الفنُّ في رأي فتح الله كُولَنْ هو روح الترقي، وهو واحدةٌ من أهمِّ الطُّرقِ المؤدِّيَةِ إلى انكشاف المشاعر، ويُشْبِهُ في الوقت نفسه مفتاحًا سحريًّا يكتشف الكنوز المخفيَّة ويفتحُها، كما أن الأفكار تتجسَّدُ خلف الأبواب المنفتحة بواسطته، وتتجسَّم الخيالات به أيضًا.

يقول فتح الله كُولَنْ:

“الفنُّ هو الذي يأخذ بِيَدِ الإنسان لكي يسبحَ في أعماق البحار الواسعة وقيعانها اللامتناهية، وفي أجواء السماوات الزرقاء وآفاقها، وبفضله يستطيع الإنسان أن يفتح أشْرِعَتَهُ ليسيحَ في أجواء السماوات وأعماق الأرض فيصلَ إلى شعور وحدس ما وراء الزمان والمكان”.

الأدباءُ والشعراءُ؛ كلٌّ منهم يُشْبِهُ عازِفَ نايٍ يُعَبِّرُ عما شاهدَهُ وأحسَّ به من جمالٍ وحسنٍ في العوالم الداخلية والخارجية

الفن يبوح بأعماق الإنسان

يبين الأستاذ كولن أنَّ الفنَّ هو اللوحة الأولى التي تُصَوِّرُ قوى الإنسان وأعماقه وأسراره، وفي ظلِّه تُسجَّلُ أعمق المشاعر والأفكار وأكثر التثبيتات جاذبيَّةً، وأصدق الرغبات والأمنيات وكأنها تُدوَّن على اسطوانةٍ حجريَّةٍ، فتبدو وكأنها قد خُلِّدَت.

إن فتح الله كولن المهتمَّ بـ”التجريد في الفنّ” يذكُرُ أن الفن المتَّحِدَ مع الإيمان بصفةٍ خاصَّةٍ كثيرًا ما يكون منشأً لأروَعِ الجماليَّات، ويضرب مثلاً لهذا بقوله:

“ألَم يجعل الفنُّ –حين يرافق الإيمان –عالَمَنا معرِضًا للجمال زاخِرًا بالمعابد الفخمة والمآذن التي تُشْبِهُ أصبعَ الشهادة المتوجِّهَةِ إلى السماء، ومليئًا بالنقوش المحفورة على أحجار المرمر والألوان والتصاميم الجميلة وفنون الخطِّ والتذهيبِ والنقوش الجميلةِ التي تُشبِهُ جمالَ أجنحةِ الفراشات!”.

يؤكد كولن على أن الفن المتَّحِدَ مع الإيمان بصفةٍ خاصَّةٍ كثيرًا ما يكون منشأً لأروَعِ الجماليَّات

الفن فارس في ساحة العلم

يلفتُ كَولَنْ الانتباه إلى أنَّ العِلْمَ يستطيع التعبيرَ عن نفسِهِ مع أفضل الفنون، ويُضيفُ أنه يصعبُ القول إن الشخص العاجزَ عن إنتاج أيِّ أثرٍ فنِّيٍّ يُتوقع منه شيءٌ كثيرٌ في ساحة العلم والمعرفة، ومن ثمَّ يصل إلى النتيجة والخلاصةِ فيقول:

“الأرواح الخالية من الفنِّ والمنغلقةُ دونه يستوي وجودُها وعدمُها، لأنها ليست إلا أفرادًا لا يستطيعون تقديم أيّ نفعٍ لا لأنفسهم ولا لعوائلهم ولا لأمتهم، بل قد يكونون ضارِّين أيضًا”.[1]

الأدب لسان الروح

الأدب بالنسبة لكولن لسانٌ بليغٌ يُعبِّر عن البناء الروحيّ لأمَّةٍ وعالمها الفكريِّ وحياتِها العلمية والمعرفيِّة، وهو يرى أن الأفراد الذين لا يتقاسمون بناءً روحيًّا واحدًا ونظامًا فكريًّا وحياةً معرفيَّةً واحدةً يتعذَّرُ عليهم أن يفهموا بعضَهم حتى وإن كانوا أبناء أمَّةٍ واحدةٍ، وأنه لولا الأدب لما استطاعت الحكمة أن تتبوأ مكانتها البهية تلك، ولا أن تصلَ الفلسفة إلى ما وصلت إليه في يومنا هذا، ولا أنْ تُؤدِّي الخطابةُ ما هو منتَظَرٌ منها ومنوطٌ بها، ومع هذا فإن كلاًّ من الحكمةِ والفلسفة والخطابةِ خدَمَ الآخرَ بشكلٍ متبادَلٍ وتفاعلت فيما بينها، فأكسبتِ الأدبَ الخلودَ إذ قدَّمت إليه المعلومات الغنيَّةَ المتعلِّقةَ بساحةِ كلِّ منها كرأسمالٍ لا ينضب.

