تحت هذا العنوان نشرت وكالة (BBC) نيوز مقالًا للكاتب “كاغيل قصاب أوغلو” يحكي عن فتاةٍ في ال28 من عمرها وهي تقول:


“أريد أن أظل هنا، لأن هذا هو وطني، ولكنني أرغب بالرحيل أيضا لأني أتوق للعيش كما يعيش البشر”. فهذا ما قالته بيرنا أقدنيز ذات الـ 28 عاما وطالبة الدكتوراه في العاصمة التركية أنقرة.

تعاني بيرنا من الصمم، وهي تعتمد على جهاز سمع إلكتروني زرع في أذنها الداخلية من أجل التواصل مع محيطها.

ولكن الشح الذي تواجهه تركيا في الفترة الأخيرة في المعدات الطبية المستوردة جعلها تخشى من أن لا تتمكن من السماع في المستقبل.

وقالت: “أعلنت الشركة الموّردة لهذه الأجهزة أنها لن تتمكن اعتبارا من شهر كانون الثاني / يناير الحالي من استيراد المنتجات الطبية التي تتعامل بها لأن نسبة التضخم المرتفعة وانخفاض قيمة الليرة التركية مقابل غيرها من العملات أثرت سلبا على أرباحها. ولذا ستتفاوض (الشركة) مع السلطات التركية من أجل الحصول على دعم حكومي.”

وتتساءل: “وماذا لو لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق؟ مجرد التفكير في هذا الاحتمال يخيفني.”

“هل أهاجر أم لا أهاجر؟ هذا هو السؤال الصعب والمحيّر الذي يساور عددا متزايدا من الأتراك، والشباب منهم بوجه الخصوص، في الوقت الراهن.

فالاقتصاد التركي يواجه صعوبات جمة، إذ فقدت الليرة نصف قيمتها في السنة الإخيرة، ونسبة التضخم مرتفعة، والأسعار في تزايد مستمر.

وتواجه الأسر ذات الدخل المحدودة خصوصا صعوبات متزايدة من أجل الوفاء بمتطلباتها، ولكن هذا لا يعني أن متوسطي الدخل لا يشعرون بالمصاعب نفسها.

“أبحث عن الأمان”

يتزايد بشكل مضطرد عدد الأتراك المشاركين في منصات التواصل الاجتماعي الذين يبحثون ويتحاورون حول إيجابيات وسلبيات البحث عن حياة جديدة في الخارج – والذين يريدون الاطلاع على تجارب اولئك الذين سبقوهم في اتخاذ هذه الخطوة.

لم تتوصل بيرنا بعد إلى قرار نهائي بمغادرة وطنها، ولكنها تقول إنها ميّالة للانتقال للعيش في أوروبا.

وتقول إن السبب في ذلك هو “الدعم الحكومي الكبير الذي يتلقاه الصم” في البلدان الأوروبية”، مضيفة “أنا أبحث عن الأمان. أريد ضمانات ملموسة لحياتي”.

وبيرنا ليست إلا واحدة من العديد من الشباب الأتراك المتعلمين المنحدرين من الطبقة الوسطى الحضرية الذين يفكرون بالهجرة.

وتختلف صورة هؤلاء بشكل كبير عن الصورة النمطية للمهاجرين الأتراك الذين غادروا وطنهم في العقود الماضية، الذين كان معظمهم من سكان الأرياف التي كانت فرص التعليم فيها شحيحة جدا.

وينتمي هارون يمان، خريج الجامعة البالغ من العمر 28 عاما، الذي يعيش في مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا، إلى هذا الجيل الجديد من المهاجرين.

وهارون حائز على شهادة جامعية في مجال الإعلام والإنتاج التلفزيوني والسينمائي والإذاعي، ويقول إنه قد قرر فعلا الهجرة ‘لى أوروبا وإلى إيرلندا تحديدا.

منذ تخرجه في عام 2018 وهارون يناضل بشق الأنفس من أجل الحصول على وظيفة في مجال اختصاصه، ولكنه يعمل الآن في مخزن يعود لشركة لإنتاج الأقمشة. أما حلمه، فهو الإقامة في إيرلندا بموجب برنامج “العمل والدراسة”.

ويقول، “لا أرى أي أمل أو أي ضياء في مستقبل هذا البلد، ولذلك أريد الرحيل.”

تتطلب عملية التسجيل في البرنامج الإيرلندي المذكور دفع أجور تمكن هارون من دفعها جزئيا. ولكن الانهيار الكبير لليرة التركية كان له أثر على خططه. فهو يحتاج الآن إلى وقت أطول من أجل توفير المبلغ الكافي لإتمام دفع الأجور باليورو.

