يَمَّمَ الفكرُ الإيماني لدي “فتح الله كولن” وجهَهُ نحو الحياة والمدنية. بعيداً عما كرّسته ذهنية “الاستقالة الحضارية”. وذلك حين انحرفت البوصلة عن جادة التعمير والعمران، وجعلت الكثيرين يستكينون لنمط استسلامي دخيل عن مقاصد الإسلام. فلقد تجددت ـ بظهور الإسلام-المسؤولية الأخلاقية الكونية الملقاة علي عاتق المسلمين، و”خيريتهم المشروطة”: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”(آل عمران: 110). ومبدأ خيرية الأمة في فكر “كولن”، له مقتضيات، إذ لا تحوزه الأمّة ما لم يتحول هذا الوصف الربّاني إلى سجيّة دينامية فارزة، ويكون مقرونًا بمقتضياته من الأهلية والجدارة، فلا خيرية لأمة قاصرة عن النهوض بشرف التكليف الإلهي حيال الكون والعالمين. ومن هنا قام الاجتهاد عند “كولن” على تقديم البعد الخدمي في الدعوة، وجعْله مظهرًا من مظاهر خلوص الإيمان، وعنوانًا من عناوين إثبات اليقين.

المفكر هو مَن شق نهجه مؤطراً بالدين، دون مواقف صورية، وملتزمًا بالإيمان، دون شعارات طوباويّة، ومتسلحاً برؤية تخدم الإنسانية بحق دون واجهةً دعائية.

الفلسفة الإيمانية، والعلاقة بالتراث

يُسفر الفكر الإيماني عن التزام ومسؤولية وانخراط إراديّ، لكن من غير قصد كسبي أو اعتباري، إلا مثوبة الله تعالي. ولا شك أنه فكر “اتباعي، لأن النهر لا ينقطع عن مَنابعه”. لكن خطورة “الإتباع” واقعة متى انْحبس الفكر في “تقليد الماضويّة” بالصورة الشكلية. ويغدو الفكر “فكرًا منغلقا، سلبيًّا”، حين يقتصر على “التواصل المجّاني” مع وديعة الأسلاف وآثارهم، دون الخروج عن المستوى العاطفي، أو تجاوزه من حيث الفهم والتفعيل.

الفكر الإيماني الفعال

المتأمل في فكر الأستاذ “كولن” يري الفكر الإيماني متفتحاً، فعالاً، نشيطاً يستوعب إلى جانب ذخائر الأمّة وتراثها الروحي والعقلي، جماعَ منجزاتِ المعرفة البشرية، ويعي أطوار ومسار المدَنيات، وطيّها الأدوار التاريخية.. فيتغذّى (الفكر) بذلك، ويهضمه، وينمّي منه رؤية حيوية تتحرك في اتّجاه تعزيز الهوية، وتطوير جهوزيتها. ولا يقتصر هذا الفكر علي البعد الاستخصابي، بل يكتسب النجاعة حين يكيف قواه على هضم وإدماج هذه الروافد في حقول معارفه، لتنويع أرضية أصالته، وتسليح الرؤية بها، وتحقيق الإقلاع الحضاري وإعادة الدينامية للمحركات العاطلة أو المعاقة نتيجة القعود المزمن عن الشهود الحضاري.

والفكر الإيماني عند “كولن” هو استصلاح عملي، وتخطيط حضاري، واستشراف تمثلي. الفكر والعمل عنده وجهان لعملة واحدة، وتنطلق النهضة في فلسفته من تجنيد الروح وربطها جذرياً بمبادئ الشريعة؛ وبناء الإنسان الحرّ المسئول، والمدنية التي تعيد للإسلام والإنسان عزّته، وتفتح في وجه البشَرية آفاق التفاهم والتعاضد باعتبارهم عباد الله جميعاً.

ينسجم تفكير “كولن” مع النظرة الشرعية المقرة للإنسان بمسؤوليته في هذا الوجود، فهو فكر يتخطى إشكالية “الجبر والاختيار”.

منهجية “كُولن”:

ينْبع واجب الدعوة إلى الله، في منهج “كولن”، من منظور واقعي، موضوعي، تجديدي؛ إذ يتكيف مع شروط المعاصرة الفكرية، ومكاسب التطور التكنولوجي، وبيداغوجية التفاعل الأممي المعاصر. ويعتمد على خطة الانتشار في الأرض، وتعريف الآخرين بالإسلام عبر بثّ ألوان العون والاستثمار العملي. فالتوسّع في الدعوة والتبليغ عبر البناء الْمَرافقي والترقّي الذي تتحقق به قيم الإسلام، وتظهر آثارها الإحسانية المزكّاة على الأرض ويلمسها الناس ـ علماً وتعليماً ومعرفة واستشفاءـ فيقعون في عشق الإسلام، والانخراط في جغرافيته. إن الفكر عند “كولن” شرطٌ وجوديّ وإيماني، مِحكُّه ومصداقيته هي النفاذُ في الواقع، والتوسع في بذل الخيرات، والإثمار الملموس في الإنسان ومن خلاله.

إنها منهجية تستلهم روح السيرة النبوية، إذ إن الرسول، صلي الله عليه وسلم، سعي من أجل إرساء عقيدة البناء، وترسيخ القدم في الأرض، وتعزيز الموقع: “إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمْ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ، فَلْيَغْرِسْهَا”(رواه أحمد ، وصححه الألباني)؛ وتجسيداً للآية الكريمة: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾(مُحَمَّد:7)؛ وممارسة فعل التجدّد: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الرَّعْد:12). وينسجم تفكير “كولن” مع النظرة الشرعية المقرة للإنسان بمسؤوليته في هذا الوجود، إنه فكر يتخطى إشكالية “الجبر والاختيار” التي طالما شغلت القدامى، فلبثوا يدورون في حلقة مفرغة.

————————————————–

المصدر: .سليمان عشراتي، الانبعاث الحضاري في فكر فتح الله كولن، د، دار النيل للطباعة والنشر، ط 2، 2013، ص: 24-28.

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

About The Author

أ.د. سليمان عشراتي، مفكر وأستاذ جامعي جزائري، يدرِّس في المركز الجامعي بالبيض، الجزائر، اختصاص الفكر الإسلامي المعاصر والدراسات القرآنية والديانات. له عديد من المؤلفات أبرزها: خماسية "الأمير عبد القادر"، وثلاثية "ابن باديس"، و"النورسي في رحاب القرآن وجهاده المعنوي في ثنايا رحلة العمر" و"المعنى القرآني في رسائل النور"، و"الانبعاث الحضاري في فكر فتح الله كولن"، و"هندسة الحضارة تجليات العمران في فكر فتح الله كولن".

Related Posts