إن أي سلطة حاكمة على وجه الأرض قد تنتهك الحقوق بوجه أو بآخر، غير أن الشخصية الوحيدة التي يمكن لها الدفاع عن نزاهة نظامها وسلطتها من الانتهاكات غير القانونية هي النبي ﷺ، والدليل على ذلك ما نراه في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ” بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: “وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ”.

لا يجوز للحاكم الظالم أن يلتمس الشرعية لأعماله غير القانونية من الدين، لأن الدين لا يأمره بالظلم.

هناك ثلاثة محاور أساسية في الحوار الذي جرى بين النبي ﷺ وذُو الْخُوَيْصِرَةِ وهي:

الأول: أن العدل هو أساس الملك أو الحُكم.

الثاني: أنه يمكن للرعية أن تطالب حكامها بإقامة العدل.

الثالث: هي أن الحكام غير العادلين سيكون مصيرهم الخسران في الدنيا والآخرة،

قد يرتكب المسلم الظلم بغية تحقيق المكاسب التي تروق لنفسه كالمكاسب الشخصية والعائلية والفئوية والطبقية والفكرية والعرقية وذلك باسم الإسلام.

فالخطبة التي ألقاها النبي ﷺ على منبره في المدينة قبيل وفاته تؤكد لنا أنه لا يُعفى أحد من أداء ما عليه من حقوق حتى ولو كان رئيس دولة، والجميع له حق في البحث عن حقوقه والحصول عليها في إطار القانون فلقد صعدَ النبي ﷺ المنبرَ وقال: “أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ، وَقَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقٌ، مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي، فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ ضَرَبْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي أَتَخَوَّفُ الشَّحْنَاءَ مِنْ رَسُولِ اللهِ أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِي، وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ رَبِّي، وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ” .

بين الدين والسياسة

من الطبيعي جدًّا أن تختلف الهويات السياسية بين رجال السياسة أو المسؤولين، ومن الممكن أيضًا أن تكون الأعمال والإجراءات التي يقوم بها هؤلاء متنافية مع المبادئ الدينية التي يزعمون أنهم يستندون إليها، هذا ولا يجوز للحاكم الظالم أن يلتمس الشرعية لأعماله غير القانونية من الدين، لأن الدين لا يأمره بالظلم كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ… ﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 4/135)، فقد يرتكب المسلم الظلم بغية تحقيق المكاسب التي تروق لنفسه كالمكاسب الشخصية والعائلية والفئوية والطبقية والفكرية والعرقية وذلك باسم الإسلام، غير أن الإسلام ليس مسؤولًا عما يفعله المسلمون إلا إذا كانت لأعمالهم مستندًا صحيحًا من النصوص الإسلامية.

الإسلام ليس مسؤولًا عما يفعله المسلمون إلا إذا كانت لأعمالهم مستندًا صحيحًا من النصوص الإسلامية.

مفسدة السلطة

أعتقد أن هناك عاملين مهمين لقيام الحكام الذين يدَّعون الانتماء إلى الإسلام بتصرفات وأعمال وإجراءات تخالف غاياتهم السامية، أولهما أنه ليست لديهم معلومة كافية لأهدافهم السامية، وليست لديهم خبرة كافية لتطبيق بعض المبادئ الأساسية التي يعرفونها لحياتهم السياسية، وأما ثانيهما: ليس لديهم إيمان بأنهم يستطيعون تنفيذ مبادئهم على أرض الواقع، فهؤلاء عندما يصلون إلى سدة الحكم بدأوا يعتقدون أن المبادئ التي كانوا يدافعون عنها لعدة سنوات ما هي إلا مجرد فكرة خيالية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع وبالتالي نجدهم سرعان ما ينجرفون وراء أهوائهم وطموحاتهم الشخصية.

لا أحد يود التخلي عن السلطة بعد أن وصل إليها، علمًا بأن تمسك أحد بالسلطة الظالمة يؤدي إلى تضاعف المظالم في هذا البلد.

ولا أحد يود التخلي عن السلطة بعد أن وصل إليها، علمًا بأن تمسك أحد بالسلطة الظالمة يؤدي إلى تضاعف المظالم في هذا البلد… وإن كان من يقترف الظلم يحاول تبرير ظلمه بنصوص دينية كلما ضاق من الانتقادات، حينها يقوم الجهَّال من الناس الذين يتعرضون للظلم بإلقاء اللائمة على الدين الإسلامي الذي يدعي الظالمون انتماءهم إليه، وهذا أشبه بهجر المسجد بسبب الغضب من الإمام.

دور رجال الدين

وللأسف هذه هي حال الساسة الذين يُعتقد أنهم من ضمن المنتسبين إلى التوجهات الإسلامية في تركيا، وهنا أرى أنه من الواجب على رجال الدين والعلماء الأفاضل في تركيا أن يبينوا أمام الرأي العام المظالم التي تشهدها البلاد باسم الإسلام، ويعلنوا للشعب أن هذه الإسلام بريء من هذه الإجراءات غير القانونية، فهذا هو السبيل الوحيد للحيلولة دون ظهور التوجهات والأفكار المناهضة للإسلام في بلادنا.

من الواجب على رجال الدين في تركيا أن يبينوا للرأي العام المظالم التي تشهدها البلاد باسم الإسلام، ويعلنوا للشعب أنش الإسلام بريء من هذه الإجراءات غير القانونية.

إنني لا أنتقد من يقف الآن في تركيا بجانب الحزب الحاكم، بل أناشد جميع المتدينين والمحافظين الذين يعلنون ولاءهم لهذا الحزب أن يذكروا لنا الأدلة من كتب التفسير أو الفقه أو الحديث التي تؤيد الإجراءات غير القانونية والأعمال المنافية لحقوق الإنسان التي تنفذها الحكومة ضد من تصفهم بالمعارضة سواء كانت حركة “الخدمة” أو غيرها من الأطراف المعارضة.

في الحقيقة لم يقم المؤيدون ولا المعارضون وسط هذه المشاحنات بإجراء نقاش حول الحكومة مبني على أسس إسلامية، بل أهملوا المثل الأصيلة فيما استجد من الوقائع السياسية، وليس التيار الإسلامي في تركيا وحده هو الذي تضرر في الآونة الأخيرة في بلادنا بل الإسلام نفسه أيضًا يتضرر الآن في تركيا جراء الأحداث الأخيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: علي بولاج، آمال كبيرة وحقائق مريرة قراءة في الواقع التركي. دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015مـ صـ161/ 162/ 163/ 164.

ملحوظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف محرر الموقع.