لقد استخلص الأستاذ كولن من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾(الأنبياء:10) مبدأ الوعد بخلود الأمة وبقائها حيَّة في التاريخ في مقام الشرف والعزة “فإنكم مرشّحون بفضل الذكر النازل عليكم للبقاء طوال التاريخ”.[1]

ومن إلزامية الدعوة والوعد بوراثة الأرض تقوم فرضية الدور الذي لا ينتهي ولا يُلْغَى ولا يتوقف، والذي أناطه الله بنا كأوصياء على الرسالة (الوصاية هنا ليست حصرية بتاتًا، بل هي مشاعة، ينهض بها كل قادر ــ فردًا كان أو جماعة ــ ممن ينضم إلى الركب المحمدي)، فالوعد بوراثة الأرض يعني رسو الخيرية على المسلمين، ويعني وجوب ارتفاعهم في كل مقوماتهم إلى مرتبة هذه الخيرية؛ لأننا نحن المستضعفون الصالحون الذين هيَّأهم الله لحمل رسالة تناهض الاستعلاء القهري، وتعادي الاستكبار الجبروتي على الدوام، رسالة تنحاز باستمرار إلى صفّ الضعفاء وتناصرهم.

فالوعد بوراثة الأرض يعني رسو الخيرية على المسلمين، ويعني وجوب ارتفاعهم في كل مقوماتهم إلى مرتبة هذه الخيرية

وعد الله بالاستخلاف

لقد تكرر وعد الاستخلاف للمسلمين فيما عبرت عنه آية توريث الأرض: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(الأنبياء:105)، فوراثة الأرض هي وراثة للتاريخ والتحكم في شروطه، ومعنى وراثة التاريخ” هو وراثة كل ركام الماضي المعروف والمجهول والصغير والكبير، وإنماء هذا الركام، واستحداث مركّبات جديدة منه، ثم نقل ذلك كله إلى الأجيال القادمة: أصحابه الحقيقيين، فإن لم يوفِّ هذا الوارث رسالة التاريخ المتعلقة باليوم والغد حقّها من الاهتمام، فسوف يعتبر مسؤولًا عن خراب اليوم وضياع الغد.[2]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) فتح الله كولن، أضواء قرآنية في سماء الوجدان، صـ202.

([2] ) فتح الله كولن، ونحن نقيم صرح الروح، صـ89.

المصدر: سليمان عشراتي، هندسة الحضارة، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ2، 2013، صـ47.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.