احتلت المدارس موقعًا محوريًا في المشروع الذي ارتبط بفكر فتح الله كولن؛ فقد كانت المؤسسة التعليمية، في وقت مبكر، المجال الأوضح الذي تجسدت فيه رؤيته للإنسان والمجتمع والتعليم. وتشير التقديرات الواردة في بعض الدراسات إلى انتشار هذا النموذج في عدد كبير من المدارس داخل تركيا وخارجها، حتى امتد إلى عشرات الدول وعلى قارات متعددة.
ولم تكن المدرسة، في هذا التصور، مجرد مكان لتلقين المعارف أو إعداد الطلاب لاجتياز الاختبارات، وإنما غدت مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان؛ إنسان يجمع بين الكفاءة العلمية، والالتزام الأخلاقي، والشعور بالمسؤولية تجاه مجتمعه. ومن هنا كان الهدف المعلن هو إعداد أجيال تمتلك القدرة على المنافسة العلمية، وفي الوقت نفسه تتمتع بالانتماء والالتزام الأخلاقي والديني.
وقد انطلق هذا التصور من محاولة تجاوز ما عُدَّ تعارضًا بين التدين والحداثة، أو بين الهوية الإسلامية ـ التركية وبين العلوم والمعارف الحديثة. فبدل أن يُنظر إلى العلم الحديث باعتباره نقيضًا للدين، سعت هذه الرؤية إلى بناء شخصية ترى في العلم وسيلة من وسائل عمارة الأرض وخدمة الإنسان، وفي القيم الدينية والأخلاقية إطارًا يوجه المعرفة ويضبط استعمالها.
مدارس «كولن».. تسمية لا تعني الملكية
وعلى الرغم من شيوع تسمية «مدارس كولن»، فإن هذه التسمية لا تعني أن كولن كان مالكًا لهذه المدارس أو أنها كانت تابعة له من الناحية القانونية والإدارية. فقد كانت المدارس، بحسب الروايات والدراسات التي تناولت الظاهرة، تنشأ غالبًا بمبادرات من رجال أعمال ومؤسسات وشخصيات تأثرت بأفكاره ووجدت في مشروع التعليم مجالًا عمليًا لتجسيد تلك الأفكار.
وكان اتصال كولن المباشر بهذه المدارس محدودًا في كثير من الحالات، حتى إن الروايات الواردة عن بعض المشاركين تشير إلى أنه لم يكن يعرف العدد الدقيق للمدارس ولا أسماء جميعها. ومن ثم فإن إطلاق اسم «مدارس كولن» عليها كان في الأساس تعبيرًا عن المرجعية الفكرية والإلهام الأخلاقي الذي استندت إليه، لا عن ملكية مركزية أو إدارة مباشرة.
وهنا تظهر إحدى السمات اللافتة لهذا النموذج: فقد انتقلت الفكرة من الشخص إلى المجتمع، ومن الإلهام الفردي إلى المبادرة الجماعية. كان النموذج الشخصي لكولن بوصفه رجل تعليم، إلى جانب رؤيته للتعليم والمجتمع والتقدم الإنساني، باعثًا لدى آخرين على إنشاء مدارس في تركيا وآسيا الوسطى وأوروبا وإفريقيا وغيرها. وبمرور الوقت أصبحت هذه المؤسسات تُعرف، على نطاق واسع، باسم «مدارس كولن».
نموذج لا يقوم على مركزية تنظيمية
ومثل غيرها من المؤسسات التي استلهمت أفكار كولن، كوسائل الإعلام والمستشفيات وبيوت الطلبة والدورات التحضيرية، لم تقم هذه المدارس ـ بحسب الروايات المتداولة عنها ـ على جهاز مركزي واحد يتولى تأسيسها وإدارتها والإشراف التفصيلي عليها.
بل كان النموذج الأكثر شيوعًا هو المبادرة المحلية: مجموعة من رجال الأعمال أو المشاركين في الدوائر المحلية ترى حاجة منطقتها إلى مؤسسة تعليمية، فتتعاون على جمع الأموال، ودراسة المشروع، وتوفير الأرض أو المبنى، ثم إنشاء المدرسة وإدارتها.
وتشير شهادات عدد من المشاركين إلى أن تمويل المدارس في تركيا لم يكن قائمًا، في الأصل، على تمويل حكومي مباشر لأعمال البناء والترميم والصيانة، وإنما كان يعتمد بدرجة كبيرة على مساهمات الداعمين المحليين، إلى أن تصبح الرسوم الدراسية قادرة على تغطية جانب كبير من النفقات التشغيلية.
ومن هنا يمكن فهم المدرسة باعتبارها ثمرة شبكة من المبادرات الاجتماعية والاقتصادية المحلية، لا باعتبارها فرعًا لمؤسسة مركزية واحدة.
مدرسة النخبة.. ولكن مع مساحة للفئات المحتاجة
كانت هذه المدارس، في كثير من الحالات، مدارس خاصة ذات رسوم دراسية ومعايير انتقائية في القبول؛ ولذلك ارتبط بها نمط من التعليم ذي المستوى الأكاديمي المرتفع، وأصبح طلابها ـ وفق الروايات الواردة في الدراسات ـ يحققون نتائج متميزة في الاختبارات المؤهلة للجامعة وفي بعض المسابقات الوطنية والدولية.
