يُقِرُّ فتحُ الله كُولَنْ بمحدوديّة مجال العلوم التجريبيّة، ومع تصريحه بأن العِلْمَ ومجالَه ليسا هذا فحسب، لا يرى أن مصادرَ العِلْمِ تكمنُ في الحواسِّ والتجارب، ولا يحصرها في ذلك فقط؛ فهو يتناول المسألة من منظورٍ إسلاميٍّ، ولذلك يقول:
“إن أسباب العلم أو مصادره ثلاثة: أوّلها: “الحواس السليمة”؛ أي أعضاء الحسّ السليمة التي تؤدِّي وظائفها تامَّةً دون نقصٍ، أما احتماليّة أن تخطئَ أعضاءُ الحسِّ فهي حقيقةٌ واقعةٌ لا ندّعي خِلافها، لذا قيدوها بكونها “سليمة”.
ثاني أسباب العلم: هو العقلُ السليم؛ ويدخل فيما يُعلم بالعقل البديهياتُ وعيرُها، فالعقلانيّة الفَظَّةُ تعتبِرُ أنَّ العقلَ هو المصدرُ الأوحدُ للعلم والحقيقة، في حين أنَّ ثمة وقائعَ وحقائقَ يستحيل إنكارُها كاختلاف العقول باختلاف الأشخاص، واحتماليّةِ أن تُطرح مجموعة من “الحقائق” المختلفة حول مسألة معينة بحسب أعداد الناس، وأنَّ العقل قد يتأثر بكثير جدًّا من الأمور كالحس والرغبة والنزوات النفسية والأيديولجيات والمعتقدات، ناهيك عن أنه مُعرَّضٌ للنمو والضمور أيضًا؛ إذًا فاعتبارُ العقلِ -أيًّا كانت قيمتُه- مصدرَ العلم الوحيد يمثِّلُ نوعًا آخر من الانخداع، وحين أدرج العلماء المسلمون العقلَ بين مصادر العلم أو أسبابه اشترطوا “أن يكون العقلُ هو ذلك العقل المنشود” أو “العقل السليم” أي العقل المتحرِّرُ من تأثير العناصر والعوامل التي ذكرناها آنفًا، ولا شكّ أن كُولَنْ أيضًا يرى الشيءَ نفسه؛ إذ يُعَرِّفُ العقل السليم بأنه: “العقل الذي يُدرِكُ الأشياء ويُقيِّمُها بحالتها الأولى المجرّدة دون اتِّخاذه موقفًا مسبقًا تجاهَ أيِّ شيءٍ”.
وإن كان فتح الله كُولَنْ ليس عقلانيًّا بالمعنى الفلسفيّ إلا أنّه يهتمُّ بالعقل اهتمامًا كثيرًا؛ إذ العقلُ على حدِّ تصويرِه: “شيءٌ مجرّدٌ من المادّةِ، لكنه جوهرٌ ملاصقٌ لها، وهو في داخلِ الطبيعةِ امتدادٌ نورانيٌّ لما وراءها، وأحدُ أهمِّ كلِّيّات الروح، وهو أوضح نورٍ يكمن في ماهيّة الإنسان للتفريقِ بين الحقّ والباطل”.
وينظر كُولَنْ إلى العقل على أنه: “قوَّةُ الروح الحارسةُ من حيث تفكيرُ الإنسان وفهمُه ومنعُه من الوقوع في الآثام وتوجيهه إلى الخيرات”، وقد ربطَ علمُ الكلام في الإسلام المسائلَ المتعلّقةَ بأصول الدين -ربطها- بالعقل إلى حدٍّ كبيرٍ على اعتبار أنه أساسُ التكليفِ، ومناطُ التفكُّرِ والتدبُّرِ، وأوَّلُ جواهر المحاكمة العقليّة، والمميِّزُ للإنسان عن الحيوان، الذي يقوده إلى بابِ الإنسانيّة الحقة، كما أنه أروعُ هدية من الخالق للإنسان.
