إن أحد الركائز الأساسية التي انطلقت منها فكرة الخدمة هي التركيز على التعليم باعتباره حلا جوهريا لمشكلة الخواء الفكري والمعرفي التي يعاني منها العالم اليوم، فقد أكد الأستاذ كولن أن التكامل والاندماج مع العالم مرهون بالتعليم الحديث: “فكل شيء يعتمد على المعرفة؛ ودون المعرفة لا شيء يمكن أن يتحقق، فالمعرفة هي الأكثر أهمية اليوم. إن مصدر كل الخواء في تركيا والعالم، وأصل كل المشاكل بغض النظر عن الزمان والمكان هو إهمال التعليم المبني على أساس واقعي وراسخ وسليم؛ فبينما كان الغرب يشهد عصر النهضة، كان المسلمون يغطون في نومهم. وبينما كانت أوروبا تحقق الثورة العلمية والتكنولوجية، كان المسلمون في سبات عميق مرة أخرى”.

كانت اهتمامات أردوغان وحزبه السياسية تطغى على أي عملية إصلاحية أو رؤية فكرية، فقد كان هدف الوصول إلى السلطة والسيطرة على مقاليد الحكم هو الغاية الكبرى.

وإذا كان الإنسان -كما يرى الأستاذ كولن- هو مصدر المشاكل وهو أيضا مصدر الحلول، فقد آمن بأن التعليم هو أفضل وسيلة لتنشئة هذا الإنسان ومن ثم بناء أساس متين وقوي للمجتمع. فكل مشكلة اجتماعية تنبع أساسًا من الفرد وإذا أردنا حلا لها على المدي الطويل ينبغي أن تكون البداية من الفرد. وأي حلول نظامية أو مؤسسية أو أي حلول على مستوي السياسة المطبقة لن تكون مجدية إذا أَهملت هذا الفرد أو حيدته وأخرجته من معادلة الإصلاح تلك.

ومن هنا، كانت دعوة الأستاذ كولن الأولى والأخيرة هي لصالح التعليم؛ وهذا هو السبب أيضًا في إنشاء كثير من المؤيدين لأفكار الأستاذ كولن مؤسسات تعليمية مختلفة مثل مساكن الطلاب ومراكز التأهيل الجامعي الخاصة والمدارس الخاصة ومراكز الدعم المدرسي المجانية. وقد أسهمت هذه المؤسسات في تيسير سبل الوصول إلى التعليم الجيد -الذي كان متاحًا فقط قبل ذلك لقلة ذات امتيازات- إلى شريحة أكبر من المجتمع.

ولم تكن هذه المدارس التي أقامتها مؤسسات الخدمة في داخل تركيا وخارجها مجرد مدارس تعليمية، بل كانت تعمل -إلى جانب احترافيتها التعليمية- على تزويد الطلاب بالقيم اللازمة للعيش في مجتمع مدني متناغم يقبل الآخر ويؤمن بالحوار منهجا وبالتعليم وسيلة لرقي المجتمع وتنميته، هذه القيم بالتحديد تمثل الأفكار المناهضة للإرهاب. وبالتالي يمكننا أن نقول إن مدارس الخدمة حول العالم تحارب الأفكار الإرهابية من خلال التعليم.

انتهج أردوغان بداية من 2011، أسلوبًا ممنهجًا لإقحام أيديولوجية الحزب في النظام التعليمي، وهو ما أسماه أردوغان عام 2015 في نهاية دورته رئيسا للوزراء بـتكوين “الأجيال الملتزمة”.

في المقابل كانت اهتمامات أردوغان وحزبه السياسية تطغى على أي عملية إصلاحية أو رؤية فكرية، فقد كان هدف الوصول إلى السلطة والسيطرة على مقاليد الحكم هو الغاية الكبرى، ومن ثم كان ينظر إلى مثل هذه المشروعات باستخفاف، ولم يكن أحد غير الخدمة في عقود خلت يتحدث عن التعليم ودوره في نهضة المجتمع، بل كانوا يرون ذلك نوعا من اليوتوبيا المثالية التي لن تقدم أو تؤخر، وبعد نجاح هذه المدارس في الداخل والخارج، وتعاظم نفوذ أردوغان في تركيا وخاصة بعد عام 2010 أراد استغلال مدارس الخدمة ومؤسساتها في الداخل والخارج للترويج لزعامته ومشروعه السلطوي في تركيا والمنطقة، وعندما رفضت الخدمة هذا الاستغلال قرر الانتقام منها على طريقته، ومن هنا انطلقت رؤية أردوغان التعليمية القائمة على رد الفعل والرغبة في الانتقام.

انتهج أردوغان بداية من 2011، أسلوبًا ممنهجًا لإقحام أيديولوجية الحزب في النظام التعليمي، وهو ما أسماه أردوغان عام 2015 في نهاية دورته رئيسا للوزراء بـتكوين “الأجيال الملتزمة”، ويتحقق هذا الهدف من خلال نشر المدارس الدينية المؤدلجة والمدعومة من قبل الحكومة على حساب المدارس المدنية، ومن خلال هيئة مدرسي تلك المدارس، التي تتبنى أيدلوجية الحزب وتروج لأفكاره في عقول الطلاب.

هذا التحول الذي أحدثه الحزب الحاكم في التعليم الديني كانت نتيجته زيادة عدد مدارس “إمام خطيب” الدينية في 61 ولاية تركية بنسبة 73 % خلال السنوات الخمس الماضية، حيث وصل عدد تلك المدارس عام 2018 ما يزيد عن 450 مدرسة، وبلغ عدد الطلاب المسجلين بها ما يقرب من 932.000 طالب بموجب القيد الإجباري للطلاب في مناطقهم، وكان يتقدم قبل ذلك لتلك المدارس 65.000 فقط في بداية حكم الحزب للبلاد، كما وصلت نسبة الإنفاق حوالي 6.57 مليار ليرة (1.68 مليار دولار) في 2018، وبهذا فالتمويل المخصص لتلك المدارس يبلغ 23 % أي ما يمثل ضعف ما ينفق على تلاميذ المدارس العادية.

وقف “تورجيو” يهدف إلى نشر الأفكار المتشددة، والعمل على إحداث تغيير حاد في ثقافة وهوية المجتمع التركي، وبالطبع تغير خيارات الناخبين على الساحة السياسية.

أما في الخارج فقد بدأ يفتتح مؤسسات تعليمية موازية تابعة له، متمثلة في مراكز تعليمية ثقافية وجامعات ومدارس تنفق عليها الحكومة ببذخ من أموال الشعب لتشكل بديلا عن مدارس الخدمة يحقق الهدف الذي رفضت مدارس الخدمة تنفيذه. لكن غياب الرؤية التعليمية وضعف الكفاءة المهنية للكوادر القائمة على هذه المؤسسات، وتقديمهم مصالحهم الشخصية على الرؤية الإصلاحية، جعل هذه المؤسسات تعجز عن المنافسة وتعلن فشلها في ظل وجود واستمرار مدارس الخدمة.

ومن هنا بدأ التفكير في القضاء على مدارس الخدمة نهائيا داخليا وخارجيا، وقد بدأت خطواته العملية قبل انقلاب يوليو 2016 المزعوم، حيث ضيقت الحكومة على هذه المؤسسات، وبدأت ترسل مفتشين مقيمين في هذه المدارس للعثور على مخالفات ومن ثم إغلاقها، كما اجتمع أردوغان بسفراء تركيا في الدول المختلفة، ونبه عليهم ألا يقدموا أي وسيلة دعم لهذه المؤسسات، وأن يسعوا بكل قوة في الدول التي يمثلون فيها بلادهم لعدم السماح بافتتاح مؤسسات جديدة تابعة للخدمة.

وبعد تدبير انقلاب 2016 واتهام حركة الخدمة به، أعلن أردوغان أن هذا الانقلاب هدية من الله وعلى الفور أصدر أوامره بمصادرة مدارس الخدمة في الداخل التركي، وتسليم مبانيها لوقف أسماه “تورجيو” وهي مؤسسة تدار بواسطة عائلة أردوغان تقوم على افتتاح عدد كبير من مدارس الأئمة والخطباء الدينية وتهدف إلى نشر الأفكار المتشددة، والعمل على إحداث تغيير حاد في ثقافة وهوية المجتمع التركي، وبالطبع تغيِّر في خيارات الناخبين على الساحة السياسية.

رؤية التعليم لدى أردوغان وحزبه تتغيّا غايات سلطوية تسعى إلى خلق كيان جديد هدفه التوغل داخل الدول، وتكوين أجيال تتبنى أفكار التطرف والإرهاب التي تغذيها مناهج حزب العدالة والتنمية.

وفي إطار سعي أردوغان للقضاء على مدارس الخدمة في الخارج، وإقناع الدول التي بها مدارس للخدمة بإغلاقها أو تسليمها لهم، تقدمت الحكومة التركية في نهاية مايو 2016 بمشروع قانون لإنشاء مؤسسة أطلقت عليها اسم “معارف” التركية، وفي يونيو 2016 وافق البرلمان التركي على مشروع القانون، وأصبح مفعلا، وصدر برقم 6721 لسنة 2016 تحت اسم ” مؤسسة معارف التركية”، والهدف المعلن من إنشائها هو تقديم الخدمات التعليمية للمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية خارج تركيا، وإقامة المراكز الثقافية، والمكتبات، والمراكز الرياضية، وبيوت الطلاب.

استغل أردوغان علاقاته السياسية ووعوده الاستثمارية، واختراق بؤر الفساد في بعض الدول ورشوتها للاستيلاء على مدارس الخدمة وتسليمها إلى وقف المعارف الذي أسسه لهذا الغرض. فقد استولى وقف المعارف على 74 مدرسة من مدارس الخدمة في أفريقيا فقط، كما استطاع أيضا أن يستولي على هذه المدارس في بعض دول البلقان، وبعض دول آسيا ومنها أفغانستان وباكستان وماليزيا، وهي دول تتعاطف سياسيا مع رؤى وأفكار حزب العدالة وزعيمه أردوغان.

آمن كولن بأن التعليم أفضل وسيلة لتنشئة الإنسان، ومن ثم بناء أساس متين وقوي للمجتمع. فكل مشكلة اجتماعية تنبع أساسًا من الفرد وإذا أردنا حلها ينبغي أن تكون البداية من الفرد.

ورغم تسليم بعض الدول مدارس الخدمة إلى وقف المعارف أو إغلاقها، فما تزال هذه المدارس عاملة في بعض الدول الأخرى ممن رفضت الخضوع لابتزازات أردوغان، وممن تحترم القانون وترى أن هذه المدارس عاملة في البلاد منذ فترة طويلة بعضها يبلغ العشرين عاما، وكانت نشاطاتها على مرأى ومسمع أجهزة الأمن المحلية والدولية، ولم يرصد عليها أي تجاوز، أو مخالفة للقوانين، لذلك رفضت أي طلبات مقدمة من النظام التركي لتسلم هذه المدارس.

مما سبق يتبين أن رؤية التعليم لدى أردوغان وحزبه تتغيّا غايات سلطوية توسعية تسعى إلى خلق كيان جديد هدفه التوغل داخل الدول، وتكوين أجيال تتبنى أفكار التطرف والإرهاب التي تغذيها مناهج حزب العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى خلق قوى ناعمة تسيطر على السلطة وتتحكم فيها.