في بداية حديث فتح الله كُولَنْ عن آرائه الخاصَّةِ بالفوضى والإرهاب والجرائم المجهولة الفاعل التي تُشَكِّلُ واحدةً من أهمِّ ظواهر القرن العشرين ولا سيما النصف الثاني منه، والتي انتقلت إلى القرن الحادي والعشرين بشكلٍ أشدّ؛ يُنوِّه على نقطة مهمة وهي عدم جواز طلب غاية مشروعة بفعل محرم كقتل بَريءٍ فيقول: “يستحيل طلبُ غاية مشروعةٍ بقتل الأبرياء، ولذلك فقد قلنا منذ البداية” يستحيل أن يكون الإرهابيُّ مُسْلِمًا، كما يستحيل أن يكون المسلمُ إرهابيًّا”. أجل، إن ابن عباس رضي الله عنه يرى أن قتلَ الإنسان مساوٍ للشِّرْك؛ حيث إنَّ الأبرياء هم من يُقتلون دائمًا في الأحداث الإرهابية التي تُمَثِّلُ بلاءً لنا في هذه الآونة، وتُهدّم البيوت والنُزُل؛ فتترمَّلُ النساء، ويتيتَّم الأطفال، ولا يمكن إقرارُ كلِّ هذه الأمور في منهج العقيدة، يقول بديع الزمان سعيد النُّورسي متحدِّثًا عن العدالة في الإسلام: “هبْ أنكَ في سفينةٍ أو في دارٍ ومعكَ تسعةُ أشخاصٍ أبرياء ومجرمٌ واحدٌ، ورأيتَ مَنْ يُحاول إغراق السفينة أو هدمَ الدارِ عليكم، فلا مراءَ أنك في هذه الحالة ستصرخُ بأعلى صوتك مُحتجًّا على ما يرتكبه من ظلم فادحٍ؛ إذ ليس هناك قانون يُسوِّغُ إغراق سفينةٍ بِرمَّتها بما فيها من أبرياء من أجل القضاء على المجرمين فيها حتى ولو كان عدد المجرمين تسعة إلى جانب بريء واحد”[1].

يستحيل الوصول إلى الغاية عبرَ التصايُحِ والصُّرَاخِ في الشوارع وقتلِ الناس أيًّا كانوا، ومن ثمَّ فإنه لا يمكنُ في هذا الإطار التوفيقُ بين جرائم الإرهاب والقتلِ والغَصْبِ وحوادث الخَطْفِ وما شابه ذلك وبين الإسلام.

الإسلام والإرهاب لا يجتمعان  

يذكر فتح الله كُولَنْ أن الإسلام أصلًا لا يجلس مع الجريمة والفوضى والإرهاب على طاولة واحدةٍ في أيِّ وقتٍ ولا في أيِّ مكان أبدًا، وأنَّ هدفَهُ السِّلمُ والهدوء والسلامُ العالميُّ والقضاءُ على الفتْنَةِ والفسادِ من على وجهِ البسيطةِ، وأنه لا يمكن أن يكون ثَمَّةَ دِينٌ ولا نظامٌ آخر غير الإسلام أَوْلَى حياةَ الإنسان قيمةً بقدرِ ما أولاها الإسلامُ، ويُؤكِّدُ على حقيقة ذلك وبُرهانِهِ مُبيِّنًا أن الإسلام حكمَ في القرآن الكريم على مَنْ قتلَ نفسًا بأنه قتلَ الناسَ جميعًا ومن أحيا نفسًا بأنه أحيا الناس جميعًا؛ إذ قال الله تعالى: “مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”(المائدة:32)؛ ولذا فإنه يؤكد استحالة أن تكون للإسلامِ أيَّةُ مسؤوليَّةٍ أساسًا في الجرائم والحوادث الإرهابية التي تقعُ ضدَّ العالَم ولا سيما في البلاد الإسلامية، وبالتالي فإنه يؤكِّد على أن من آمنوا بالإسلام حقَّ الإيمان وجعلوه منهجَ حياتهم يستحيلُ أن يُدبِّروا مثل هذه الحوادث والجرائم الإرهابية، وإنْ ساهَمَ في هذه الجرائم بعضُ من سُمُّوا بأسماء المسلمين فإنهم إمَّا مجموعة من النماذج المُغَرَّرِ بها التي لا علاقةَ لها بالإسلام سوى الاسم، وإما أنَّ بينهم مجموعةً من المنظَّمات الإرهابية تسلَّلت إلى داخلهم، وحملت أسماء المسلمين؛ فهذه المنظَّمات إما أن تكون ذيولًا تابعةً للإرهابيين ومرتكبي الجرائم الحقيقيين، أو أنها منظَّمات وهميَّة موجودة اسمًا لا جسمًا.

من آمنوا بالإسلام وجعلوه منهجَ حياتهم يستحيلُ أن يُدبِّروا مثل هذه الجرائم الإرهابية، وإنْ ساهَمَ في هذه الجرائم بعضُ من سُمُّوا بأسماء المسلمين فهم مُغَرَّرٌ بهم.