ويقول: “ليست لدي حياة اجتماعية تذكر هنا في تركيا، فأنا أعمل لأكثر من عشر ساعات يوميا. لقد قلّصت الأزمة النقدية قدرتنا الشرائية، ولدينا العديد من المشاكل. لقد تسببت سياسات الحكومة الخاطئة في إفقار كثيرين وفي خلق انقسامات بين الناس.”

أكثر من 70 % يحلمون بالعيش في الخارج

تشير البيانات الرسمية إلى أن أعمار معظم الذين يهاجرون من تركيا تتراوح بين الـ 25 والـ 29.

وأجّل معهد الإحصاء التركي نشر بياناته الخاصة بالهجرة لعام 2020، وهي البيانات التي كان من المفروض أن تنشر في أيلول / سبتمبر 2021.

ولكن البيانات الخاصة بعام 2019 تشير إلى أن أكثر من 330 ألف شخص غادروا البلاد للإقامة في الخارج، وهي زيادة تبلغ 2 في المئة عن العام الذي سبقه.

ومن المتوقع أن تشير البيانات الجديدة إلى استمرار هذا النهج.

أصيبت البلاد بصدمة عند اطلاعها على نتائج الاستطلاع الذي أجرته في آب / أغسطس 2020 جامعة يديتبه في اسطنبول ومؤسسة ماك الاستشارية حول آراء الشباب في الهجرة.

فقد قال 76 في المئة من المشاركين في الاستطلاع إنهم مستعدون للعيش في بلاد أخرى، إذا أتيحت لهم الفرصة لذلك حتى لو كان ذلك بشكل مؤقت.

وعند سؤالهم عما إذا كانوا يفكرون في الهجرة بشكل دائم في حال منحوا جنسية بلد أخر، قال 64 في المئة من المشاركين إنهم مستعدون لقبول عرض كهذا.

لقد تأثرت تركيا، شأنها شأن كثير من الدول بالآثار الاقتصادية لوباء كورونا، ولكن أثر الوباء تضاعف فيها بفعل الأزمة المالية الأخيرة.

ولكن الأكاديمي التركي الاستاذ ابراهيم سيركجي – وهو خبير في مجال دراسات الهجرة ومقره في بريطانيا – يعتقد أن للموضوع جوانب اجتماعية وسياسية أيضا.

وقال لبي بي سي، “هناك بما لا يدع مجالا للشك موجة هجرة جديدة من تركيا.”

البحث عن الحرية

وقال، “فقدت شرائح واسعة من المجتمع الأمل في المستقبل لأنها تشعر بأنها مستبعدة من السلطة السياسية. وتشمل هذه الشرائح رجال الأعمال والفنانين والمثقفين والمفكرين.”

ويقول منتقدو الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إنه ضيّق مجال حرية التعبير وقمع المعارضة.

وفي الوقت ذاته، تتزايد أعداد المواطنين الأتراك الذين يسعون للحصول على حق اللجوء في الدول الأوروبية.

فحسب وكالة الإحصاء يوروستات التابعة للاتحاد الأوروبي، تضاعف عدد طالبي اللجوء الأتراك في العقد الأخير ليصل إلى نحو 25 ألف في عام 2019.

ومن المفارقات أن تركيا تعد أكبر مقصد في العالم للاجئين جلّهم من سوريا.

ولكن كثيرين يريدون البقاء في تركيا والتعبير عن مخاوفهم وما يقلقهم

“ولكن الاستاذ سيركجي يقول، “ولكنها (تركيا) أيضا الدولة الوحيدة من بين الدول الـ 38 الصناعية المنضمة لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي التي تنتج عددا أكبر من اللاجئين من مواطنيها من أي بلد نام – باستثناء العراق وافغانستان وسوريا. وهذا منحى جديد.”

ويمضي للقول، “أنا أطلق على هذه الظاهرة تسمية المنفيين المعادين لأردوغان. فالناس يهربون من ذلك النظام ومن هيكل سياسي محدد.”

ولكن الحكومة التركية ترفض ما يقال إن أدمغة البلاد الشابة ذات الكفاءة “تهرب إلى الخارج”.

فقد تصدى وزير العمل والضمان الاجتماعي التركي، فيدات بيلغين، للموضوع في منتدى عقد في تشرين الأول / أكتوبر الماضي قال فيه، “إن الحماس للتوجه إلى الخارج منتشر بشكل أكبر بين الشباب…وهذه رغبة طبيعية، فهم يريدون التعرف والإطلاع على العالم.”

ولكن طالبة الدكتوراه بيرنا في أنقره تقول إنه سيكون من العسير عليها اتخاذ قرار مغادرة تركيا.

فهي تحلم بتكوين أسرة، وجزء أساسي من تحقيق هذا الحلم يتمثل في العودة إلى تركيا.

وتقول، “أريد لأطفالي أن يتربوا ويترعرعوا في وطني، وأريدهم أن يشاهدوا الجمال الطبيعي لتركيا.”

المصدر: موقع زمان عربي.