لو استطاع العلم الحديث بما يمتلكه من قدرات هائلة أن يُصَمِّمَ آلة  تُركَّب على موضع القلب من صدر الإنسان، فتقوم هذه الآلة بترجمة نبضات القلب ودقَّاته، وتحويلها إلى كلام بشري مسموع كما تتحول أقراص “الحاكي” وشرائط المسجّلات والمصورات إلى كلام أو غناء، لسمِعْنا إذن هذا القلب وهو لا يني يردّد في كل نبضة من نبضاته ودقَّة من دقَّاته اسم الجلالة “الله ..الله.. الله..”! لأنه مصنوع الله ومخلوقاته؛ خلَقه لنفسه، وبرأه ليكون موضع أسراره وكنز معارفه، فكل مصنوع ومخلوق مجبول على حب صانِعه وخالقه وموالاته والتسبيح بحمده، وترديد كما في الحديث الشريف: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجسَادِكُمْ وَلَا إِلى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ”[1]. فهذا القلب بالغ السعة لدرجة أن يقول الله تعالى فيه “مًا وَسِعَني سَمَائِي وَلَا أَرْضِي، وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنْ”[2].

وهذا هو سِرُّ نزوع القلب فطريًّا إلى الدين والتديُّن، وسرّ انبثاق الحضارات من الدين وستعود إليه مهما اشتطت اليوم في الابتعاد عنه، كما يتوقع “توينبي” شيخ فلاسفة الحضارات في العصر الحديث. فالأنبياء والرسل عليهم السلام المبعوثون من قِبَل ربِّ القلوب وصانعها، إنما بعثوا لكي تكون أعظم مهامهم ترجمة ما يقوله القلب في نبضه وخفقه، فمنذ أن قال هذا القلب “بلى” هذه في عالم الذر وهو يردد هذه ال”بلى” ويودعها نبضاته ودقّاته.. و”بلى” هذه هي مفتاح جميع إدراكاته التي تنطوي عليها دواخله، وبفضلها استطاع أن يتلمس تجليات أسماء الله الحسنى في العوالم والأكوان والإنسان.

الأنبياء والرسل عليهم السلام المبعوثون من قِبَل ربِّ القلوب وصانعها، إنما بعثوا لكي تكون أعظم مهامهم ترجمة ما يقوله القلب في نبضه وخفقه

فإطلاق القوى الخفية في القلب البشري لتحمل الإنسان إلى عوالم “الماوراء” حيث يتراءى صورته على حقيقتها المجرّدة على اللوح المحفوظ، ويرى ذاته المتجوهرة تجري في حقول الحقائق والمعارف المحاطة بالرضى الرحماني.. فيعلم عندئذ علم اليقين أن كل حقيقة على الأرض ما هي إلا ظل من ظلال حقائق الغيب، وصدى ضعيف من أصداء صورها، وإنه لأمر في غاية التضليل أن ندع عقلنا الباهت والقاصر يحجب عنا طلائع “الأبد” التي يأخذنا إليها القلب النزيه والطاهر.

فهذا القلب إذا تكلم نطق بلسان جيل عظيم من القلوب في هذا العصر الذي تُبذَل فيه الجهود من أجل حرف هذه القلوب عن فطرة التدين، واستبدال هذه الفطرة والطمس عليها بسلوكيات وتأملات يُزعم أنها تقوم مقام الدين وامتصاص التوترات والأزمات التي يعاني منها إنسان اليوم، وهيهات.. هيهات.. أن يكون ذلك، فالفطرة علَّابة، وأمرها مطاع ولو بعد حين..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  مسلم، البر 33.

[2]  الزهد للإمام أحمد 81؛ إحياء علوم الدين للغزالي 3/ 15؛ المسند للديلمي 3/ 174. كشف الخفاء للعجلوني 2/ 255، 431.

المصدر: أديب إبراهيم الدباغ، فتح الله كولن في شؤون وشجون، دار النيل للطباعة والنشر، طـ1، 2013م، صـ139.

ملحوظه: المقال كما قال الأستاذ أديب الدباغ في مقدمة الكتاب يمكن أن ننسبه للأستاذ كولن؛ لأنه من وحي فكره، ولكنه ليس للأستاذ كولن لأنه كتب بغير قلمه، وبغير مفرداته.

About The Author

ولـــد عـــام 1931م في الموصل بالعراق. حصل على دبـلـوم فـي التربية والتعليم ثم مارس التدريس 29 سنة منذ عام 1953م. كما مـــارس الكتابة في الصحف والمجلات العراقية والعربية منذ 1950م. شارك في العديد من المؤتمرات والـنـدوات الدولية. كتب الكثير من الأبحاث. له أكثر من 14 كتابًا في الإسلاميات؛ منها «الاغـتـراب الروحي لدى المسلم المعاصر»، «الضاربون في الأرض»، «رجـل الإيمان في محنة الكفر والطغيان»، «إشراقات قلب ولمعات فكر من فيوضات النورسي».

Related Posts