وكانت المدارس تتبع في الغالب المناهج التعليمية الرسمية للدولة المضيفة، مع اعتماد واسع على اللغة الإنجليزية في تدريس عدد من المواد، إلى جانب اللغة التركية في بعض السياقات.
غير أن النظام المالي لم يكن قائمًا على الرسوم الدراسية وحدها. فقد كان رجال الأعمال والداعمون يساهمون في توفير فرص تعليمية لطلاب من أسر محدودة الدخل؛ وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة تتراوح بين 10 و40 في المائة من الطلاب في بعض المدارس كانت تستفيد من منح قائمة على الحاجة المالية.
وهكذا كان الطالب الذي يدفع رسومًا لأبنائه يدرك، في بعض الحالات، أن جزءًا من البيئة المالية للمدرسة يسهم كذلك في إتاحة التعليم لطلاب آخرين لا تسمح لهم ظروفهم الاقتصادية بتحمل تكاليفه. كما بادر بعض الآباء ورجال الأعمال إلى إنشاء منح إضافية للطلاب المحتاجين.
الأخلاق قبل أن تكون مادة دراسية
وفي تركيا، حيث كان المنهج الرسمي للدولة يقوم على علمانية التعليم، كانت التربية الدينية محدودة في إطار المنهج الرسمي. ووفق ما تذكره الدراسات عن مدارس كولن، فقد التزمت هذه المدارس بالإطار التعليمي الرسمي، مع تقديم التربية الدينية وفق المقرر المعتمد، وبصورة تتضمن التعريف بالإسلام وبالأديان الأخرى.
لكن الفارق الذي كان يُراد إبرازُه لم يكن في زيادة عدد حصص التربية الدينية بقدر ما كان في الحضور الأخلاقي داخل البيئة التعليمية كلها.
فالإسلام، في الرؤية المنسوبة إلى كولن، ليس مجموعة من المعلومات التي يحفظها الطالب، وإنما مصدر للقيم التي ينبغي أن تتحول إلى سلوك حي. ولذلك كانت القدوة الشخصية للمعلم عنصرًا أساسيًا في النموذج التعليمي.
فالمعلم لا يكتفي بأن يتحدث عن الصدق، وإنما يُفترض أن يكون صادقًا؛ ولا يشرح معنى الرحمة فحسب، بل يجسدها في علاقته بطلابه؛ ولا يلقن الطالب معنى المسؤولية ثم ينصرف عند انتهاء الحصة، بل يبقى قريبًا منه، يتابع نموه العلمي والأخلاقي، ويتواصل مع أسرته عند الحاجة.
وهذا ما جعل العلاقة بين المعلم والطالب تتجاوز حدود ساعات الدراسة الرسمية. فقد كان من المعتاد ـ بحسب الروايات التي تضمنتها الدراسات ـ أن يمكث بعض المعلمين ساعات إضافية مع الطلاب، وأن يتابعوا مشكلاتهم التعليمية والشخصية، وأن يتواصلوا مع أسرهم، بل وأن يزوروا بعض البيوت لمناقشة مستوى الطالب وتطوره.
وهنا تتجلى فكرة محورية في النموذج: التربية بالقدوة قبل التربية بالموعظة.
المعلم.. حجر الأساس
كان اختيار المعلمين يتم بعناية، وكان بعضهم من المشاركين في الدوائر المحلية المرتبطة بالحركة، كما أن عددًا منهم كانوا قد تلقوا تعليمهم في مدارس مرتبطة بهذا النموذج أو أقاموا في بيوت الطلبة المعروفة باسم «بيوت النور».
ولم يكن المطلوب من المعلم أن يكون متخصصًا في مادته العلمية فحسب، بل أن يكون، كذلك، حاملًا لمنظومة من القيم والمبادئ التي يراد نقلها إلى الطلاب من خلال السلوك والممارسة اليومية.
ومن هنا كان المعلم، في التصور التعليمي لكولن، أكثر من موظف يؤدي ساعات عمل محددة؛ كان صاحب رسالة. وكانت هذه النظرة سببًا في تشجيع طلاب الجامعات على اختيار مهنة التعليم، حتى مع علمهم بأن بعض المهن الأخرى ـ كالطب والهندسة والقانون ـ قد توفر فرصًا اقتصادية أكبر.
فالتعليم، في هذا التصور، ليس مهنة أقل شأنًا من غيرها، وإنما طريق لخدمة الإنسان وبناء المستقبل. ولذلك كان يُنظر إلى خدمة الشباب من خلال التربية والتعليم بوصفها مسؤولية أخلاقية واجتماعية تتصل بجوهر رسالة الإنسان في الحياة.
وقد أسهم هذا الخطاب في رفع المكانة المعنوية لمهنة التعليم لدى أتباع المشروع، وجذب عدد من الشباب إليها، حتى أصبحت صورة «المعلم المتفاني» واحدة من أبرز السمات التي يُفسَّر بها نجاح هذه المدارس.
ولعل المفارقة اللافتة هنا أن النموذج لم يقم على جذب أفضل المعلمين بالرواتب الأعلى، بقدر ما اعتمد ـ وفق الروايات التي تناولته ـ على جذب أشخاص لديهم استعداد للتضحية بجزء من المكاسب المهنية والاقتصادية في سبيل العمل التربوي. وكان هذا التفاني بدوره عاملًا في تحفيز رجال الأعمال على دعم المدارس ماليًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: هيلين روز، حركة فتح الله كولن، دار تنوير. المقال بتصرف شديد من المحرر.
