إن الأستاذ فتح الله وهو يحلل هذه المقومات يريد التنبيه إلى تلك العناصر التي استطاعت الأمة بواسطتها أن تولد بعد أن كانت مجرد مجموعة بشرية لا تأثير لها في محيطها ولا وجود لها على مسرح التاريخ، وبعد أن كانت على هامشه. لكن العوامل الطارئة في واقعها قد حولتها إلى حقيقة وجودية، بل إن هذه الحقيقة الوجودية نفسها قد تكونت نتيجة هذه العناصر الطارئة في حياتها، لقد تحولت إلى شيء بعد أن كانت لا شيء.

هذا العنصر الطارئ في حياة هذه المجموعة البشرية هو “الإسلام” الذي تتوفر روحه على قدرة تحويل الإنسان وتغيير مسار تاريخه في كل وقت وحين، بل إن التاريخ نفسه يتغير مساره بفعل ذلك التحول الذي يُلحِقه الإسلام بالإنسان.

يتحدث الأستاذ بروح جماعية من خلال إلحاحه على “نون الجماعة”، فهو يركز على الذات الجمعية المتفرقة في كل مكان من هذا العالم، لكن هذه الذات الجماعية تلتقي عند مرتكز الثقافة. فـ”نحن” هذه ليست مرتبطة بحيز زماني ولا بحيز مكاني محدد، بل هي تعم الماضي والحاضر والمستقبل، وتعم كل مكان.. ولذلك كانت عناصر هذه الثقافة كما سبقت الإشارة إلى ذلك خارج حيز الزمن والمكان معا، إنها فوق الزمان كما يقول الأستاذ.

إن المعتقدات والمكتسبات التي تتشكل منها هذه الثقافة وتنبني عليها هي عناصر مندرجة في الروح وغافية في اللاشعور، “تُحفِّزها المقومات الداخليةُ للعقل بين فينة وأخرى، بواسطة دوافعَ وأسباب مؤثرة في هذه المكتسبات، فتنشطها وتُفعِّلها وتنشئها فتصوِّرها في أشكال؛ فأحيانًا في ذات شكلها القديم وأحيانًا في تَماثُلٍ قريب من شكلها القديم، ولكن ربما بلون باهت. غير أن هذه المكتسبات مهما كانت مندرجة في طبع الإنسان فلا تَظهر في الحاضر مجدَّدًا بعين الذات القديمة، لأن كل يوم جديد هو عالم خاص بذاته، وإذ يطلع يطلع بخصوصياته، وإذ يغيب يغيب بخصوصياته.. لذلك لا نريد أن نكرر مكتسباتنا القابعة في اللاشعور كشيء قديم تمامًا، بل بإضافة شيء من العمق إليها حسب متطلبات الأحوال والظروف. بل القول الأصوب أن نعيش تلك المكتسبات بزيادة ألوانٍ وأعماقٍ طرية، صحيحةَ النسب، ومستمدةً من الأصل”.

يتأمل الأستاذ فتح الله في الثقافة من زاوية الثابت والمتحول. فالثابت هو تلك الأصول التي تنير الطريق وتوجه الرؤى وتضبط الأفكار. وأما المتحول فهو ما يستطيع الإنسان أفرادا وجماعات تقديمه لذاته ولجماعته وللعالم كله انطلاقا من تفاعله الإيجابي مع مرتكزات ميراثه الثقافي، وانطلاقا من خصوصية الفترة التاريخية التي تنتمي إليها الذات المتفاعلة.

ما يريد الأستاذ التنبيه إليه هو أن لكل جيل ولكل عصر خصوصيته وهي خصوصية تسمح للجميع بأن يثبت ذاته وأن يبني شخصيته وأن يكون بسلوكه وفاعليته إضافة نوعية إلى مسيرة الحضارة والعمران، بل الأكثر من ذلك هو ملتزم بأن يضيف إلى المكتسبات الكامنة في أعماقه. بعبارة أخرى عليه بعث هذه الخصوصيات، وطبع حياته من خلالها بطابعه الخاص الذي تتجلى فيه شخصته في الزمان والمكان.

ماذا نستفيد من هذا التصور؟ نستفيد منه أن فتح الله حريص على أن يقوم أهل كل عصر ببناء حاضرهم وألا يقفوا على أبواب الماضي مادحين. وهو عندما يثير هذه القضية يطرحها بمنطق المجيب عن سؤال العصر المتعلق بعلاقة الذات بالقديم وبأصولها، كيف ينبغي النظر إلى القديم وكيف ينبغي التفاعل معه؟ يرى فتح الله بأننا ملزمون بإعادة إحياء البيئة الطيبة التي صنعت حضارة تعتبر اليوم من أقوى ما قدمته الإنسانية عبر تاريخها الطويل.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: محمد جكيب، أشواق النهضة والانبعاث قراءة في مشروع الأستاذ فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر.