لا شك أن محاسبة النفس تعد من أهم المفاهيم التي جاء بها الإسلام، فالإنسان الذي يحاسب نفسه يبحث دائمًا عن أوجه القصور والأخطاء في أقواله وأفعاله، صحيح أن هناك عوامل وقوى خارجية تلعب دورًا في وقوع الإنسان في الأخطاء ولكن المؤمن الحقيقي هو من ينسب هذا الخطأ إلى نفسه دون أن يلتفت إلى عوامل أخرى.
من المعلوم أن حزب العدالة والتنمية قد تعرض لإخفاق كبير في الانتخابات البلدية التي أُجريت مؤخرًا، والتي خسر على إثرها المدن الكبرى إسطنبول وأنقرة وأضنة.

أصبح حزب العدالة والتنمية يتبع أساليب الانتقام والبطش والتأديب والمعاقبة ضد معارضيه، وهذا ما يمكن أن نعبر عنه بجبروت السلطة.

ولا شك أن نتائج تلك الانتخابات كانت بمثابة بطاقة صفراء وجهها الشعب التركي إلى الحزب الحاكم؛ وذلك بسبب سياسته الخاطئة التي انتهجها على الصعيدين الداخلي والخارجي، وفي حالة استمرار ارتكاب الحزب لهذه الأخطاء فإن الشعب التركي لن يتردد في الانتخابات المقبلة أن يوجه إليه بطاقة حمراء تطرده من الساحة السياسية.

كيف تم تضليل أردوغان؟

إذن فالسؤال هنا؛ ما الذي يجب أن يفعله حزب العدالة والتنمية أمام هذا الوضع؟ أولًا وقبل كل شيء يجب على الحزب الحاكم أن يستخرج الدروس والعبر من نتائج الانتخابات التي أجريت مؤخرًا في تركيا بشكل جاد، ويستمع إلى الانتقادات الموجهة إليه برحابة صدر، وقد تحدثت في موضوع آخر عن عشرة بنود أدت إلى إخفاق الحزب الحاكم في الإنتخابات؛ ولذا أرى أنه لا داعي هنا لذكرها مجددًا، ولكن لا بد أن أقول هنا إن المشاكل التي يعاني منها الحزب لها أبعاد عميقة يجب تحديدها ودراستها بشكل مُوَسَّع حتى يتسنى للحزب أن يضع حلولًا جذريةً لتلك المشاكل، وفي الوقت الحالي ليس هناك في الحزب من يستطيع أن يُقَيِّم هذا الوضع بشكل صحيح سوى بضعة أشخاص فقط، حيث يبدو أن البؤر العميقة قد ضيقت الخناق على قيادات الحزب الحاكم وخاصة السيد رئيس الجمهورية “رجب طيب أردوغان”، وفي هذا الصدد نود أن نذكر ثلاث طرق لتضليل وإغواء أي زعيم أو رئيس.

أصبح حزب العدالة والتنمية يبني سياسته على الرعب والتخويف والتكبر والديكتاتورية وانتهاك القانون ومعاقبة معارضيه، كما لا يتوانى من أجل استمرارية سلطته في إجراءات قاسية ضد معارضيه.

أولًا: إيهامه بأن كل ما يقوم به صحيح ويدل على الحكمة.
ثانيًا: تشجيعه على الأعمال والأدوار التي تفوق أداءه وقدرته.
ثالثًا: إخافته باستمرار، وتصوير -حتى أصدقاءه الحقيقيين- على أنهم أعداء وخونة، والسيد “أردوغان” الذي أتابع توجهه السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي في الآونة الأخيرة بكل أسف يخضع لإحدى عمليات التشويه الفكري التي ذكرناها آنفًا وهو بذلك ينساق إلى هاوية مجهولة، ورأيي الشخصي أن هذه العمليات التي تقودها القوى الخارجية لا تستهدف شخصية “أردوغان” بعينه بل تستهدف كذلك إلحاق الضرر بالمجتمع التركي بأكمله بما في ذلك الحركات الإسلامية والحركات الدينية التي تقدم خدمات جليلة للمجتمع التركي، ولا شك أن انتهاج تركيا في الآونة الأخيرة سياسة تحمل في طياتها آمال “الاتحاد والترقي” والتي تنتهج المغامرة في السياسة الخارجية والتي تهدف إلى أن تتركز سياسات المنطقة كلها في يدها، قد أسهمت في انهيار سورية وكذلك ألحقت الأضرار الجسيمة بالقضية الفلسطينية.

