الدين والعلمانية في تركيا حزب العدالة والتنمية نموذجا"، عمل مدرسًا للعلوم الشرعية بالأزهر الشريف، وأستاذا للدراسات الإسلامية واللغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة بدر الإسلامية بجمهورية ألبانيا، وجامعة فاتح بجمهورية تركيا، ومستشارًا أكاديميا لمشروع نسمات للدراسات الاجتماعية والحضارية.

Related Posts