لم يفتأ “كُولَن” ينحت الصخر، ويشق بأظافره المعابر التي تخرج الأمة من قاع الظلمات الذي أهْوَتْ فيه. واليوم – وقد هيأ الأجنحة، وأنشأ الوسائل، وأرسى المؤسّسات المكلّفة بالخدمة- ها هو يرابط من صومعته، يتابع الزحف، يقود بنفسه معركة التعمير الروحي والمادي المباركة، يوجّه الميمنة والميسرة، ويعزز المقدمة، ويحرك الساقة لدعم القلب، كلما بدت ثغرة أو لاح اختلال.

على نفس الأرض التي حرّرها “الفاتح” من ليل التخلّف، وعبر بحرها بجيش البناء إلى أعماق أُوربا، رابط “كُولَن”، وانتصب يحقّق فتوحاً في مجال خدمة الإيمان ونشر رسالته إلى العالمين؛ بل هي مسيرة كمسيرة إسكندر أو مسيرة ذِي القَرنَين، تنطلق من ذات الصعيد البرزخي، لكنّها تحمل في هذه الجولة مشعل الخير، لا لتغزو وتحقّق السؤدد الشخصي الزائل، ولكن لتُرسي كلمة الله في القارات، ولترهص لقيام نهضة الإسلام الحضاري، واستعادته الريادة التي فقَدَها منذ قرون. بل إنها مسيرة تمضي على نفس خطى “أبي أيوب الأنصاري” وخطى من تلاه من الزاحفين الجبارين، وتيمم براية النور نحو ربوع المعمورة.

هيأ “كولن” الأجنحة، وأنشأ الوسائل، وأرسى المؤسّسات المكلّفة بالخدمة. وها هو يرابط من صومعته، ليتابع الزحف، ويقود بنفسه معركة التعمير الروحي والمادي المباركة.

“كولن”، واهتمامه المتواصل بالحراك النهضوي:

في كل مقال افتتاحيّ لصحيفة أو نشرة إعلامية خِدمية، وكل محاضرة يلقيها في حلقة المحبّين، وكل فصل في كتاب مرقوم مما لا يفتأ يُصدِره “كُولن”، هو بيان مشحون بواردات الحال التي عاشها هذا الرباني، وتلقاها في دورة الأيام والأسابيع التي تنقضي عليه وهو في المعتكف. وتوْقيتية يوم “كولن” تسير على وتيرة: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾(الانشراح:7-8). ولذا هو يوصي العاملين في حقل الخدمة أن ينضبطوا بهذا التوجيه القرآني الذي وزع الأجندة اليومية للمسلم على منوال من العمل والعبادة.

لا عُشّ لهذا الربّاني ولا أهل ولا دار، لأن الانخراط جذري، والمسؤولية فادحة، والرهان مصيري، لا يحتمل أن يكون معه قرين ينازعه الحب والأولوية والأسبقية، ذلك لأن حب الأهل والمتاع غالبا ما يتحول إلى امتحان، يعيق عن الاستماتة وبذل المُهجة.

لا يزال “كولن” يُقَطِّر في السطور والكلمات رشُّحات روح تتوزعها تجاذبات التبتّل في مصلى الاستمداد، وجولات الكر على جبهات التخلف والقعود.

بروز القائد الرباني:

هو تكرُّمٌ إلهيّ وحظ يتأتى للجماهير، لأن التجنيد وراء الربانيين، ميمون الطالع، مكفول العاقبة، مثمر النتيجة، وغير محبط في كل الأحوال؛ ذلك لأن الإيمان يجعل الباذلين والمجندين وراءه، يضعون في الحساب -ومن أول الطريق- اليقين من نيل الجزاء البعدي، ويركّزون عليه، وبذلك تسكنهم الطمأنينة إزاء ما بذلوا، إذ يدركون أنهم، حتى في حالة إن فاتهم تحصيل المردودية العملية ومشاهدة إيناع ما غرسوا، فإنّهم واثقون من حصول المثوبة من ربّ كريم. فرهانهم أخرويّ، واحتسابهم لله وحده.

———————————–

المصدر: سليمان عشراتي: “الانبعاث الحضاري في فكر فتح الله كولن”، دار النيل للطباعة والنشر، ط 2، 2013، ص: 160-162.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.