ضيقت البؤر العميقة الخناق على قيادات الحزب الحاكم وخاصة السيد رئيس الجمهورية “رجب طيب أردوغان”، بإخافته باستمرار، وتصوير -حتى أصدقاءه الحقيقيين- على أنهم أعداء وخونة.

أردوغان وتركيا القديمة

وقد عبر الجنرال “تشفيك بير (ÇevikBir)” في تركيا عما وصلنا إليه الآن في السياسة الداخلية بقوله: “إن القرارات التي كانت تُتخذ في مرحلة انقلاب ما بعد الحداثة “28 فبراير” يتخذها الآن مجلس الأمن القومي في ظل حكومة العدالة والتنمية”.
أرى أن الحزب الحاكم في تركيا الذي كان ينادي بتأسيس “تركيا الحديثة” القائمة على مراعاة الدستور والقانون وتطبيق العدل والمساواة بين جميع طوائف الشعب التركي بغض النظر عن العرق والتوجهات السياسية والمذهبية إلا أنه بسبب أخطائه الجسيمة في سياسته الداخلية التي تتبنى الاستقطاب والتفرقة العنصرية يعيد البلاد إلى تركيا القديمة، ومن أجل دراسة هذه المسألة بشكل أوسع يمكننا أن نذكر هنا أهم خصائص تركيا القديمة حتى يتسنى لنا معرفة القواسم المشتركة بين تركيا القديمة وتركيا الحديثة، ففي تركيا القديمة كان هناك: مجلس الأمن القومي وأحكامه وقراراته التي تم تسجيلها ضمن ما يسمى بالكتاب الأحمر وهو الدستور السري للدولة، وكان يتم طرد بعض القيادات العسكرية بقرار من مجلس الشورى العسكري بتهمة “الرجعية” وكانت هناك العتبة الانتخابية (10%)، كما كان الصحفيون والجرائد يتعرضون للمضايقات من قبل الحزب الحاكم، وكانت الجمعيات أو المؤسسات المعارضة تخضع لتفتيش كبير بهدف التضييق عليها، وكانت بعض الصحف يُمنع توزيعها في طائرات الخطوط الجوية التركية، وكان هناك إسراف وهدر لموارد الدولة ورشوة وفساد على نطاق واسع، وكان هناك ظلم في توزيع الدخل، وكان الفقراء بالملايين، وكانت العائلة مفككة، كما كانت الحياة الأخلاقية في تدهور…إلخ. ولا شك أن كل هذه الممارسات تطبق بالحرفية في هذه الفترة التي يسميها الحزب الحاكم بـ”تركيا الحديثة”.

لا شك أن نتائج انتخابات البلديات كانت بمثابة بطاقة صفراء وجهها الشعب التركي إلى الحزب الحاكم؛ وذلك بسبب سياسته الخاطئة التي انتهجها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

لقد توقفت لدى حزب العدالة والتنمية في الفترة الأخيرة عجلة النمو والتطور وأصبح يبني سياسته على الرعب والتخويف والتكبر والديكتاتورية وانتهاك القانون ومعاقبة معارضيه، كما لا يتوانى من أجل استمرارية سلطته والتورط في إجراءات قاسية -قد تخلت عنها الدول المتقدمة- ضد معارضيه، ويتبع كذلك في هذا السبيل أساليب الانتقام والبطش والتأديب والمعاقبة، وهذا ما يمكن أن نعبر عنه بجبروت السلطة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: علي بولاج، آمال كبيرة وحقائق مريرة قراءة في الواقع التركي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015م، صـ45/ 46/ 47/ 49.

ملحزظة: العناوين الجانبية، وبعض العبارات من تصرف محرر الموقع.