ومع أنَّ فتح الله كُولَنْ ينظرُ إلى العقل ويعتبره جوهرًا فإنه يُقَيِّمُه في الإطار القرآني من زاوية “المعقولية” في الأكثر، أي إنَّ العقل في فكر كُولَن المستند إلى القرآن يُمثِّلُ فعاليَّةً أكثر من كونه كُلِّيّةً ثابتةً بذاتها؛ ولذلك فإنه يتحدَّث عن “العقل النَّشِطِ الفعّال”، وفي هذا الإطار فإن الشرك بالله -مثلًا- أمرٌ غير معقول؛ لكنَّ التوحيد معقولٌ بكلِّ شُعَبِه، والقرآن والإسلام بهذا المعنى يجعلان العقلَ يُسجِّلُ كل المسائل ويثبتها، وليس فيهما أيَّةُ مسألةٍ مخالفةٍ للعقل، ولم تُترك في أيٍّ من رسائل القرآن وأحكام الإسلام أيّةُ فجوةٍ ولا ثغرةٍ عقليّةٍ أو قلبيّةٍ أو روحيّةٍ أو حسّيّة، بل العكس؛ إذ الإسلام كان ولا يزال منبرًا للعقل السليم والمحاكمة العقليّة المبنيّة على الأسس والقواعد والمنطق المنظّم، وقد أفحَمَ الطرفَ الآخرَ ذا المغالطات والجدال والغوغائية غير المعقولة، وأنهى نضاله مع هذه الأمور بتحقيق النصر عليها” .
وبرغم كلِّ شيء فإنَّ العقلَ لا يقود بمفرده الإنسانَ إلى الصواب الـمُطْلَقِ، كما أنه لا يُمثِّلُ مصدرَ الصواب والحقِّ الوحيد؛ فقدرتُه على أن يكون عقلًا سليمًا مرتبطةٌ ببُعدِهِ عن كلِّ أنواع الأحكام المسبقة وتحقيق المنفعة الشخصيّة، كما أنه ينبغي أن تُرسَمَ له طريقٌ سليمةٌ لصالح فعالياته ونشاطاته؛ أي إنَّ العقلَ محتاجٌ في فعاليّاتِهِ إلى مرشدٍ ودليلٍ يهديه السبيل، هذا الدليل سينير له الطريق الذي يسلكه، وسيمنحه مقاييس ومعايير ثابتة لا تَضِلُّ تجعلُه يبصرُ وظيفتَه المطلوبةَ منه، هذا المرشد والدليل في الطريق هو”الخبر المتواتر”، وهو المصدر الثالث الأهمّ والأوثق في مصادر العلم.
ويمكن تناول الخبر المتواتر في عنوانَين أو فئتَين رئيسَتَين؛ الأولى: الخبر الذي نقلهُ جمعٌ يستحيلُ تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، ومُسْتَنَدُهم الحسُّ، ومن ذلك مثلًا أننا لا نرتاب في وجود أمريكا حتى وإن لم نذهب إليها؛ لأننا نحصل على الأخبار الخاصّة بها من مصادر لا تعدّ ولا تحصى، أما النوع الثاني من أنواع الخبر المتواتر فهو الذي يستند إلى الوحي، أي ما جاء به الأنبياء والمرسلون.