تفسيرات لا توافق روح الإسلام

يرى فتح الله كُولَنْ أن بعضَ المسلمين في يومنا أتوا على الإسلام بمجموعة من التفسيرات والتحليلات المُتشَدِّدَةِ التي لا توافق روحَهُ أصلًا، وأنهم لم يُعارِضوا في الأقل الشدَّةَ والوحشيَّةَ المرتَكَبَةَ باسم الإسلام أصلًا بدعوى التحيُّز له، ويبين إلى جانب هذا أنَّ المسلم لن يستطيع تحقيقَ أيِّ هدف إسلامي بالقتل وارتكاب الجرائم وإثارة الفوضى وممارسة الإرهاب، ومع أن التاريخ أثبتَ وجود الطوائف كالخوارج والقرامطة والحشاشين الذين لجؤوا إلى الإرهاب وتحركوا باسم؛ فإنه من الواضح تمامًا أن هذه الطوائف لا علاقة لها بالإسلام أساسًا، وأنَّ أهلَ السنة والجماعة الذين يُشَكِّلُون السواد الأعظم من المسلمين اعتبروا هؤلاء جميعًا فِرَقًا ضالَّةً؛ فلقد اعتبرَ العلماءُ الخوراجَ وأمثالهم مارقين من الإسلام مروقَ السهم من الرميَّةِ وذلك استنادًا إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك عن أبي سعيد الخُدريّ وأنس بن مالك رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيؤونَ الْفِعْلَ، يَقْرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّميَّةِ”[2]، فَهُمْ حتى وإن بَدَوا وكأنهم يقرؤون القرآن ويُكْثِرُون من الصلاة ويعزُون كلَّ حركاتهم إلى الإسلام؛ فما يقرؤونه من القرآن لا يتجاوز حناجرهم.

يرى فتح الله كُولَنْ أن بعضَ المسلمين في يومنا أتوا على الإسلام بمجموعة من التفسيرات والتحليلات المُتشَدِّدَةِ التي لا توافق روحَهُ.

الإرهاب لا دين له

 إذن يستحيل أن يكون للإرهاب والجريمة دِينٌ، وكما أنه ظهر كثير من المجرمين والإرهابيين من بين أتباع الديانات الأخرى، وأنَّه ليس من الصواب اتِّهَامُ أديانهم إذا كانت لا تأمرُ بالإرهاب والجريمة أساسًا بل إنها تحتقرُه وتنبذُه؛ فإنه لا يمكن على الإطلاق اتِّهامُ الإسلام بالإرهاب والجريمة إن كانت هناك مجموعة من المسلمين خُدِعوا واستُغِلُّوا وغُرِّرَ بهم، أو فقدوا صوابَهم واعتدَالَهم بسبب الضغوط المستمرَّةِ التي يخضعون لها منذ عصور؛ فَضَلَعُوا في ارتكاب جرائم وأعمال إرهابيَّة بالفعل.

لا يمكن أن يكون ثَمَّةَ دِينٌ ولا نظامٌ آخر غير الإسلام أَوْلَى حياةَ الإنسان قيمةً بقدرِ ما أولاها الإسلامُ

الغاية لا تبرر الوسيلة

وفيما يتعلق بهدف المسلم الحقيقي وبالطريق الموصلة إليه يقول فتح الله كولن ما يأتي: “لا إرهاب في الإسلام؛ فالمسلم له غاية وحيدةٌ فريدةٌ على وجهِ البسيطة ينسجُ حولها أفكارَه وأعمالَه في الحياة الدنيا، ويُعِدُّ خُطَطَهُ ومشروعاتِهِ حتى يتمكَّن من الوصول إليها، فما هي تلك الغاية؟ إنها رضا الله تعالى ولا شيءَ سواه.

أجل، إن المسلمَ إن كان قد تمكَّنَ من فهْمِ الإسلام حقَّ الفهم ووعاه جيِّدًا وجَبَ عليه ألا يُفكِّرَ في شيءٍ سوى رضا الله تعالى؛ فهو مُطالبٌ بينما يسير نحو هدفٍ وغايةٍ مباركةٍ ومثاليَّةٍ على هذا النحو بأن تكون وسائلُه ووسائطُه لتحقيقها مشروعةٌ؛ لأن غايةً ساميةً كهذه لا يمكن الحصولُ عليها إلا بالطُّرُقِ والوسائل المشروعة، و”الغاية لا تُبَرِّرُ الوسيلة”، ويستحيل الوصول إلى الغاية عبرَ التصايُحِ والصُّرَاخِ في الشوارع وقتلِ الناس أيًّا كانوا، ومن ثمَّ فإنه لا يمكنُ في هذا الإطار التوفيقُ بين جرائم الإرهاب والقتلِ والغَصْبِ وحوادث الخَطْفِ وما شابه ذلك وبين الإسلام”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1] ) بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، المكتوب الثاني والعشرون، صـ320.

([2] ) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، 8؛ صحيح مسلم، الكسوف، 47؛ سنن أ[ي داود، السنّة، 31 (واللفظ له).

المصدر: علي أونال، فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ1، 2015، صـ 354/ 355/ 356/ 357.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية وبعض العبارات من تصرف محرر المرقع.