يقول فتح الله كولن:

“الأدباءُ والشعراءُ؛ كلٌّ منهم يُشْبِهُ عازِفَ نايٍ يُعَبِّرُ عما شاهدَهُ وأحسَّ به من جمالٍ وحسنٍ في العوالم الداخلية والخارجية (أي في الأنفس والآفاق)، ولا يمكن لِمَن لا خِبرةَ له بألسنة اللهب الداخلية التي تأتي بها المشاعرُ وتلفُّ الأرواحَ أن يفهم ما يعنيه هذا الناي ولا الصرخة المنبعثةَ منه”.

الأدب بالنسبة لكولن لسانٌ بليغٌ يُعبِّر عن البناء الروحيّ لأمَّةٍ وعالمها الفكريِّ وحياتِها العلمية والمعرفيِّة

الأدب لا يحده زمانٌ ولا مكانٌ

يتطرَّقُ كُولَنْ الذي يُعطي الأدبَ والأديبَ مقامًا مهمًّا كهذا إلى كيفيةِ تشَكُّلِ وقِيامِ أعمال الفنانين الآخرين، فمثلها مثل نفخة “عازفي الناي” التي تبوحُ بالمشاعر وتُرهِفُ الأرواح، وهو بينما يُقرِّرُ هذا ينوّه بِبُعدٍ مهمٍّ من أبعاد الفن فيقول:

“كلُّ الحقائق تظهر في روح الإنسان في صورة جوهرٍ أوَّلاً، ثم تُستشعر ويُحسُّ بها، ثم تَمنحُ الحياةَ بواسطة الكلمة أو القلم أو المطرقة (في فنّ النحت)، وتتبلور ويُسْعَى إلى التعبير عنها في مُحيَّا الأثر الفني نقطةً نقطةً، وخطًّا خطًّا، وتَوَصُّلُ أثرٍ من هذا القبيل إلى أبعادٍ لا يحُدُّها الزمان ولا المكان مرتبطٌ تمامًا بدرجات الإيمان والعشق”.

الأدب وعمق الكلمة

ويرى كذلك أن العنصرَ الأساسَ في الأدب هو المعنى؛ إذ يتطرَّقُ إلى الأسلوب انطلاقًا من هذا، ويبين أنه من الضروري أن تُؤدَّى كُلُّ كلمة –منثورة كانت أو منظومة –تُستخدم في التعبير عن المقاصد والغايات وظيفةَ المحفظة لجوهرة الفكرِ، وألا تطغى عليها فتحتلَّ مكانها، وألا تُخيِّمَ عليها بظلالها؛ فيقول:

“إن هذه المحفظة –حتى وإن كانت من زبرجد –تُفقِدُ الكلمة قوَّتها وتأثيرها والإحساس بها بقدرِ تعمِيَتِها وتغطيتها المحتوى والمقصد والهدفَ منها؛ ومِنْ ثمَّ يتعذَّرُ لأيَّة كلمةٍ على هذا النحو أن تُعمّر طويلاً”.

الأرواح الخالية من الفنِّ والمنغلقةُ دونه يستوي وجودُها وعدمُها، لأنها ليست إلا أفرادًا لا يستطيعون تقديم أيّ نفعٍ لا لأنفسهم ولا لعوائلهم ولا لأمتهم، بل قد يكونون ضارِّين

وإذ يؤكد على ضرورة عدم التضحية بالمعنى في سبيل تزيين اللفظ وألا يتسبَّبَ اللفظُ في تعميةِ المعنى؛ فإنه يذكِّرُ أيضًا من زاوية أخرى بمدى أهمية الأسلوب لصالح المعنى، ويَقِفُ على ضرورة اللجوء إلى أسلوب عالٍ رفيعٍ من أجل بيان المفاهيم والأفكار السامية، ويؤكّدُ على أن المسألة ليست عبارةً عن استخدام “فنون اللفظ والمعنى كالتشبيه والاستعارة والكنايةِ والتلميح والجِناس التي تناولها الأقدمون ضمن مواضيع عِلْمَي البيان والبديع فحسب، وأنه لا بد من البحث عن الكلام العميق عند المفكرين من ذوي القلوب المهمَة التي تتَّسعُ أفئدَتُها للوجودِ وتُحيط به، وعند ذوي الخيال الواسع الذين نجحوا في رؤية الدنيا والآخرة وجهين لحقيقةٍ واحدةٍ، والذين يملكون إيمانًا عميقًا وفكرًا تركيبيًّا قويًّا”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطريق، صـ153/ 154.

المصدر: علي أونال، فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015، صـ328، 329، 330.

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف محرر الموقع.