والاعتراض على قبول الوحي مصدرًا من مصادر العلم يجعل ساحة العلم مقصورةً ضيقةً على الخبرة والتجربة الحسية فحسب، في حين أن ثَمَّةَ مجالًا كونيًّا فسيحًا جدًّا يقعُ خارجَ هذه الحدود لا يسوغُ إقصاؤه، لأنّ إقصاءَه ونبذَه خارج حدود العلم -هو في رأيٍ- اعترافٌ بجهله؛ فالعلم يستحيل أن ينكر هذا المجال؛ لأن الإنكار حكمٌ، ومن ثم يضطر العلم إلى إثبات فناء وعدم وجود المجال الذي أنكره، وبالتالي فإن إنكار وجود مخلوقات طبيعتها ووجودها فيما وراء الطبيعة كالشيطان والجن والملائكة -كما يفعل الإلحاد- أو مخلوقات ذات صلة بالطبيعة وبما وراءها؛ ليس من العلم في شيءٍ، وإنما هو مجرد دوغماتية، وفي المقابل فإن الاعترافَ بوجود الله تعالى ووجودِ مخلوقات كالملائكة والجنّ والشيطان تصرُّفٌ علميٌّ صِرفٌ ولا يمتُ إلى الدوغماتيّة بأيِّ صِلة، وهو على عكس ما يزعمه العلم المادِّيُّ من كونه اعتقادًا أعمى؛ لأن ثمة معايير سليمة وعلمية بكلِّ جوانبها تُسوِّغ قبول هذه المخلوقات والاعتراف بوجودها؛ يأتي في مقدِّمتها أكثرُ من مائة ألف نبيّ لم تصحّ نسبة أي كذبةٍ إليهم طوال حياتهم، وقد أبلغوا أنهم خبراءُ هذا المجال، وأنه يُوحَى إليهم إلى جانب أنّه يأتيهم الإلهام، كذلك هناك ملايين الأولياء خُصُّوا بالإلهام ولم يثبت عليهم أنهم كذبوا أيضًا، وباستثناء هذا فهناك ضمير الإنسان والتجارب الوجدانية والروحيّة، وهناك أيضًا كثيرٌ من الناس التقوا بهذه المخلوقات وتحدّثوا معها يمثِّلون دليلًا آخر على وجودها.
إن عدم الاعتراف بكون الوحي مصدرًا من مصادر العِلْمِ سيؤدِّي إلى ردِّ وإنكار كلِّ كلام الأنبياء وجميعِ الكُتُبِ الإلهيّة، وإلى اتهامِ أكثر من مائةِ ألف نبيّ -هم أصدق البشرية وأكملها على الإطلاق، إذ لم ينشدوا أيّة مصلحةٍ أو أيَّ نفعٍ مادِّيٍّ طيلةَ حياتهم- بأنهم كذبوا -حاشاهم- على البشر وخدعوهم، ويؤدي أيضًا إلى اتهامِ مَنْ آمنوا بهم وساروا على دربهم منذ اليوم الأول في تاريخ البشرية من مئات الآلاف من العلماء وملايين الأولياء وغيرهم وغيرهم من ملايين الكُمَّلِ باتباعِ الكَذِبِ والخداعِ، وفوق ذلك فالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة يفيضان بالحقائق العلمية التي ثبتت صحّتها وصدقها بالتوازي مع التطوُّر العلمي، وهناك أيضًا كثيرٌ من الأخبار المتعلِّقة بالمستقبل ستثبت صحّتها حين يأتي وقتها، وهي ما لا يستطيع أحدٌ إنكاره.
الإسلام هو ضامن الفكر والبحث العلمي
يقول الأستاذ فتح الله كُولَنْ: “إن هذا الدين الذي جاء بالقرآن والإسلام اسمٌ لَنظامٌ متكاملُ الجوانبِ يمكننا أن نسمّيه الغايةَ المُثلى، وأساسُ هذا النظام هو الإيمان والمحبَّة والعِشقُ وطريقُ البحث عن رضا الله تعالى”؛ وهو بذلك يؤكِّد أن طبيعة الإسلام ترمي إلى التجديد والتكامل دائمًا، وما ذلك إلا لامتلاكِها القدرةَ على الانفتاح إلى الأبد، كما يرى الأستاذ كولن أنَّ الإسلام رغم أنه يشجّع الفكرَ والبحثَ العلميَّ إلى ما لا نهاية، وأسَّسَ أعظم حضارة علميّة ومعنويّة في التاريخ اعتمدَت على العلوم وقطعت شوطًا كبيرًا بذلك؛ إلا أنَّ العدو الأكبر والسبب الحقيقيّ الذي أدَّى لاحقًا إلى انخماد عشقِ العلمِ لدى المسلمين وحَطّمَ سواعدهم وشلّ إرادتهم، وأدى إلى هزيمتهم وأَسْرِهم في العصور اللاحقة هو عدمُ وفائِهم للإسلام بالشكلِ اللازمِ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: علي أونال، فتح الله كولن ومقومات مشروعه الحضاري، دار النيل للطباعة والنشر.
